الاسم ضمن المقال / May 24, 2009

 

محمود غازي سعد الدين


خرج علينا بعض أعضاء البرلمان العراقي في إحدى جلساته قبل أيام وهم يطالبون البرلمان والحكومة العراقية بمنع استيراد المشروبات الكحولية ومنع شرب الخمر كون أن الدستور العراقي (المختلف عليه لحد الآن) من قبل جميع الكتل السياسية وكل يعترض على نقاط لا تناسب تطلعات هذا الحزب أو ذاك بغية الحصول على أكبر قدر من المكاسب، واعتراضات كتل أخرى محسوبة على أحزاب أسلاموية وقومية وتيارات توالي دولة ولاية السفيه متناسين المصلحة العليا وهو خدمة الإنسان العراقي بكل أطيافه ليصبح الشعب المسكين ضحية لعبة (الدستور) هذا بين الشد والجذب بين كتل لا تؤمن بالإنسان كقيمة عليا، ومجاملات ونفاق سياسي ومصطلحات التوافقية والمحاصصة المقيتة.

من جملة الفقرات التي نص عليها الدستور العراقي انه لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام! وجاء في الفقرة التي تليها انه لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع مبادئ الديمقراطية وورد لاحقا أنه لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور.

لقد حق القول على برلمانيينا هؤلاء أن نقول لهم أنكم تؤمنون ببعض فقرات الدستور وتكفرون يبعضها،لقد أصبحتم أسارا لبعض الفقرات التي أقحمتموها إقحاما أثناء كتابة مسودته ألأولية والتي أصبحت موضع خلاف بين كتل قومية وإسلامية فرضت نفسها فرضا وأبت إلا أن تدخل هذه الفقرات الملغومة التي أصبحت لاحقا عالة على العملية السياسية برمتها، وليأتي الجواب على كل هؤلاء من قبل المواطن العراقي البسيط والذي قال كلمته بأن صوت في انتخاباته ألأخيرة ضد كل من ينادي وينعق بالخطاب الق ومجي وخطاب أقامة الخلافة ألإسلامية والذي يروج له في ألآونة ألأخيرة في مناطق كالموصل وديالى وكركوك.

هل نحن قريبون أن نرى برلمانا على غرار برلمان حكومة طالبان ألإرهابية التي منعت شرب الخمر وأقامت الحدود على شاربي الخمور وقامت بجلدهم في الساحات العامة وتدخلت في كل شيء من قبيل سماع الأغاني والملبس والمأكل والمشرب لتصل إلى أقامة حفلات إعدامات جماعية لشاربي الخمور والنساء الغير منقبات والتدخل في قصة الشعر ومن لم يلتزم بشريعتهم المتطرفة!

المشكلة في هؤلاء البرلمانيين أنهم يتحدثون باسم الشعب وباسم الدين وباسم الإنسانية والمصلحة العامة وتطبيق القانون في نفس الوقت شكلا وقولا فقط أمام الشاشات ولست أدري هل أن هذا من قبيل الدعاية أو أنه عمل نفاقي استعراضي يرضون هذا ويجاملون ذاك، وهم لا زالوا يفكرون بأن خطابهم هذا قد يغري عددا من المواطنين البسطاء وهم متوهمون في هذه أيضا لأن المواطن البسيط قال قولته في هؤلاء بان أفرزت نتائج ألانتخابات للمحافظات ألأخيرة تيارات أقل تشددا في ألأمور التي تمس حرية المواطن رغم عدم نكراننا أن الخطاب الديني المتشنج السني قبل الشيعي (كون المناطق الساخنة أمنيا أصبحت محصورة في مناطق الموصل وديالى وكركوك وبغداد التي فيها قبة برلماننا العتيد) لازال يلقي بثقله على جلسات البرلمان ولا زلنا نتذكر سجالات البرلمانيين في محاسبة النائب ألآلوسي لزيارته وحضوره ندوة عالمية لغرض مكافحة ألإرهاب في دولة إسرائيل (الديمقراطية الحقيقية الوحيدة لحد الآن في الشرق ألأوسط) وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها لبرلماني يشهد له خطابه الواضح والصريح والذي يصب في خدمة الشعب العراقي ونداءه بمحاسبة المفسدين وتطبيق القانون من أجل تعزيز المسيرة الديمقراطية الجديدة.

ومن باب الحديث عن دولة إسرائيل نذكر برلمانيينا في جلستهم الخرافية تلك وتبنيهم خطابهم الديني المتطرف المعتاد بعدم التعامل مع ما يسمونها الدولة ألاستعمارية نذكرهم بأن هذه الدولة التي لا تزيد مساحتها (22،070كم مربع) وعدد سكانها حوالي 6 مليون نسمة، لديها ناتج سنوي قدره 100 ـ 120 مليار دولار أو أكثر، أي سدس الناتج القومي العربي! دولة يبلغ دخل المواطن فيها 16 ـ 19 ألف دولار سنويا، في حين أن دخل المواطن العربي ليبلغ في أحسن حالاته حوالي 2500 دولار سنويا، لنعود ونذكرهم أننا لا ننكر ارتفاع معدل دخل المواطن العراقي (حوالي 1500 دولار إلى 1800) بعد عملية تحرير العراق الذي لا يصل إلى ما معدله عشر دخل المواطن ألإسرائيلي.

دولة إسرائيل (عدوة المسلمين!!) التي تستطيع السلطة القضائية جر رئيس وزرائها والتحقيق معه لمجرد أنه قد وجهت إليه تهم فساد وتلقي بعضا من الرشاوى البسيطة، إذا ما قارناها بحالات الفساد المستشري في مفاصل الدولة العراقية (تشيب الرأس) وتحكم أحزاب وشخصيات في مقدرات الدولة المالية دون حساب وعقاب ووجود فارق شاسع بين معدل دخل المسئولين ووسائل وطرق عيشهم اليومي وبين المواطنين البسطاء.

هل نسى البرلمانيون المطالبة بامتيازاتهم من حقوقهم في رواتبهم الخيالية التي تفوق رواتب رؤساء وأعضاء لبرلمانات ديمقراطية ودول صناعية كبرى كالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، هل نسى البرلمانيون الذين يطالبون بمنع الخمور وتحريمها حقوقهم في رواتبهم التقاعدية الخيالية بينما لا زال تعديل سلم الرواتب الخاص بالمتقاعدين من الشعب العراقي يراوح في مكانه.

لسنا فقهاء لنتحدث باسم الدين ولكن طالما وجدنا من يتحدث ويتشدق باسم الدين ويتحدث باسم الشعب ويكذب عليه في الوقت نفسه لن يترك لنا مجالا للرد على مثل هؤلاء بخطاب ودافع إنساني قبل أن نكون متدينين محسوبين على هذه الجهة أو تلك لنعبد الله وننهب عباده.

في نصوص واضحة لا تقبل اللبس جاءت في القرآن (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وإثمهما أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ) تحذير ونهي فقط في شرب الخمر لما فيه مضار وقد جاء في الآية الأولى أن هناك منافع في الخمر ولكن الضرر الحاصل من شربها هو أكثر من نفعها ولعل جميع الرسالات السماوية تحذر وتنهى عن كل ما يخمر ويعطل العقل عن التفكير وقد جاء في في الكتاب المقدس ما نصه..

وأمام كل هذا نرى بأن الشعب أساء استخدام الخمر وأسرفوا في شربها فوبخهم الله على ذلك "الخمر الجديدة والمعتقة تعطلان الفهم" (هوشع 4/11)، وهناك أقوال كثيرة في العهد القديم تنهى عن السكر بالخمر فيقول اشعيا النبي "ويل للمبكرين صباحا في طلب المسكر والساهرين الليل كله والخمر تلهبهم" (اشعيا5: 11). أما سفر الحكمة يصف حياة المدمنين على الخمر "نرتوي من الخمور الفاخرة، وبالطيب نتعطر" ويختم بهذه الكلمات "هذا ما يتوهمون لكنهم يخدعون أنفسهم لان الشر أعمى بصائرهم" (حكمة 2: 7-9و 21). وفي سفر الأمثال نجد وصفه لمن يدمن عليها فيقول "الخمر مجون والسكر عربدة، ومن يهيم بهما فلا حكمة له" (أمثال 20ـ1)


ونرى بأن العهد الجديد ينهي عن السكر بالخمر حيث يجمع بين الكير وأشر الخطأ "ولا السارقون ولا الفجار ولا السكيرون ولا الشاتمون ولا السالبون يرثون ملكوت الله" (1كور 6/10). كذلك في غلا طيا 5: 21 "والحسد والسكر والعربدة وما أشبه ذلك، أن الذين يعملون هذه الأعمال لا يرثون ملكوت السماوات انتهى ألاقتباس.

لقد كان الصحابة ألأوائل يشربون الخمر ويسكرون حتى نزلت فيهم نصوص قرآنية صريحة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ) ولم يتركوها حتى بعد نزول الآية المذكورة! جاء في كتب الحديث (أن المرء يدخل الجنة ما لم يشرك بالله وإن زنى وإن سرق وإن شرب الخمر ورغم أنف أبي ذر) أين أنتم من أن لا إكراه في الدين والآية أفأنت تكره على أن يكونوا مؤمنين فالله قد ترك الخيار مفتوحا ليؤمن الإنسان به أم يكفر وله ما شاء من الحرية دون أن يؤذي غيره (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) أي شريعة نطبق شريعة السني أم الشيعي أم شريعة الأحناف أم الحنبلي أم شريعة السلفية الجهادية المتطرفة لتضيع بين أرجل كل هؤلاء دولة القانون ودولة المواطنة والإنسان.


لعل الطب والعلم الحديث وجميع الرسالات السماوية قاطبة تجتمع في شيء واحد وتقر بمضار المشروبات الكحولية على جسد ألإنسان وخاصة في حال لو أدمن ألإنسان على الشرب، ولكن المضحك المبكي في نفس الوقت أن من يتحدث داخل قبة البرلمان عن منع الخمور وزيارة إسرائيل هم نفسهم الذين يبحثون عن امتيازات جديدة وقطع أراضي ورواتب تقاعدية خيالية وسيارات فارهة ذات دفع رباعي وخماسي وتوفير الحمايات وما برحوا يثيرون مواضيع تافهة لغرض إبعاد ألأنظار وإشغال ذهن المواطن البسيط عن الفساد المستشري المشغول أصلا بمعاناته من جرائم الإرهابيين ومتاعب الحياة اليومية التي تثقل كاهله.

لقد أصبحتم سكارى الفساد ورواتبكم الخيالية وحمايتكم الخاصة وقصوركم وسفراتكم ورحلاتكم الاستجمامية ولا تستحقون أن تتحدثوا باسم الشعب العراقي وباسم ألإنسانية وباسم القانون وباسم الدين، كفاكم نفاقا وكذبا فستدور عليكم الدوائر عاجلا أم آجلا وستكون الكلمة الفصل للعراقيين الشرفاء وسلطاتهم القضائية وسلطة القانون، وإن غدا لناظره قريب..

 

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط