الشاعرة سعاد الصبّاح / Aug 25, 2001

أن تجرؤ امرأة عربية مسلمة على كتابة شعرٍ تعبّر فيه عما يجيش في قلبها من مشاعر تجاه ما تعانيه المرأة من ظلم في المجتمع العربي بشكل عام، هو بالتأكيد أمر يدعو إلى التقدير. ولكن أن تجرؤ امرأة بمستوى سيدة خليجية مرموقة كالسيدة سعاد الصبّاح، على التشهير بعيوب هذا المجتمع وفضح تعسّفه، فإنه بالتأكيد لأمرٌ يدعو إلى أكثر من "تقدير". إنه أمر ينذر بأنّ وضع المرأة العربية قد بلغ حداً لم يعد بقدرتها القبول به والسكوت عنه إلى درجة دفع سيدة في مكانتها إلى المجازفة ربما بحياتها لتعلن على الملأ عما يجيش في قلبها وقلب كل امرأة عربية. 

 

طبعاً، إن السيدة الصبّاح لم تعلن في قصيدتها للعالم أمراً كان يجهله. فوضع المرأة العربية غني عن التعريف، ولكنها بالتأكيد قد وجّهت صفعة شديدة ليس فقط للذين ينكرون واقع المرأة العربية التعيس، بل إلى أولئك الذين يذهبون إلى أبعد من ذلك مدّعين بأن الإسلام قد أعطى المرأة من حقوق ما لم تحظَ به امرأةٌ في أي مجتمع آخر.

تقول الشاعرة الصبّاح:  

 

هذي بلادٌ تَختـنُ القصيدةَ الأنثى

وتشنُقُ الشمسَ لدى طلوعها

حفظاً لأمن العائلة .

وتذبحُ المرأة إن تكلمتْ

أو فكرت

أو كتبت

أو عشقت

غسلاً لعار العائلة.

هذي بلادٌ لا تريد امرأةً رافضةً

ولا تريد امرأة غاضبةً

ولا تريد امرأة خارجةً

على طقوس العائلة.

هذي بلاد لا تريد امرأةً

تمشي أمام القافله.

 

-2-

هذي بلادٌ أكلت نساءها

واضطجعت سعيدةً

تحت سياط الشمس والهجيرْ

هذي بلادُ الواقِ والواقِ..

التي تصادر التفكيرْ.

وتذبحُ المرأةَ في فراش العرسِ كالبعيرْ.

وتمنعُ الأسماك أن تسبحَ

والطيورَ أن تطيرْ.

هذي بلادٌ تكرهُ الوردة إن تفتّحتْ

وتكره العبيرْ

ولا ترى في الحلمِ إلاّ الجنسَ والسريرْ.

 

-3-

هذي بلادٌ أغلقت سماءها

وحنّطت نساءها

فالوجه فيها عورةٌ

والصوتُ فيها عورةٌ

والفكر فيها عورةٌ

والشعر فيها عورةٌ

والحب فيها عورةٌ

والقمر الأخضرُ والرسائلُ الزرقاءُ.

هذي بلادي ألغتِ الربيع من حسابها

وألغتِ الشتاءْ.

وألغتِ العيونَ والبكاءْ.

هذي بلادٌ هربت من عقلها

واختارتِ الإغماءْ.

 

-4-

ماذا تريد المدنُ النائمةُ الكسولةُ الغافله.

منّي،

أنا الجارحةُ الكاسرةُ المقاتله.

إن كان عقلي ما يريدون،

فلا يسعدني بأن أكون عاقله.

ما تفعل المرأة في أمطارها؟

ما تفعل المرأة في أنهارها؟

كيف تُرى يمكنها أن تزرعَ الوردَ

على هذه الجرود القاحله؟

 

-5-

ماذا من المرأة يبتغون في بلادنا؟

يبغونها مسلوقةً

يبغونها مشويةً

يبغونها معجونةً بشحمها ولحمها

يبغونها عروسة من سكَّرٍ

جاهزةً للوصلِ كلَّ لحظةٍ

يبغونها صغيرة وجاهلة.

هذي هي الوصايا العشر

في حفظِ تراث العائلة.

 

-6-

معذرةً.. معذرةً

لن أتخلى قطُّ عن أظافري

فسوف أبقى دائماً

أمشي أمام القافله.

وسوف أبقى دائماً

مقتولةً.. أو قاتله.

*************

إن من يتأمل في كلمات هذه القصيدة الرائعة ليرى أن الشاعرة سعاد الصبّاح لم تنطق بواحدة منها جزافاً. فوراء كل كلمة قصد، وبين كلمات كل عبارة كتابٌ يحكي قصصاً ويتحدث عن تاريخٍ من الظلم، وكذلك عن قوانين وتشريعات آن للدهر أن يأكل عليها ويشرب.

"ليلة القبض على فاطمة" ملحمة شعرية رائعة وكتاب ضخم كُتب في سطور قليلة.

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط