الاسم ضمن المقال / Mar 02, 2009

بقلم رامي عبدالله

هذه قصة واقعية جرت معي في دمشق وقد ارسلت هذه القصة إلى سيريا نيوز منذ اكثر من شهر ولكن لم يتم نشرها. لا أعرف لماذا فليس فيها اساءة لإسم أو مساس بالشعور الوطني والقومي، وأحببت أن أرسلها لكم علّها تجد مكان في موقعكم، وهدفي هو فقط كشف جانب من الفساد في بلدي كما قال الرئيس الراحل حافظ الاسد: لا أريد لأحد أن يسكت عن الفساد!


مخبِرٌ في حارتنا...؟؟؟

بعد طول انتظار ودراسة طويلة عملتُ في إحدى المؤسّسات الخاصّة في دمشق القديمة، وكنتُ كلَّ يومٍ في طريقي إلى العمل أتأمّل في عراقة هذه المدينة وتاريخ بلادي العظيم، برغم ازدحام السيّارات وسوء العناية بالطرقات...
وكنتُ ألتقي في شارع باب توما، في أثناء ذهابي واِيّابي إلى مكان عملي، برجلٍ تجاوزَ عمرُه الخمسين، وكان يقف دائماً في الشّارع أمام محلاته التجارية، مُسلِّماً على كلِّ شخص تقريباً، فهو يعرف الجميع. كانت ابتسامتُه تعلو وجهَه دائماً، وكرشُه ظاهراً للعيان من مسافةٍ بعيدة. كنت ألتقيه بالسّلام والتحيّة، وكان هو يبادر إلى الكلام ويستوقفني بطريقته الخاصّة التي لا أشعر بها إلا وأنا أتكلم معه كلاماً عاماً ونتحاور حول مسائل عامّة تتعلّق بأحوالي وشغلي... كيف تجري الأمور؟ كيف هو المسؤول عندكم بالشغل؟ كيف هم زملاؤك بالعمل؟ وكان يسمّي الأشخاص ويعرف أموراً كثيرة عنهم وهكذا... وبعدها أتابع طريقي!لم أفكّر أو أشعر للحظة أنَّ هناك خطباً ما، كانت الأمور تسير ببساطة وطيبة... هذه طبيعتنا نحن السوريون...
وفي يوم من أيّام حزيران الدّافئة، وأنا في مكتبي إذ يتّصل بي زميلي في العمل، من مكتب آخر قريب من مدخل المبنى، قائلاً: توجد دوريّة أمن تطلبك. ماذا؟ ما الأمر؟ قال معهم كتاب أمر بالحجز عليك وعلى ممتلكاتك. الأفضل أن تأتي يعرفون أنّك هنا. نزلتُ، وصدقاً لم أشعر بالخوف أبداً، فأنا أعرف نفسي جيداً والجميع يعرف من أنا. وصلتُ إلى المكتب عند زميلي حيث تتواجد الدوريّة الأمنيّة، دخلتُ وسلّمتُ على الحاضرين وجلستُ. كانوا ثلاثة عناصر وضابط من إحدى المكاتب الأمنية (الخاصّة) . بعد التحيّة سألتُ ما الأمر؟ فقال الضّابط معنا أمر حجز في حقّك موجَّه من الإدارة العليا إلى مكتبنا لتنفيذه. قلتُ هل من الممكن أن أرى كتاب الحجز؟ تجاوب معي الضّابط وأراني كتابَ الحجز، وفعلاً كان اسمي موجوداً عليه... المهم في الأمر أنه بعد الحوار وعدّة اتصالات، لم يتمّ حجزي شخصياً، بل اقتصر الأمرُ على الحجز المادّي، شكرتهم على عملهم، فهم سلطة تنفيذية وحسب، لا يستطيعون المساعدة أبداً، بل التنفيذ فقط. وبعدها شربوا فنجان قهوةٍ وذهبوا. وانتهى الأمر بخسارة مادّية بسيطة، لأنني أصلاً لا أملك شيئاً يذكر... ولكن لم أترك الأمرَ يمرُّ ببساطة...

 

بقيتُ شهراً تقريباً أتابع الموضوع، وأخيراً وجدتُ السَّبب وراءَ ما حدث لي، وهو تقرير مكتوب ضدّي مقدَّم إلى جهة أمنيّة عليا، وكاتب التقرير هو صاحبنا في شارع باب توما ذو الوجه المبتسم، وإذ أكتشف أنّه مُخبرٌ عتيق ومدعوم ولا يُرفَض له أيّ تقرير... ولكن لماذا كتب فيّ هذا التقرير؟ وعدتُ بذاكرتي إلى الوراء وتذكّرت أنه قبل شهر مما حصل لي وقعت هناك مشكلة وكان ابنُه طرفاً فيها، ووقفتُ أنا مع الحق ضد ابنه، ولكن هذا الأمر لم يعجبه فأراد الانتقام، وكتب تقريرَه وأودعه أيدي أمينة تدعمه وتتعامل معه، وأثمر تقريره ونجح في مراده، وبرغم زيارتي كثيراً من الأشخاص والمسؤولين إلا أنني لم أستفدْ شيئاً، فهو مدعوم من فوق كما يُقال، ولهذا عرفتُ لماذا يعرفه الجميع ويسلّم عليه الجميع ، ولماذا يملك العديد من المحلات، والسيّارات، و... إلخ. وعرفتُ لماذا يبتسم دئماً... فهل يعقل أن أمثال هذا ما زالوا يعيثون فساداً في المجتمع بحجّة الأمن والتّعاون مع السلطات ويستغلون عملهم الدنيء لمصلحتهم الخاصة؟! نعم هذا فساد... فساد... ولكن برغم ذلك سأبقى أحب بلدي وأعمل فيها وأتنشّق عطر الجوري من ترابها. وهؤلاء الأشخاص ذوو الضمائر الميّتة لا بدَّ أن يأتي دورُهم ويزولوا من الأرض وتصحو ضمائر الشرفاء من أبناء بلدي فما زال هناك خيرٌ وأنا أتفائل بالمستقبل.

============

زاوية "نافذة لأصوات مكبوتة"

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط