عساسي عبد الحميد / Mar 25, 2006

في التاسع والعشرين من شهر أغسطس من سنة 1967 ظهر القادة العرب بملوكهم ورؤسائهم، بأمرائهم وسلاطينهم من البحر إلى البحر في مؤتمر الخرطوم وخرجوا بثلاث لاءات كبيرة غليظة، فعرفت هذه السنة لدى المتتبعين عربا وعجما بسنة اللاءات الشهيرة "لا للتطبيع، لا للاعتراف، لا للتفاوض"، تلك كانت لاءات العرب والتي صارت وتحولت بقدرة قادر بعد مرور السنين والتكيف مع الأحداث والمستجدات، وانسجاما مع ما تمليه المصلحة العليا إلى ثلاثة من "نعم" في غاية الرقة والمرونة والليونة، ويا ليت قادة العرب النشامى الغيارى صبروا  لحولين آخرين وأرجأوا قمتهم  ﺇلى ما بعد الفاتح من سبتمبر العظيم من سنة 1969 لينتظروا قدوم فتى العروبة الأغر "دونكيشوت العرب"  ليقحموه معهم إلى جانب "ناصر العرب" وكل "صقور العرب" الجوارح، منهم والكواسر وغيرهم من الغيورين على شرف الأمة وعرضها من ذوي الألقاب والأسماء الوازنة، وحاملي أوسمة ونياشين الأحساب، ورافعي أشجار ودوح الأنساب، وغيرها من المسميات والعناوين التي جادت بها ذات يوم  قريحة شاعر البلاط وفقيه البلاط، وحتى مهرج الديوان  لقب وسمى فأجاد وأثنى، والغريب في الأمر أن السواد الأعظم من الطغاة الساديين الجاثمين على صدورنا والخانقين لأنفاس شعوبنا ينتهي نسبهم الى آل البيت على حد زعمهم، فقد كان "فتى العروبة الأغر" ومجنون طرابلس سيضيف ملحا ونكهة لقمّة الخرطوم، ولكان قد اضاف من عنده لاء أو لائين للاءات العرب الشهيرة.

 

أربع عشريات ينقصها حول واحد وبضع شهور تمر على مؤتمر الخرطوم الأول، وهاهم قادة العرب من جديد أو من ينوب عنهم بمختلف ألقابهم وسحناتهم ونظراتهم التي لا تعطي الأمان، من خادم الأعتاب وفارس  وصقر وحكيم العرب الى حافظ الأمة وأمين القومية العربومانية.

مؤتمر العرب سيلقي لا محالة بظلاله الوارفة على المستعربة والعاربة من العرب وسيخصص له بطبيعة الحال تغطية إعلامية مهمة وحيزا كبيرا وحلقات ومنتديات وطاولات مستديرة على فضائياتنا وصحفنا، وفي المسموع والمرئي من إعلامنا، وسنسهب وسنطنب وسنملأ الدنيا صراخا وضجيجا، وسنخلد الحدث بما يليق من القريض والصور التذكارية وببعض من القبلات وحك الأنوف؛ كيف لا وهو مؤتمر كل العرب عدنانيتها وقحطانيتها، عاربتها ومستعربتها، سيناقش وسيتدارس صقور وفرسان العرب داخل أروقة القاعة الحالة في العراق والسبل الكفيلة لوضع حد للأزمة وتفعيل الدور العربي وخلق جو من الاستقرار والهدوء في عراق الحضارة، عراق آشور وسومر وأكاد.. وسيحاول حكماء العرب إقناع حاكم الخرطوم القبول بتواجد قوة أممية من القبعات الزرق  لمراقبة الوضع عن كثب في دارفور بصيغة تحفظ ماء وجه النظام، والتخلي عن مقولة سنجعل دارفور مقبرة للغزاة، وستكون القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي حاضرين  بكل ثقلهما كما حدث في كل المؤتمرات السابقة، وسيحاول سدنة البعث إثارة مشكل عزل النظام السوري عن الساحة الدولية ومحاولة إقناع الأنظمة العربية لمساعدته على فك الطوق المفروض على دمشق العروبة، وسيقوم كبير ديبلوماسيتهم كعادته بتلميع صورة نظامه وتبيان محاسنه العديدة وأياديه البيضاء على لبنان وشعب لبنان ووقوفه الى جانب الحق العربي، وبشرح مواقف النظام القومية، وسيحاول تبرئته بما أوتي من مبررات وحجج  من جرائمه التي ارتكبها طيلة احتلاله للبنان. وسيعطي المؤتمرون  شيئا من الاهتمام للوضع المتأزم في الصومال ولو بالإشارة وحث الأطراف المتناحرة لوضع حد للأزمة والجلوس على حصير المفاوضات من أجل إيجاد حل سلمي بعيدا عن كل تشنج أو احتكاك من شأنه أن يؤجج الوضع في الصومال، كما سيثير الوفد الجزائري مسألة تداول منصب الأمين العام للجامعة العربية وهو مطمح للرئيس بوتفليقة منذ سنين أملا على اختتام حياته السياسية أمينا عاما للجامعة العربية إن هو بقي على قيد الحياة، ولربما فاجأنا مجنون طرابلس بناذرة من نواذره، وسيبقى مشكل الصحراء خارجا عن التغطية لأنه من اختصاص الأمم المتحدة ولا مجال للتطرق إليه عربيا، كما سيتم التطرق إلى التعاون الاقتصادي و الدعوة لخلق خلية تفكير تنبثق عنها لجان تضم فاعلين اقتصاديين لعقد لقاءات منتظمة في أفق الإعداد الجيد لإنشاء السوق العبرية المشتركة الحلم، وعلى هامش المؤتمر ستعقد لقاءات ثنائية أو ثلاثية بين مختلف القادة من أجل تمتـين علاقات الأخوة وتوطيد الأواصر  بين الأشقاء وتفعيل ما يمكنه أن يعود بالنفع على شعوبنا.

سيعالج قاداتنا كل الملفات الساخنة منها والباردة بما عودونا دائما من روية وحكمة وتبصر وتعقل وبعد رؤيا، وسيطلعون بتوصيات، وفي الجلسة الختامية للمؤتمر سيودع رئيس الدورة ضيوفه بما يليق من معسول الكلام وأدب الديبلوماسية الدافئ وأصول الضيافة الضاربة في جذور التاريخ، وسيقوم من بين المهرجين من يطالب باعتماد الكلمة الافتتاحية والختامية كوثيقة رسمية وسيصفق الجميع لهذا الاقتراح، وفي الأخير سيستقل الحاكم العربي طائرته الخاصة ويعود أدراجه من حيث أتى حيث حماماته السبعة والسبعين ووسائده الحريرية وطهاته المهرة وحريمه وما ملكت يمينه و خدمه وحشمه وحبوبه الزرقاء المهيجة وأشرطة الفيديو المفضلة ليرتاح بعد عناء ومجهود أيام قضاها طويل العمر مع أشقائه أصحاب الفخامة والجلالة ملوك وأمراء ورؤساء البلدان الشقيقة  بخرطوم العروبة.

يا قادتنا ويا صقورنا الجارحة الكاسرة المنقضة على رقابنا بمخالبها دونما شفقة أو رحمة، والناهشة ما تبقى من لحمنا الغث، يا جارحة مشاعرنا وكاسرة عظامنا، شعوبنا محتاجة  لمؤسسات ديموقراطية صلبة من صنع الشعب وفي خدمة الشعب وصناديق اقتراع نزيهة شفافة تجسد نبض المواطن في اختيار برلمانه وحكومته ورئيس بلاده وليست محتاجة لأريحيتكم وشفقتكم حسب مزاجكم العكر أو محتاجة للحاكم الخالد الذي يعض على الكرسي بالنواجذ، فتهتف له الجماهير "لولاك يا بشار لما كانت البشر". شعوبنا محتاجة ﻹشراك المواطن في تدبير الشأن العام والمساهمة في صنع القرار وليست في حاجة الى  متصرف وحيد وحزب وحيد وحاكم وحيد يهيّئ فلذة كبده للجلوس على كرسي الحكم رغم أنف شعوبنا بدون استحياء. شعوبنا في حاجة لثرواتها ومقدراتها وليست بحاجة الى ثقافة "أنقذه ألف دينار" يا خازن ضار، شعوبنا في أمس الحاجة إلى منظومة تربوية حداثية عصرية تتماشى مع متطلبات العصر ومنفتحة على ثقافات وحضارات الشعوب الأخرى لكي يتسنى لها المساهمة في بناء صرح الحضارة البشرية ولسنا بحاجة الى ثقافة غير المغضوب عليهم ولا الضالين وعقدة "كنتم خير أمة". نريد لمواطنينا أن ينظروا لغيرهم نظرة احترام و تقدير كما نحب أن ينظر إلينا. 

منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقية  في حاجة الى جميع أبنائها بمختلف انتماءاتهم أمازيغ عرب أقباط عبريون سريان أرمن آشور أكراد تركمان شركس سودانيون تيكراي عفر عيسي.. وليست محتاجة إلى مكون واحد مسيطر وثقافة واحدة مفروضة، آنذاك سنكون قد هيئنا الأجواء والأرضية الملائمة  لتكوين أجيال مبدعة خلاقة نافعة عوض تكوين وتخريج فلول اﻹنتحاريين وعشاق الشهادة والموت.

أتشاطرونني الرأي يا قادتنا ويا صقورنا الجارحة الكاسرة، أم ترون الأمور بمناظيركم وتزنوها بمكاييلكم ومعاييركم وتقيمونها وفق أهوائكم ومزاجاتكم؟؟ قُبِّحتُم من طليعة قوم.. كان حري بكم أن تضعوا رماد العار فوق رؤوسكم كما فعلت "ثامار" ابنة سليمان وتلبسوا مسوح الندم وتقصدوا ديرا أو صومعة في الخلاء لتقضوا بقية عمركم باكين طالبين الغفران من الله والشعب للتكفير عما ارتكبتم في حق شعوبكم من مظالم وحماقات يا سليلي أبي جهل!

 

عساسي عبد الحميد ـ المغرب

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط