إبراهيم عرفات / Aug 21, 2011

في المسجد لدينا بالقرية، لم ينقطع الشيخ عن رفع الدعاء بلجاجةٍ حارةٍ قبل إقامة الصلاة متوسلاً:

يا رب العالمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز المسلمين بدينهم وأعز دينهم بهم، اللهم من أراد بالمسلمين سوءًا فاجعل كيده في نحره وشتت شمله وفرق جمعه وأهزم جنده يارب العالمين.

 

وكلمة "عز" متوغلة في ثقافتنا الشرقية فنقول، فلان هذا تربية عز وأكل الوز، وفلانة "بنت عز ما تنهز"، والحياة وقفة عز. عزُّ العربي وإباؤه هما رصيده وكثيرًا ما حجبه هذا الرصيد عن رؤية الواقع والتعاطي معه بشكل عملي يعود بالخير على حاضره، والأمثلة كثيرة من "داحس والغبراء" إلى النعرات العربية القومية الحاضرة.

 

 من لسان العرب نعلم أن العزيز هو القوي الغالب كل شيء. وفي الحديث: قال محمد لعائشة: هل تَدْرِينَ لِمَ كان قومُك رفعوا باب الكعبة؟ قالت: لا، قال: تَعَزُّزاً أَن لا يدخلها إِلا من أَرادوا أَي تَكَبُّراً وتشدُّداً على الناس، وجاء في بعض نسخ مسلم: تَعَزُّراً، براء بعد زايٍ، من التَّعْزير والتوقير، فإِما أَن يريد توقير البيت وتعظيمه أَو تعظيمَ أَنفسهم وتَكَبُّرَهم على الناس. والعِزُّ في الأَصل: القوة والشدة والغلبة. من هذا يتضح أننا حيال إنسان يتعبد إلى الله بدينه، وهذا الدين الإسلامي هو سبيله إلى بلوغ العز أي القوة والشدة والغلبة على الآخرين المخالفين له في الاعتقاد. يقول القرآن: "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون". المسلم هنا هو الأعلى وبالتالي هو أرفع منزلة من الأدنى أي غير المسلم. إنه يبسط زعامته على الآخرين بواسطة الدين؛ هو الأعلى وهم الأسافل، والدين هنا ليس بالضرورة غايةً بذاته بل هو أداة سيطرة وعلو وبسط نفوذ على غير المسلم. قال محمد: اغزوا بلاد الروم تفوزوا ببنات بني الأصفر. المكاسب هنا تفوق أي غاية فيها الخير نفعله لأنه الخير بذاته.

 

وفي التكتيك لانتشار الدين الإسلامي، يرفع النبي العربي (سيد ولد آدم ولا فخر؛ أو هكذا توهم!) دعاءه على غرار دعاء الشيخ بالمسجد عندنا بالقرية فيبتهل إلى الله قائلا:

 "اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين".

عمرين؟ وعزة الإسلام واقفة على عمرين؟ ليس أكثر؟

يريد محمد هنا لدينه الناشيء العزة وبأي ثمن وبأية وسيلة إذ المهم عنده هو أن يعلو الإسلام على سائر الأديان. مفهوم العز مرتبط بنشأة الإسلام الأولى في أطواره المبكرة حيث كان كل ما يهم هو أن ترجح كفة الإسلام وإخراس خصومه الرافضين لاعتناقه. تُرى ماذا لو نشأت دعوة الإسلام وانبلجت من أحشاء الضعف لا التجبُر كما هو الحال مع دعوة يسوع المسيح أو بوذا مثلا؟ ماذا لو انتصرت دعوة محمد بالوداعة وليس بأن يكون رزق النبي تحت رمحه كما يخبرنا الحديث؟ ماذا لو رضي محمدٌ بأن يستقطب إليه كل من رغب في التوحيد بطيب خاطر، وما همه إقامة "دولة الإسلام" والتي انتشرت بالسيف والبطش كما نعرف جميعًا؟

بعكس محمد سافك الدماء، فإن المسيح لم يسفك دمًا، لا بريئًا أو فاجرًا، وإنما دمه هو الذي أُهرق على الصليب، ورسالته انتشرت لا من خلال "عزة النصارى" ولكن من خلال "مقهورية الصليب" إذ الصليب بذاته، على ما فيه من آلام وضعف، له مجده الخاص به (مجد الصليب)؛ وحيث باتت دماء الشهداء بذار الكنيسة؛ فكان كلما قتلوا من المسيحيين الأوائل وقاموا بتشتيتهم كلما ساهموا أكثر في إعلاء شأن المسيحية إذ أن "الذين تشتتوا قد جالوا مبشرين بالكلمة"(أعمال الرسل 8: 4).

 

ولكن كيف تتحقق العزة لمحمد في دينه؟ وهل فعلا تحققت هذه العزة المنشودة؟

يجيبنا بأنها سوف تأتيه باعتناق الناس لهذا الدين ودخولهم فيه أفواجًا. لذلك يفرحون بدخول هؤلاء القبطيات المخدوعات المُضلَّلات للدين الإسلامي. ولكن هل حقًا زادت عزة الإسلام فعلا باعتناق الأقباط للإسلام؟ وأين هو هذا العز؟ ما أراه هو كثرة عددية وتضخم إذ يتم نزوح ناس من هذا الفريق إلى الفريق الآخر ولكن لا يزال المسلمون في مؤخرة شعوب العالم ولا سبيل لمقارنتهم حتى بالصين أو كوريا أو أدنى بلد أسيوي "على باب الله". لندع الإحصاءات تتحدث عن نفسها ونرى: هل زاد المسلمون عزًا بدخول القبطيات أو الشقراوات لدين الإسلام أم أن الأمر أكبر من مجرد اعتناق هذا الدين أو ذاك؟ ألعل العرب كعادتهم أمة الوهم وهم لا يشعرون؟

تقول إحصائيات "العز العربي" إنه ما بين عامي 1986 و 1996 تراجع دخل الفرد في الوطن العربي بمعدل ثابت: 2 بالمئة، وهو من أكبر معدلات الانخفاض في العالم، علمًا بأن نسبة التزايد السكاني بقيت بحدود 3 بالمئة وهي الأعلى في العالم. والحال لم يتحسن اليوم بل العرب تتزايد نكبتهم واقتتالهم فيما بينهم؟ هل العز هنا مرَّده أنهم يتكاثرون كالأرانب ويتزايدون عدديًا إما بيولوجيًا أو بزيادة عدد المعتنقين للإسلام يظنون أن العز سوف يأتيهم على طبق من ذهب؟

أيضا تقول الإحصائيات الموثقة إن َّصادرات دولة صغيرة لا تملك ثروات باطنية كبيرة مثل هولندا (15 مليون نسمة) في عام 1994 كانت تبلغ 148 مليار. وبلجيكا (10 ملايين نسمة) حوالي 128 مليار دولار. وإسرائيل (5 ملايين نسمة) حوالي 16,4 مليار دولار أي إذا ما أخذنا عدد السكان بالاعتبار تكون اسرائيل متفوقة بخمسة أمثال تقريبًا. والناتج القومي لإسرائيل 87 مليار دولار، أي أن نصيب الفرد في إسرائيل من الدخل القومي يفوق ثمانية أمثال نصيب الفرد العربي. فعن أي عزٍ يتحدث هؤلاء الواهمون؟ لماذا لا ينشغلون بالأمور الأهم وهي تحسين اقتصاد الدولة عوضًا عن الخروج بلحاهم الكثة ووجوه الغضب الإسلامي حاملين لافتات تندب حظهم العاثر (أنا عايز أختي) وكأن عزة الشعب العربي سوف تأتي على يد كل هؤلاء القبطيات والغربيين الذين يعتنقون الإسلام! إنهم يحلمون ببناء امبراطورية إسلامية (وهذا أقصى ما يهمهم لا ملكوت الله!) مع أن أمامهم إسرائيل مثلاً أعلى يمكن أن يتعظوا به إذ هي أمة شابة وفي وقت صغير جدًا حققت ما لم يحققه المسلمون طوال الأربعة عشر قرنًا. يكرهون إسرائيل ويلعنونها في كل كتاب ولو سألت أي شاب عربي في جلسة صفاء عن أقصى ما يحلم به لأجابك إنه يريد الجنسية الإسرائيلية وأن يتزوج إسرائيلية شقراء ويجعلها تعتنق الإسلام إلخ. في علم النفس التحليلي، لهذا مصطلح سيكولوجي واسمه "مضاجعة العدو". ضاجعني العدو وظفر بي!

 

وبقراءة متأنية في لوجستيات الواقع العربي نجد حسابات خاطئة مغلوطة تأتي بنتيجة عكسية على خلاف حلمهم أن يصبحوا "خير أمة أُخرجت للناس".

 

 هل خير أمة تكون بالكلام والأماني الواهمة أم أن خير أمة هي أمة تشد سواعدها بالعمل وتعمل معًا بالإنسان ولخير الإنسان ناهيك عن دينه؟

 وهل يأتي العز إلى الإسلام حقًا بدخول عمر بن الخطاب وغيره من الناس فيه أم أن العزَّ يُفتَرض فيه أنه ينبع من داخل الدين ذاته وعليه فالدين ليس بحاجة لأفراد لإعلاء شأنه؟

 

عندي أن الناس يستوحون عزهم من إيمانهم لا العكس. وهل يستقوي الدين بالناس أم يستقوي الناس بالدين؟ هنا الإسلام يستقوي بعمر وغلظته الشهيرة لأنه قائم كدين من الأساس على القوة والبطش بالمخالفين وإذلالاهم شر إذلال صاغرين. أليس من المفروض أن الناس يأتون للدين فيعطيهم الكرامة أم يأتي الدين المسكين المغلوب على أمره لهؤلاء الأعزاء الأشراف من القوم كعمر وغيره فتكون بذلك العزة للدين؟ أيضًا نتساءل: ما الذي لدى الإسلام ليقدمه للناس فيهبهم به العز؟ فاقد الشيء لا يعطيه! إذا كان الإسلام في أساسه بلا عز فلا ينبغي أن ينتظره من بشر فاني من تراب مثل عمر أو الخواجة الأوروبي. وهل حقًا أعز الإسلام أبناء المسلمين؟ أيقدم الإسلام العز للمرأة مهيضة الجناح أم يأمر بضربها في حالة النشوز كما تقول سورة النساء آية 34؟ أيقدم الإسلام العز لغير المسلمين من مسيحيين وغيرهم؟ ما يحدث هو العكس تمامًا: الإسلام يشجع تمام التشجيع على مصاغرة وإذلال المسيحي حتى يرضخ المسيحي بعد كل هذه الضغوط المريعة لرهبة الإسلام وتسلطه (راجع آية الجزية في سورة التوبة 29). كيف تكون لهذه البلاد الإسلامية أي عزة والإنسان ينال كرامته على أساس الاعتقاد لا على أساس كونه مواطن في الدولة؟ عزيّ كإنسان لا يقوم في ما يقوم ديني عليه بل عزي كإنسان ينبع من كوني إنسان. إيمانياتي هي لإصلاح حالي الباطنية وهي أمر خاص ولا ينبغي الزج به في سياسات الشعوب وإلا وقعنا في فخ الشمولية البغيض (التوتاليتارية) والذي يتسم به الإسلام وشقيقته الشيوعية. الإثنان سيان عنديّ؛ وقائمان على الشمولية والقمع للفرد حيث مصلحة الجماعة تلغي الفرد تمامًا وفي الإسلام يتم تقسيم الناس إلى فسطاطين فيهما التفريق بين دار الإسلام ودار الكفار.

 

كان من الواجب أن العز يكتسبه الناس بإيمانهم بالرسالة المحمدية لا أن يأتوا هم بمالهم وعتادهم وما لديهم من عقال بعير تهرق في سبيله الدماء في حروب الردة مثلما فعل أبو بكر الصديق. فإذا كانت هذه الأمور تأتي للدين بالعز فهو دين أرضي ويخاطب الأرضيات لا أكثر ولا سبيل فيه للرقي بإنسانية إنسان يريد بلوغ كمال إنسانيته من خلال الانفتاح على نافذة الإيمان. دخل عمر الإسلام ودخلت معه الفظاظة والعنف من أوسع الأبواب، وعن تاريخ عمر في العنف فحدث ولا حرج؛ والمواقع الشيعية في جعبتها الكثير لتقوله عن ابن الخطاب. كثيرون دخلوا الإسلام فلا العز جاء ولا حلّ السلام وإنما هي "فتنة كبرى" يتمخض على أثرها الإسلام منذ نشأته وعلى مدى أربعة عشر قرنًا ولم يلد شيئاً بعد كل هذا المخاض. فتعقلوا رعاكم الله وأخبروني أين هي هذه العزة؟

وما الذي يقدمه المسلمون ضمن أنظمتهم الدينية للمجتمعات الإنسانية!! الجامعات الخمسمائة المصنفة الأولى عالمياً خالية من أية جامعة عربية أو إسلامية!!

 

ومن منظورٍ إنسانيّ، قد نجوب البرّ والبحر لنعمل على تحويل شخصٍ ما إلى جماعتنا وبهدف تعزيز قوة جماعتنا نحن أو هكذا نتوهم، وهذا أمر سلبي لأننا بذلك نتجاهل مسيرة الترحال الوجداني الداخلي لدى الشخص، وكل همنا هو زيادة عدد الجماعة. قومٌ كهؤلاء يفكرون بعقلية القطيع الشمولية/ التوتاليتارية دون اكتراث لكينونة الفرد واستقلاليته كآدمي بذاته. فماذا مثلاً عن الأسئلة والشكوك التي تثور في نفس الفرد؟ بل ما يهم عندهم هو أنه ينضم للقطيع المتكاثر في تناسله متزايدًا. إنهم يريدون زيادة نفوذ الجماعة أي عزها من خلال الكثرة العددية باستمالة هذا وذاك للدين- ولا سيما لو كانوا من بنات وبني الأشقر! قوم كهؤلاء لا يريدون التعايش مع المجتمع الإنساني الدولي بل يريدون أن تكون لهم اليد العليا متسلطين على من يخالفهم في الدين- متوهمين تحقيق ذلك بالكثرة العددية. قال القرآن: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون. هل أنتم الأعلون فعلا كما لا تنقطعون عن أن تحدثوا أنفسكم؟ أبيت اللعن! في زماننا هذا، لا يكون الاكتساح باعتناق هذا الدين أو ذاك وإنما نحن في زمن الطاقة والإنتاج. العزة التي تأتي لقومٍ بدخول شخص في دينهم هي عزةٌ كلامية ووهمٌ شارد. والأوهام – سواء كانت دينية أو قومية- ليست سبيل الشعوب لبلوغ العز بل عزهم يأتيهم من داخلهم ومن ذواتهم هم لكون الإنسان فيهم إنسانًا ويحيا إنسانيته مُفعّلاً إياها في سائر جوانب حياته. إنما الشعوب العزيزة تتحرك في صمتٍ وديناميكيةٍ في آنٍ.

 

 

تسرني مراسلتكم على بريدي الآتي:

 

timothyinchrist@gmail.com