عقل العويط / Nov 17, 2012

 

17 نوفمبر 2012

منقول من جريدة النهار اللبنانية ـ عقل العويط

لم أعد أستطيع. كان بودّي أن أكتفي بالصرخة التي أطلقها غسان تويني، في يوم من الأيام، من على منبر الأمم المتحدة: أتركوا شعبي يعيش. لكني أقول، وقد خرجتُ على طوعي، إن صرخته لم تعد تكفي. شأنها في ذلك شأن الصرخة التي أطلقها قبله جبران عندما قال: لكم لبنانكم ولي لبناني. ليس لأن النداءين النبيلين الأعزلين غير مدوّيين وفاعلَين، بل لأن السَّفَلَة أقوى، وأفعل، وأخبث، وأشرس، وهم يتكاثرون، ويولغون، ويتوحشنون، ويفحشون، وينقضّون على لبنان الفريسة من كلّ حدب وصوب.

ها أراني أقول لكم بصوتٍ "توراتي": إذهبوا أيها السماسرة، يا قَتَلَة لبنان، إلى الجحيم، ولتأكلم أكلاً نارُ جهنّم، ولتتفنّن في شيّ لحومكم النتنة، يا جثث اللحم المترهّلة الفاسدة.
لكن هذه الجحيم التي أستنجد بنارها عليكم، هي ذاتها ستضجّ بكم. هذه الجحيم لن تتحمّل وجودكم المقرف. ولا جحيم التوراة، ولا جحيم الإنجيل، ولا جحيم القرآن، ولا جحيم دانتي، ولا جحيم المتخيَّلات الافتراضية تتحمّل. فكيف يظلّ يستطيع هذا البلد الصغير أن يتحمّل!


لم يعد باقياً من لبنان الفريسة سوى الذخائر. ونريد أن نحتفظ بهذه الذخائر. فخذوا كلّ شيء، أيها المتعهّرون، يا سماسرة التاريخ والجغرافيا، يا فئران الحقول والصيدليات والمستشفيات والدواء، أيها الجراد الأرضيّ الأعمى، واتركوا لنا هذه الذخائر.


خذوا الماء. خذوا الهواء. خذوا النفط. خذوا البنك المركزي. خذوا الكهرباء. خذوا الهاتف المحمول واللامحمول. خذوا الأملاك البحرية. خذوا رؤوس الجبال. خذوا بواطن الأودية. خذوا الرغيف. خذوا قمح الرغيف. خذوا الزيت والزيتون. خذوا الأموال المغسولة. خذوا الجنوب والشمال والجبل والسهل والمدينة. خذوا كلّ شيء. خذوا حتى المقابر معكم. لكن إذهبوا الى الجحيم.


أعرف أنه ينبغي لي دائماً أن أميّز بين القتيل والقاتل. بين أهل هذا وأهل ذاك. سأظلّ أفعل ذلك، بإدراك سياسيّ صارم، أياً يكن الدرك الذي يصل إليه أهل القتيل وأهل القاتل. لكني لن أجهّل قَتَلَة لبنان. لا لزوم لتجهيل أحد. فأنا أقصد الجميع. ولا استثناء. لا أحد يستحقّ أن يُستثنى.


الأحزاب، أفراداً وقطعاناً وزعماء. الجماعات والتكتلات والتيارات، أفراداً وقطعاناً وزعماء. زعران السلاح وقبضايات الجادات والشوارع والأحياء والأزقة، إرهابيّو الشعارات والأفكار والأديان، مهرّبو الحياة، الطوائف، المذاهب. الجميع بلا استثناء. والجميع يعني الجميع.


كنتُ قبل قليل، أفرّق بين الأطراف السياسيين والقَتَلَة والسارقين والفاسدين والانتهازيين وغاسلي الأموال والسلفيين والظلاميين والممانعين والمنبطحين والسذّج والأغبياء والأزلام والدمى والعملاء والباعة والسماسرة وفقهاء الأبد وما بعد الأبد ومتسلّقي الأحوال، مراتب وأصنافاً. سأظلّ أفرّق بين القتيل والقاتل. بين أهل هذا وأهل ذاك. لكني سأظلّ أقول، الآن، وأمس، وغداً، إنكم جميعكم سواسية. وجميعكم باب أوّل. لا زغل في النوع والصنف والمرتبة. وعليه، يجب أن تؤخذوا جميعاً إلى الجحيم. بالجملة. بالمفرّق. المهمّ أن تؤخَذوا إلى هناك. ولا رجوع.


أدعو جنود اللعنات الأبدية، جنود كلّ خيال، وجنود كلّ جحيم، توراتية أم إنجيلية أم قرآنية أم افتراضية، إلى أن يجرّوكم جرّاً، وإلى أن يربطوكم ربطاً محكماً بالسلاسل. بالحبال الغليظة. بحبال القهر والخوف والجوع والألم والوجع والذلّ واللعنة والتمرّد. أدعوهم إلى أن يسجنوكم في بصقة مقزِّزة. المهمّ أن يأخذوكم من هنا.


بعد قليل، الآن، وأمس، وغداً، سنلاحق فلولكم وراء كلّ أرض، وتحت كلّ سماء، وإلى الجحيم. إلى كلّ جحيم. إلى طبقاتها ومراتبها التحتية. إلى الأمكنة المستحيلة التي لا يصل إليها متخيَّلٌ افتراضيّ. سنلاحقكم أبعد مما تصل إليه عين هابيل. سنلاحقكم بالعيون المخارز. بالصرخات البكماء. باللغة التي تنقضّ عليكم طيوراً أبابيل أبابيل، وتصفّيكم نقطةً بعد نقطة. سنخترع لكم جحيماً تلو جحيم. إلى أن تضجّ بكم كلّ جحيم. ولن تفلتوا من عقاب.


يا سَفَلَة. 
قد كان بين أيديكم لبنان، ذاك الندى الذهبي الخالص، فحوّلتموه حديداً صدئاً.
قد كانت أيديكم وشفاهكم على الينابيع، فجعلتموها سراباتٍ ومكبّات ومستنقعات.
لم تتركوا نسيماً عليلاً، ولا أغنيةً، ولا غيمةً بيضاء أو زرقاء أو كحلية، ولا حتى قصيدة. لم تتركوا طفلاً. لم تتركوا نعمةً. لم تتركوا شبقاً. لم تتركوا يأساً ينتظر الفجر. ولم تتركوا لنا حتى الذكرى.
قد كنا نحبّ الذئاب، قصصها التي في طفولات الخيال، فصرنا نمقت الذئاب، ونلاحقها قتلاً وترويعاً. صرنا نجندل الذئاب، ذئاب الحلم والهجس والحرية، بعدما نهبتم حتى صورتها، تلك، وهي ترقص وحيدةً في الغابة. وتنزف في الصقيع الصقيع حتى النجيع الأخير.
كيف نستطيع أن نحتقركم أكثر؟!
أبحث في الكلمات، في القلب، في ألياف الدماغ، في قاموس اللعنات، في خيال العنف اللغوي الأبيض، عما ينوب عن احتقاري، فلا أجد شيئاً على قدر ما تستحقّون.


يا سَفَلَة.
خرّبتم لبنان. قتلتم روحه. هشّلتم نبوغه. دمّرتم "وطنه الثقافي". شوّهتم شعره. ونثره. أما خياله فذبحتموه. وكذا فعلتم بسمائه. وفضائه. ونجومه. وشمسه. وقمره. وجعلتم بحره كابوساً. وينبوعه كابوساً. وجبله كابوساً. وبيوته القرميد ذات القناطر أثراً بعد عين. وكذا فعلتم بسهله. وأخضره. فماذا بعد؟
لا تحتاجون أيها السَّفَلَة إلى مرافعات. ولا إلى إحالة على قضاء. ولا إلى تخفيف الأحكام.
تصحّ فيكم الأحكام العادلة فقط، كما تكون عليه الأمور في مثل هذه الحال: عرفية، جهنمية، جحيمية، أبوكالبتية. فقط لا غير. وبلا شفقة. حسبها أن تفيكم حقّكم. مع حبّة مسك. وحسبها أن تحرّر لبنان منكم. ليعود يعمّره الخيال والحلم والحبّ والأمل والثقافة والشغف والحرية. وليعود يشيّده العشّاق والشعراء على طريقتهم، آهةً آهة، وقصيدةً قصيدة. نعم، العشّاق والشعراء. أساتذة الحياة والأمل. وإذ أخصّ الشعراء، فلأنهم، والعشّاق، لا يحسبون حساباً لغدرات الزمان، ولا يدّخرون مؤونةً لأيام القحط والجفاف. هؤلاء الذين يقول السياسيون عن كلماتهم إنها "شعرية"، أي غير واقعية في منطق البزنس السياسي، أي بلا فاعلية ومعنى، ولا تنفع في شيء. كلما دقّ كوز السَّفَلَة السياسيين بجرّة، يقولون عن كلّ رأيٍ فروسيّ مزعج ومخالف ونبيل وحالم: هذا كلام شعر. هذا كلام شعراء. يعني أنه لا ينفع.


معهم حقّ، السَّفَلَة. فهم يريدون الكلام الذي يبيع ويشتري، ويسمسر ويتعهّر. يريدون الكلام الذي يحبّل. ولا يحبّل في سياسات النهب والتقاسم والتناتش والسرقة والتخلف والقتل، سوى كلامهم البغيض المجترّ المكرور.
أيها السََفَلَة.


سنقضّ مضاجعكم ليلةً بعد ليلة. سندخل على مخادعكم. سنسمّم أحلامكم بالكوابيس. وسنظلّ نقرع الجدران إلى أن تتحطّم الجدران على جثثكم النتنة. هل صدّقتم أننا سنترك لكم لبنان لقمةً سائغة؟! هل صدّقتم أننا سنترككم تهنأون ببلعه؟! فشر، أيها السَّفَلَة. فسنستعيد لبنان منكم شبراً شبراً. جنوبه والشمال، سهله والجبل، بيروته والمدن، ينابيعه وندى خياله وأحلامه.
لبنان كلّه، يا سَفَلَة، سنستعيده، لنعمّره، وطناً للثقافة والحياة والحرية والكرامة والأمل.


فهلمّوا يا أهل "القوة البيضاء"، يا الهاجسين بالضمير، يا فَعَلَة الجمال والخلق والتمرّد، هلمّوا إلى "معركة" استعادة لبنان. ولنُقطِع الأوادمَ والعشّاقَ والمقهورين والأحرارَ والمثقفين والشعراءَ وطناً. وليكن وطنهم لبنان.

 

akl.awit@annahar.com.lb

 

 

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط