سهيل أحمد بهجت / Apr 04, 2011

من المهم لنا كعراقيين مقيمين في الدّاخل أو الخارج أن ندرك أن ما يحيق بنا من خراب أو دمار وفقر ليس مسألة "قدر إلهي" كما يحلو للبعض أن يصوّر، وهنا لست في معرض الحديث عن الطبقة الغير مثقفة بل المثقفة تحديدا. ولا بدّ لنا أن نتحدث عن عقلية سائدة بين أغلبية العراقيين في المهجر، هناك استثناءات بالتأكيد، لكن المشكلة تكمن في أغلبية تجسد الجاليات العراقية بكل ألوانها بحيث تبدو الجالية تمثيلا واقعيا لتخلفنا هناك.

في سان دييغو، مثلا، تجد المدينة جميلة منظمة وتتسم بنمط رائع من النظافة، ولكي تعرف أين يعيش العراقيون في أمريكا وفي مدينة سان دييغو يكفي أن تتبع آثار الزبالة وحيث تنتشر الأوساخ تجد العراقي جنبا إلى جنب ـ بكردهم وعربهم ومسلمهم ومسيحيهم ـ ينشرون تلك الأوساخ حالهم حال الصومالي والأفغاني والباكستاني والمسلمين عموما، وليت الأمر توقف على الزبالة وغيرها من مسائل التنظيم الاجتماعي، بل إنني وجدت العراقي يريد أن يحول هذه البيئة المتطورة العقلانية المتسامحة إلى نسخة مكررة لعراقنا ـ ذو التاريخ العريق في المرض ـ المبني على عقلية الصراع وثقافة القومية والتنازع على الأرض "الوسخة"، فتجد أحدهم ينصحك بأن لا ترتاد الشارع الفلاني ـ لأن سمعة الشارع سيئة ـ وفلان شارع معروف عنه النزاهة والسلامة وفلان.. وعليك أن تشك في كل شخص يحدثك لأن هذا الشخص "قد" تكون "سمعته" سيئة و.. وغير ذلك من أوهام وعقلية البيئة المتخلفة التي عشناها.

بل إن أحدهم حاول أن ينتقدني لأنني ربما تحدثت مع بعض الفتيات على الشارع، شعرت بالفعل بالأسف والحزن أن أجد العراقي بدلا من أن يتمتع بنعمة "الحرية" و"أجواء التسامح" التي نعيشها هنا ليطور قدراته، وجدت أغلبية العراقيين يعيدون نمط حياتهم التافه نفسه، فتجدهم يخادعون السلطات ويزورون التقارير ويتصنعون حتى المرض ويتقاضون الرواتب، وكأنها هي ذاتها سلطاتنا المحلية المبنية على القومية والعشائرية والوساطة، وبعد أن ينال أحدهم كل أنواع المساعدات المالية والإعانات ـ وهو الملياردير ـ يسب ويشتم التاريخ "الأمريكي" ويمدح أحد أبرز منظري الدكتاتورية والحقد القومي "محمد حسنين هيكل"، بل إن عراقي آخر حاول إقناعي بوجوب "رجم العاهرات" اللواتي يمشين على الشارع ويتصيدن الزبائن، فقلت له متهكما:

ـ إنهن فاعلات خير يا رجل.."!! فقال متعجبا:

ـ تسمّي العاهرة فاعلة خير.."؟ فقلت له متهكما مرة أخرى:

ـ الملالي مالك فتحوا كل أبواب الجّنّة للقاتل الفاجر المجرم صدام.. صعب عليهم يلقون باب صغير لهذه العاهرة المسكينة؟؟".

وهكذا نجد مرة أخرى أن العراقيين بدلا من أن يتعلموا من هذه البيئة ويُصدّروا للعراق عقلية الانفتاح والتطور والتسامح يريدون أن يكونوا تجارب مكررة لما شهدناه هناك، فنشهد في شارع ماديسون ـ أحد شوارع سان دييغو ـ صراعا بين الكرد والعرب على "أرض متنازع عليها" أو صراعا سنيا شيعيا في ماغنوليا ـ شارع آخر ـ إن هذا بالفعل كارثة لأن العراقي ـ مع استثناءات هنا وهناك ـ لم يتعلم ثقافة بلده الجديد ويشكر هذا البلد على الحرية والحقوق ومعاملة الناس الطيبة وكرم أخلاقهم، فتجد الكردي يكره كل الأمريكيين لأن أمريكا ـ لم تقم بإنشاء وطن قومي لهم ـ والعروبي يكرهها ـ لأنها أسقطت صدام ـ والشيعي يكرهها لأنها ضد الخميني والخامنئي والولي السفيه والشيوعي يكرهها لأنها رأسمالية إمبريالية أسقطت عبد الكريم ومن بعده الاتحاد السوفيتي، والمسيحي يكرهها لأنها أسقطت صاحب النعمة "طارق عزيز" والسني يكرهها لأنها تقتل "مجاهديه" من قاعدة وبعثية، بوجيز العبارة فإن كل واحد منهم يريد أن يتحول إلى الزعيم الأوحد حتى في عقر دار الديمقراطية.

بل إن عراقيا من الطبقة "المثقفة جدا" وجدت أن كل أصدقاءه على الفيسبوك عراقيون ـ ليس بينهم غربي واحد ـ بالتالي إذا كنا نعيش هذه العقلية في قمة الحضارة وحيث القانون هو الحكم؟ فكيف نأمل لبلدنا العراق أن ينتعش؟ فحيث ما ذهبنا نحمل معنا أمراضنا وفايروساتنا ونزاعاتنا العبثية وأعرافنا العشائرية!! وإذا كان هذا حال "الطّبقة المثقفة" فكيف سيتعامل أنصاف المثقفين والأميون مع هذه المجتمعات المتطورة ومع بعضهم البعض؟؟

كنت في العراق (في دهوك) محطما لا أملك حتى الحق في أن أحلم كأي إنسان طبيعي، ولولا عائلتي لكنت من الهالكين، وهنا مرة أخرى يريدني العراقيون أن أترك كل الحياة المتاحة أمامي وأن أعود للمربع الأول، حيث العزلة والموت البطيء، لكن كلا وألف كلا للعقل المريض وكلا لبلد يملك تاريخا عريقا لكنه يملك حاضرا مدمرا و كريها، أعيدوا بناء أنفسكم وستجدون عراقا يحلم حتى أصدقائي الأمريكيون بالعيش فيه.

 www.sohel-writer.i8.com
www.sohelahmedbahjat.blogspot.com

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط