الخوري حنا / Mar 30, 2007

سيّد بسّام، بعد التحيّة:

أراك تطلق الصوت عاليًا وقد كرّست نفسك لقضيّة إذا لم أكن مخطئًا أراها هكذا: أنت ترفض أن تتحامل على أي دين أكنت توافقه أم كنت تعارضه، لكنك ترفع الصوت (أو السوط) عالياً لتقول لمن يهمه الأمر إن عصرنا اليوم بات يرفض العنف والقتل والإرهاب وخاصة إذا احتمى برداء الدين، أن الدين هو لغة الروح، لغة الحب، لغة الخير والسلام، لغة التلاقي والتعارف وقبول الآخر واحترام اختلافه، وغير ذلك هو من مصدر أقلّه ليس من الله.

كان لي في وطني صديق مسلم كنت يومًا في زيارته وقد قادنا الحديث إلى ضرورة التلاقي والتعارف بين الأديان والحضارات، فاستشهد باللآية التي تدعو "إلى كلمة سواء"، وقال: "لنجتمع جميعنا على الإيمان بالله"، فقلت له: يا صديقي، وماذا تفعل بمَن لا يؤمن بالله؟! أتستثنيه من الحوار، ولا تقيم له وزنًا، وله بالحق والعيش كما لنا، وله الحرية أن يؤمن أو لا يؤمن؟!!... فهذا "السواء" يجب أن يكون احترام الآخر على أي دين أو معتقد أو فلسفة رسى، أن نبحث عن عيش كريم، وليعبد كل منّا الله في معبده، وينكره من أراد، وليبحث عنه مَن يشاء. أجابني: "هل يمكنك أن تتوقف عن التبشير وأتوقف أنا عن الدعوة"؟!! أجبته: لا، إنما نستعمل وسائل الحوار، فمَن اقتنع أهلاً وسهلاً، ومن رفض فله الحق أن يرفض، وتبقى قواعد الاحترام والمحبة قائمة على أسس لا تتزعزع...

 

مرة سُئل شاب من وطني كان استاذًا في مدرسة الفرير، فنذر نفسه للرب، وخلع عنه الملابس الفاخرة، ومن قدميه الحذاء الجميل، وراح يجوب البلاد طولاً وعرضًا حافي القدمين يلبس "الخيش" الرث ليصل إلى الناس شخصيًا أو عبر الأثير والشاشة الصغيرة. رأه مرةً بعض الأشخاص يعصر الجليد تحت قدميه العاريتين ويكافح الصقيع بشبه ملابس، فاقشعرّت أبدانهم، وترجّل إليه أحدهم مشفقًا ملتاعًا وقال له: يا أخ، أما كان بإمكانك أن تقوم بهذه الرسالة وأنت تحمي جسمك من الجليد والبرد والزمهرير، لما كل هذه القسوة على نفسكَ يا أخي.

أجابه: "أتعلم إلى أي مدى وصل عهر الخطيئة، هذا العهر لا يحارب إلا  ب "عهر" أقوى منه! هذا الرجل مرّ يومًا بفتاتين تتنزهان ولما تجاوزهما بعد التحية سمع إحداهما تقول: "منين فالت هالحيوان". توقف، وعاد أدراجه وأجابها: "من مغارة بيت لحم". وما إن همّ بالانصراف حتى تدحرجت دموعها وصارت تنتحب كالثكلى، وتستغفر خطيئتها بدموع الندامة، وقد حولتها كلماته إلى رسولة نذرت نفسها على مثاله لخدمة الله من خلال الفقير والمعوز والتائه.

ألم يحن الوقت لأن يدرك الكثيرون قوة الكلمة، ويعرفوا رذالة العنف، ونجاسة الحقد، وفظاعة قتل الآخر واستعمال طريق تجرّد الإنسان من إنسانيته، وتشوّه وجه صنم  يعبده، ويقتل باسمه، وينسى إلهًا يحب ويرحم ويسامح ويغفر. ليرتفع صوت الحق عاليًا، فإن أخرسوه ستنطق الحجارة.

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط