الاسم لدى الناقد / Oct 22, 2004

في صفحة مذاهب وأديان نشرت "النهار" الأحد 10 تشرين الأول 2004 مقالاً للبروفسور جوزف أبو نهرا بعنوان "كنيسة العرب: إرث الماضي وتحديات الحاضر". على الرغم من دقة المقال في كثير من الأفكار ومعاصرته للمشاكل التي تعاني منها الكنيسة في هذه المنطقة فلي تعليق بسيط أرجو ألا يُقرأ خطأً:

 

1 ـ في تعريفه لمفهوم العروبة في عبارة "كنيسة العرب" يقول الكاتب: "هو رابط الثقافة الذي يتخطى الانتماء الديني أو العرقي ليطال اللغة والتاريخ والمصير المشترك". أفهم من كلامه أنه يقصد الانتماء إلى كنائس متعددة وقوميات متعددة يصهرها في بوتقة دُعيت نقلاً عن الأب كوربون، رحمه الله، "كنيسة العرب". لا أعلم إن كان قد جعل في حسابه أولئك الذين لا يُعدون العربية لغتهم القومية والكنسية، لا بل قسم غير قليل منهم لا يتكلمون بها على الإطلاق، ينتمون إلى عدة كنائس كالأشورية والكلدانية والسريانية والأرمنية. لا أقصد أبداً أن هذه الكنائس تنتهج هذا النهج، بل قصدت العدد غير القليل الذي ينتمي إليها، ولا يعتبر العربية لغته الأم فكيف تريده أن يعتبر كنيسته كذلك. أفهم أنك لا تقصد جعلها عربية بل توسّعاً ندعوها كذلك، لكن يكفي القصد حتى يجعل منه مبدأً. لذلك ومن أجل التوضيح لا يمكن لـ"رابط الثقافة" هذا أن يتخطى الانتماء اللغوي إن صح التعبير وإلا أهملنا هذا العدد الذي ينتمي إلى تلك الكنائس المذكورة، كما لا يمكنه أن يتخطى التاريخ غير المشترك بين هذه الكنائس على الرغم من أنها تعيش جنباً إلى جنب، وهذا التاريخ الذي أصبح مشتركاً في بعض الأمور قصراً ولبضع عشرات من السنين خلت لا غير، وأخيراً وليس آخراً إن سياسة الكنائس الأرثوذكسيّة منها والكاثوليكيّة وحتى البروتستانتيّة لا توحي بوحدة المصير المسيحي أبداً ويكفي لبنان شاهداً على ذلك.

 

2 ـ في مطلع حديثه عن مصائب وويلات هذا الشرق يذكر البروفسور التشتت الذي أصاب "المسيحيّين السريان والملكيين واليعاقبة". لا أعلم كيف تمّ هذا الربط، ففي مجمع أفسس (431) انكفأت كنيسة المشرق ذات القومية الأشورية أو الكلدانية أو الآثورية كما تدعوها الأحزاب الآثورية المنتشرة هنا وهناك (لست هنا في صدد تحديد اسم القومية التي تعود إليها كنيسة المشرق الواحدة)، وفي خلقيدونية (451) كان الانفصال نصيب السريان المنتشرين في الهلال الخصيب والذين دعوا في ما بعد باليعاقبة، تحقيراً، نسبة إلى يعقوب البرادعي. فأرجو العذر إذ لا يمكننا أن نقول "السريان والملكيين واليعاقبة" فالأولى قومية والأخريتين ملل، مع أن المقصود بالسريان دوماً وفي الكتب التاريخية عموماً "اليعاقبة" وليست أي ملة أخرى.

 

3 ـ يذكر البروفسور أبو نهرا مجازر 1915 التي تعرض لها الأرمن كما ذكرها قبله العديد من المؤرخين. ولا أطلب منه هنا أن يلمّ بتفاصيل المجازر، لكن عليّ واجب أن أضيف بأن تلك المجازر وفي تلك المنطقة بالذات طالت السريان والكلدان وجميع الكنائس التي كانت موجودة في تلك المنطقة: آلاف من السريان والكلدان، عشرات من القُرى أُبيدت عن بكرة أبيها، وللأسف من بينها قرية آبائي "تلّيبَلْ" التي اختفت عن خارطة التاريخ ولا زالت كذلك حتى اليوم. هذا ولا ننسى المجازر العديدة التي تعرّض لها الأشوريون في القرن العشرين على عهد الاحتلال البريطاني للعراق. لا أشير إلى نقص في المقال لكن من باب التوضيح الذي أغفله الكثير من المؤرخين عن قصد أو عن غير قصد.

 

4 ـ أقدر وأحترم جميع الأفكار التي عُرضت في هذا المقال، وأقرّ بأن الكنيسة المسيحية التي تسكن هذه الأرض المقدسة المترامية الأطراف تُعاني أزمةً إن في هويتها أو في رسالتها الإنجيليّة. ولكن لا يُحمل رفضي لهذه التسمية "كنيسة العرب" على محمل التعصّب القومي والعرقي، لأني أؤكد للكاتب أن مناطق عدة من الهلال الخصيب لا يمتّ أهلها إلى العربيّة بصلة، لا بل يُعانون غربةً في عروبتهم تلك. وإذ يعلّل الكاتب هذه التسمية ناعتاً إياها بالواقعيّة، كونها كنيسة محليّة تُقيم فعلاً على أرض العرب، ماذا كان سيفعل لو توجّه إلى شمال العراق المدعوّ اليوم "كردستان" بعد أن كان يُسمّى "مرتفعات آشور" ليرى تلك الكنيسة الساكنة في وسط كرديّ لا يقبل بالعربيّة ولا بالعروبة أبداً. أتمنى في المرة القادمة وللكلام عن كنيسة العرب تضييق المساحة الجغرافيّة أكثر، ربّما حينها، ربّما تصحّ التسمية أو لا تصحّ.

=============

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط