الاسم لدى الناقد / Mar 26, 2006

إلى محرر الناقد المحترم: تحية الكلمة الحرة ..

قرأت معظم صفحات مجلتكم الرائعة ودفعتني روح الصراحة والجرأة والقلم الحر الذي تملكونه كي أكتب إليكم. أنا مواطن من أبناء طائفة الصابئة المندائيين في العراق، وقد لا تعرف الشيء الكثير عن هذه الطائفة ومعتقداتها، وسوف أوجز إليك شيئاً مما يخص هذه الطائفة.. منذ ما يقرب من عشرين قرناً عاش أبناء هذه الطائفة في المناطق الواقعة جنوب العراق في المناطق القريبة من نهري دجلة والفرات وكذلك المناطق الجنوبية الغربية من إيران قرب نهر الكرخة. ونحن من أتباع النبي يوحنا المعمدان ولذلك فإن الماء الجاري هو جزء أساسي في حياتنا الدينية لأن اغلب شعائرنا الدينية تتم في الماء الجاري وخاصة التعميد الذي يحب أن يكون على شكل تغطيس في الماء الجاري ونحن نعبد الله الواحد. ولغتنا هي اللغة المندائية وهي احد فروع اللغة الآرامية القديمة.. ولنا كتاب يدعى (الكنزا ربا) أي الكنز العظيم وقد ترجم أخيراً إلى اللغة  العربية بأمر من صدام حسين. والمهم في الموضوع الذي أريد أن أتكلم عنه إننا كغيرنا من الأقليات الدينية والعرقية عشنا بحالة من اضطهاد دائم ومنظم على مر العصور والأزمنة. فمنذ الغزو الإسلامي للعراق ولحد الآن لاقينا من المذلة وسوء المعاملة ما لا يحتمله بشر، كنا صبورين على المعاناة فلا ديننا يسمح بالاعتداء أو مقاتلة من يعتدي علينا أو يقاتلنا ولا أخلاقنا تسمح بذلك. كنا نعاني ولا زلنا ولكن بصمت لا أحد يعرف بمعاناتنا حيث إننا لا نعرف كيفية إيصال صوتنا المخنوق إلى خارج العراق، أو من هو الذي يمكن أن يسمع صوتنا!

كنا محرومين من أن نمارس شعائرنا الدينية علناً حيث تمارس ضدنا عملية الرجم بالحجارة إذا شاهدونا قرب الأنهار نمارس طقوسنا الدينية ويسمعونا ألاف الكلمات الجارحة والبذيئة. كنا في المدارس تمارس ضدنا جميع أنواع الضغوط النفسية والجسدية سواء من المعلمين أو الطلبة وبالرغم من ذلك كنا نتفوق في الدراسة مما يزيد الطين بلة. كان أقصى ما يتمناه المندائي أو أن يصل إليه هو أن يصبح معلماً. لم يُصرح لنا بأعيادنا الدينية كعطل رسمية إلا في ستينيات القرن الماضي. كانت تمارس ضدنا جميع أنواع التمييز العنصري ونحن داخل بلدنا من الدخلاء القادمين عبر الصحراء.

ظهر من بين إخواننا عالم في الفيزياء والأنواء الجوية في خمسينيات القرن الماضي وهو العالم الجليل عبد الجبار عبد الله وكان والده هو الرئيس الروحي للطائفة حتى ثمانينيات القرن الماضي وهو عالم معروف في أمريكا بأبحاثه التي تتجاوز الثلاثين بحثاً ولكنه قبل أن يسافر إلى أمريكا سجن وعذب على أيدي البعثيين عند استلامهم السلطة عام 1963  ومات هذا العالم في أمريكا. في زمن  العباسيين كان أبو اسحق الصابئي وزيراً في الدولة العباسية وكان صديقا للشاعر المعروف الشريف الرضي وعندما توفى أبو اسحق الصابئي رثاه الشريف الرضي بقصيدة على اعتباره صديق العمر.. فما كان من أصحابه إلا أن قالوا له كيف ترثه وهو ذمي؟. فقال لهم لم أرثه بل رثيت فضله. تصور كم تنكر هذا الشاعر الجاحد لصديقه وتنصل لأنه جبان وخاف أن يقول إني رثيته لأنه صديق العمر، ولكنه رثا فضل هذا الوزير على الدولة الإسلامية لأنه هو شخصياً لا يستحق الرثاء. أما معاناتنا في هذه الأيام فهي لا توصف حيث إننا لا نستطيع أن نتبضع من الأسواق بحجة إننا (نجسين) كفرة نهان في الشوارع ونحن سكوت، نضرب فنحمد ربنا.. ثم جاء نظام صدام الطاغية ليمزق هذه الطائفة من الداخل بعد أن وجدها متماسكة ففرض على رئيس الطائفة أن يؤسس مجلس لشؤون العوائل المندائية، تصور إن المجلس الوطني(البرلمان) في زمن صدام يضم 250 عضواً يمثلون العراق كله ومجلس شؤون العوائل يضم  275 عضواً ونحن لا يتجاوز تعدادنا 15000 نسمة.  ثم كان يفرض أن يحضر اجتماعات المجلس ضابط مخابرات ليطلع على كل ما يدور داخل الاجتماعات وعندما عارض رئيس الطائفة (الشيخ عبد الله ال  شيخ نجم) هذا الإجراء تم الضغط عليه حتى طلب اللجوء الإنساني في بريطانيا. وعين بدلا عنه الرئيس الحالي للطائفة الذي كان موالي بكلتيه إلى نظام صدام ولا يهمه من أمر الطائفة شيء سوى إرضاء صدام. وبعد انهيار نظام صدام استمر بتمثيل الطائفة بالرغم من انه معين من قبل صدام بمرسوم جمهوري، وسادت حالة الفوضى في العراق وبدأ اضطهادنا على أشده على أيدي الجماعات الإسلامية المتطرفة، ولأن اغلب أفراد طائفتنا يمتهنون الصياغة فقد تم قتل المئات منهم ونهب محلاتهم أو اختطافهم مقابل فدية واختطاف مئات الأطفال لغرض مبادلتهم بفدية واختطاف المئات من بنات طائفتنا ولا نعرف عن مصيرهنّ شيئاً، وتم اغتصاب العشرات منهن. كذلك تم أسلمة كل العوائل المندائية بالقوة في منطقة الفلوجة سواء أثناء حكم صدام أو بعده.  كذلك عدم السماح بعودة المئات من الموظفين إلى وظائفهم بحجة عدم الحاجة لهم، وإذا كان احدهم مديرا لمدرسة فقد تم إعفاؤه بالقوة من الإدارة لأنه لا يصح دينياً أن يكون الولي من غير المسلمين.) "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولاَّهم منكم فإنه منهم إنَّ الله لا يهدي القوم الظالمين" والمسلسل لم ينتهِ وسوف لن ينتهي. وعليه كانت العوائل المندائية أمام خيارين لا ثالث لهما وأحدهم أمرّ من الآخر، فإمّا البقاء داخل العراق ومواجهة المصير الأسود أو النزوح إلى خارج العراق. وهكذا حُكم علينا أن نعيش طوال حياتنا غرباء في أوطاننا والآن نعيش مشردين في أوطان الغربة. وهكذا فرت العوائل المندائية إلى خارج العراق حفاظا على أبنائها وبناتها قاصدة دول الجوار(الأردن وسوريا) وأستطيع القول إن العوائل المندائية الموجودة خارج العراق أصبحت أكثر من العوائل الموجودة داخل العراق ولا زال رئيس الطائفة يبحث له عن منصب في مجلس الحكم أو في البرلمان الحالي ولا أعتقد انه سوف يمثل أحداً إلا نفسه.. ويصر عندما يتكلم في الفضائيات بأن هذه الهجرة هي هجرة لعينة وفي نفس الوقت أرسل الكثير من أبناء عائلته للهرب إلى عمان، فهو يركض وراء كرسي أو حفنة من الدولارات يزيد بها رصيده الخائب. يتكلم دائما عن الوئام الذي نعيشه مع إخواننا من الطوائف الإسلامية، والعوائل المندائية تمزق وترتحل إلى الخارج. أنا اكتب إليك كي يصل صوت هذه الطائفة المضطهدة إلى حد النخاع إلى العالم، كي يسمع العالم صوتها بعد أن اختنق 14 قرنا من الزمان.

أما العوائل المندائية التي تعيش خارج العراق الآن فهي تعيش مأساة حقيقية فلا الأطفال مسموح لهم أن يدخلوا المدارس ولا يسمحون لنا بالعمل ولا نستطيع أن نمارس طقوسنا الدينية، نحن أصبحنا طائفة مشتتة في جميع دول العالم وليس من قانون يحمينا فالأمم المتحدة تغض الطرف عنا لأنها مشغولة بحماية بعض أنواع الدلافين من الانقراض وتتناسى طائفة من البشر مهددة بالإبادة الجماعية. اغلب العاملين في المفوضية السامية لشؤون اللاجئين هم من المسلمين ولا يعرفون عن قضيتنا شيئا ولا يتعاطفون معنا ولكنهم يتعاطفون مع أي مسلم ويسمحون له بالهجرة إلى الدول الأوربية وأمريكا واستراليا.. تصور الذي يعيش طوال حياته مُضطَهداً يتساوى بالذي اضطُهِدَ منذ فترة لا تتعدى الأشهر وقد تكون هي أكذوبة لغرض استغلال الهجرة الإنسانية لغرض إدخالهم إلى الدول الأوربية وأمريكا واستراليا كقنابل موقوتة تنفجر في أي لحظة مثل ما حدث في مدريد ولندن ونيويورك حيث انه يستطيع أن يُلَفِق آلاف الوثائق ويتقدم بها كمضطهد بعد أن أصبح العراق مرتعا للعصابات من جميع الأشكال والألوان. فإذا كان المسلم مضطهد وهو يعيش في بلاد الإسلام ويستطيع أن يدافع عن نفسه ويقاتل الذين يقاتلونه فكيف الحال ببقية الأقليات الدينية التي لا حول لها ولا قوة. إننا نناشد الضمير الإنساني وكل المنظمات الدولية سواء كانت حكومية أو مدنية أن تنظر بعين الرحمة إلى هذه الطائفة المهددة بالإبادة الإسراع بإيصال صوتها إلى كل العالم وإيجاد ملاذ آمن لها تمارس به طقوسها بحرية حيث إن برنامج الهجرة التي توفره أستراليا غير كافٍ وغير مقنع لأنه ينظر إلى الكل من خلال الأوراق المقدمة ولا ينظر بعين الجدية إلى المعاناة الحقيقية على مدى العصور. وكفى المجتمع الدولي نفاقاً من الاهتمام بدارفور فقط حيث انهم يَقتلون ويُقتلون وسيظلون هكذا مادام كل الأطراف مستفيدة من برامج الأمم المتحدة. وفي الختام تقبلوا فائق الاحترام.

أرجو عدم ذكر اسمي الصريح لان لي أهل لازالوا في بغداد

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط