بين الاحتلال الداخلي والاحتلال الخارجي
د. أكرم شلغين / Jul 11, 2005

يذكرنا، إلى حد كبير، نقاش المثقفين والمعارضين السوريين هذه الأيام بسابقه الذي دار قبل سقوط نظام صدام حسين.

في تلك الفترة، حين بدا واضحاً أن الإطاحة بالنظام العراقي هو التوجه المنظور للولايات المتحدة، غدا الكثير من المثقفين والمعارضين العراقيين أسرى هواجس تتمحور حول اتخاذ "الموقف الصحيح".  فمن جهة، كان العراقي يتمنى لو أنه يستطيع التخلص من النظام الديكتاتوري، الدموي، العشائري الحاكم في بلده بنفسه وبالاعتماد على قوة شعبه - لكنه لا يستطيع، ومن جهة ثانية، لم يعرف المثقف والمعارض العراقي أين يقف، على وجه الدقة، من مسألة الاعتماد على، أو التسليم بأمر، أن القوات الأمريكية هي الجهة الوحيدة التي تستطيع بقوتها إزاحة نظام صدام حسين! والمأزق النفسي للعراقي في تلك الفترة ازداد تفاقماً جراء صعوبة الإجابة عن أسئلة من نوع: هل المستهدف هو العراق أم السلطة الحاكمة فيه؟ هل ينبغي على العراقي أن يصغي للأصوات التي تلعب على المشاعر القومية وتصرخ عالياً بأن المستهدف هو العراق ووحدته وهوية أبنائه أياً كانت وهو يعرف أن لا شيء يفتت العراق ووحدته أكثر من وجود الديكتاتور ونظام البعث فيه؟ هل يأخذ بحسبانه ما عرفه تاريخياً عن سجل الأمريكان في علاقتهم مع الأنظمة الديكتاتورية هنا وهناك في العالم، بما فيها نظام صدام حسين نفسه في فترة ما، أم أن أمريكان اليوم يتراجعون عن سياستهم المذكورة ويسعون لدمقرطة المنطقة انطلاقاً من أن الديمقراطية في العالم العربي هي الكفيلة بوقف إنتاج "إرهابيين" وبالتالي فأمريكا تسعى بجد للحيلولة دون وقوع 11 سبتمبر آخر؟  هل يجب على العراقي أن يتعامل مع الأمريكي على أنه غريب محتل أم يرحب به لأنه المخلّص من النظام الدموي - وذلك عين الهدف الذي عجز عن تحقيقه بمفرده؟ وإذا كان الأمريكي محتل فهل يسكت العراقي لأن مصالحه تقاطعت مع "مصالح المحتل" في نقطة إزاحة الديكتاتور أم يقاومه وبذلك يبدو وكأنه يلتقي في تلك النقطة مع ما يبغيه نظام الديكتاتور العشائري القبلي!؟ مهما يكن الأمر، فقد كان تأثير العراقي على إزاحة نظام صدام حسين، كما بينت سيرورة الأحداث، معدوماً أو ضئيلاً إلى درجة لا تُذكر، ومن رأى لاحقاً أن لا نفع في بقائه رهيناً للحساسية والمخاوف والخطابات القديمة ولم يكتف بمراقبة مجريات الأمور من بعيد فقد أصاب بالطبع لإدراكه أن السلبية هي الأخطر فتحرر من القيود النفسية وجاء، بكل بطولة، ليشارك في بناء بلده العراق الجديد بصرف النظر عن وجود الأمريكان فيه (وإنْ كانت خطواته لا تتعثر بسبب الأمريكان بل تصطدم بمن لا يوفر في تفجيراته لا طوابير الناس المجتمعين من أجل فرص عمل ولا تجمعات الناس العزّل ولا خيم العزاء ولا..).  

 

تُبدي نقاشات السوريين اليوم أن الكثيرين منهم  تكابدهم نفس الهموم التي اعتمرت العراقي.  وربما يقترب اليوم بعض المثقفين والمعارضين السوريين (والعرب عموماً) من وضع إصبعهم على الجرح عندما يستخدمون العنوان العام: "المنطقة العربية بين الاستبداد والاحتلال" لتشخيص المشكلة وللدلالة على تقلص تفضيلات - ولا أقول خيارات - شعوب المنطقة، وسط هذا المناخ الجيوسياسي.  إلاّ أن حساسية الموضوع وتعقيدات تداعياته تجعل هؤلاء يميلون إلى التركيز الصرف على ما يسمونه بـ"النوايا الكامنة" لدى الدول الإمبريالية "للسيطرة على المنطقة العربية"، وعلى بشاعة "الاحتلال" والويلات التي تنجم عن وجوده إلخ. وذلك على حساب رؤية الواقع الأشد إيلاماً الذي يعيش فيه العرب أفراداً وجماعات، فينتهي الأمر إلى توصيف منقوص للمسألة يهوّل من خطر "الاحتلال" وبنفس الوقت يتناسى خطر "الاستبداد" وأثره المرحلي والبعيد المدى على المنطقة وشعوبها.  في هذا التناول أحادي البعد لموضوع "الاحتلال والاستبداد" ثمة نزوع ليس فقط إلى التعتيم على الواقع المذري والمرير الذي يرزح تحته العربي بل أيضاً جنوح إلى التعامل مع "الاستبداد" وكأنه مجرد ممارسة خاطئة علينا أن نتقبلها ما دام الفاعل المستبد ينطق باللغة العربية مثلنا أو لأنه انبثق جغرافياً من نفس البقعة التي ولدنا فيها وليس له هوية "الغريب الأجنبي.."  ناهيك عما يحمله عرض المشكلة على هذا النحو من تناس وإهمال لقضية الشعب وهمومه وتطلعاته الإنسانية، فإن فيه ما يصب في خدمة فئة تحكم في دمشق هي على درجة من الفظاعة والطغيان واستنزاف الخيرات وقمع الشعب وسرقة أمواله لتصنف بكل دقة بـ"الاحتلال الداخلي".  

 

في الواقع، لا يمكن أن نخطئ في توصيف النظام التسلطي بدمشق كيفما نظرنا لوجوده في مواقعه وتعاطيه مع الشعب السوري، فإذا كان احتلال بلد ما يتم دون إرادة شعبه فإن أحداً في سوريا لم ينتخب البعث وأسده (أو الأسد وبعثه) وطاقمه – بل إن الشعب السوري ينظر إليهم على أنهم "شرذمة من المغول الجدد" اغتصبت سوريا "في غفلة من الزمان"؛ وإذا كان الاحتلال يُحضر جيوشه ليتمكن من السيطرة على بلد ما فإن نظام الأسد قد حول الجيش في سوريا من مؤسسة لها مهام وطنية إلى جهاز أمني اختُزلت مهامه إلى تمكين النظام الحاكم من البقاء وحفظ وجوده وحماية مصالحه؛ وإذا كان الاحتلال ينهب البلد الذي يحتله فإن نظام الأسد والعوائل والحواشي قد جعلوا من سوريا مزرعة خاصة ينفردون باستغلال عائداتها لهم دون غيرهم وبدون اكتراث لواقع الشعب السوري أو أدنى تفكير بالمسؤولية تجاه شعب نصّبوا أنفسهم عليه بالقوة؛ وإذا كان الاحتلال يعبث بأرض البلاد وثرواتها فالنظام السوري له السجل الواضح في التفريط بكل مقدرات سوريا وأرضها وتلويث هوائها ومائها؛ وإذا كان الاحتلال يُضيّق على شعب البلد المحتل نظراً لافتقاده الشرعية والشعبية فإن نظام البعث والأسد لا يستطيع أن يحكم إلا بقانون الطوارئ والحديد والنار والمخابرات التي تتدخل حتى بأبسط أمور الحياة اليومية.  إذا كان ما حصل في سجن أبو غريب في العراق مريعاً  فإن ما يحصل في سجون النظام السوري يجعل من أبو غريب لا يستحق الذكر، وعندما نسمع حديث السجناء في سوريا أو نقرأ ما كتبوه ويكتبونه عن سجون النظام السوري نعرف هول مصيبة السوريين، وإذا كانت الإدارة الأمريكية قد أسفت لما حدث في أبو غريب وحاسبت الفاعلين والمسؤولين عنه بالعقوبات المناسبة فإن النظام السوري يَعلف، يُغذي ويُنمّي عضلات الجلاد ويثني عليه كبطل وطني.  في عراق ما بعد صدام حسين وبعثه تستطيع الناس التظاهر وبكل حرية ضد الأمريكان وأما السوري فيعرض نفسه للخطر إذا ما فكر حتى بالاعتصام في سوريا الأسد وليقول: "نعم للإصلاح من الداخل"، بل إن الكثير من أسر المفقودين منذ عقود لاتتجرأ حتى بالسؤال عن أولادها. وإذا كان العراقيون يصدرون مئات الصحف والمواقع الإلكترونية تحت "الاحتلال الخارجي" فإن السوريين يعيشون سحب تراخيص الصحف (حتى تلك التي أذن لها النظام السوري مسبقاً وتعمل تحت مراقبته) ويعانون كذلك من حجب المواقع العالمية ومن الرقابة على الصحف القادمة من الخارج؛ وإذا كان العراقي (بمساعدة الاحتلال) استطاع أن ينتخب للمرة الأولى فإن السوري مازال يقبع في ظلمات الـ"نعم أو نعم" التي تنتج "نعم للقائد" بنسبة تصل إلى 99 و99 ؛ وإذا كان العراقي يستطيع التعبير عن رأيه وينتقد ويتكلم من أي منبر يشاء وضد كل من يشاء فإن السوري يُسجن لا لأنه انتقد بل لأنه شاهد برنامج على إحدى الفضائيات (كما حصل مع ستة عمال وموظفين في معمل سكر حمص شاهدوا برنامج على قناة الجزيرة ـ انظر بيان المنظمة العربية لحقوق الإنسان تاريخ 30. 6. 2005 ) .. ماذا نسمي سلطة لا شرعية تتعامل مع شعب لا على اساس المواطنة بل على أساس الولاءات والمحسوبيات؟ ماذا نسمي من يحجز أماكن العمل في البلد ويوزعها على أساس القرب والولاءات والعائلات لا على أساس الكفاءات؟  أليس ذلك احتلالاً؟  إذا تعاملنا مع السؤال بتجرد وموضوعية فإننا نجد أن من يحكم بدمشق لا ينطبق عليه إلا تسمية "احتلال."  من دواعي الغرابة أن لا أحداً يعطي لقب "المحتل" عندما يطلق التسميات على السلطة الحاكمة في دمشق والتي ستتمخض نتائج أعمالها المدمرة عن كوارث لن يتعافى منها البلد وشعبه ـ حتى بعد عقود عديدة من إزاحة هذا النظام.  ومن الجدير بالذكر هنا أن نقول إن "المحتل الخارجي" يعرف أنه في أرض غريبة والأعين مفتوحة عليه أما "المحتل الداخلي" فيزعم أن هذه هي أرضه وأن الاعتراض على ذلك من قبل الشعب هو "تآمر على القضايا الوطنية" ومن الخارج هو "تدخل في السيادة الوطنية.."

 

مصيبة السوري بوباء الزمرة التسلطية أكبر من أن توصف.  فكما يكرر الجميع وبحق: بعد عقود من اغتصاب البعث والأسد للسلطة في سوريا وكمِّ أفواه السوريين وسرقة واستلاب القرار والمبادرة من يدهم بحجج المؤامرات الغربية والقضية القومية والجولان المحتل بات الشعب السوري مفتقداً لكل شيء: للأرض والعرض والقرار بل والمقدرة على التعبير عن مصالحه الاستراتيجية.  وبسبب الطغيان والاستبداد بات الشعب السوري المتطلع للحرية يقولها بوضوح: إذا كان ما تمارسه سلطات الاحتلال الداخلي معنا باسم القومية فتباً لهذه القومية البربرية الهمجية ونحن براء منها، وإذا كانت القومية تعني أن تعيش أجيال وتموت أجيال في جو القمع والخنق والسرقة التي يمارسها علينا وبحقنا من يمثل هذه القومية "فسجل نحن لسنا عرب" وليست القومية العربية قوميتنا وإنما نحن بشر وانتماؤنا هو للإنسانية وليس للقومية الهمجية الدموية التي يمثلونها، وإذا كان ما يمارس علينا هو من الدين فنحن براء من هذا الدين، كل ما نريده هو العيش بحرية وكرامة ومن يستلبنا إياها هو المحتل سواء كان نظام الأسد أي الاحتلال الداخلي أم كان ذلك من احتلال خارجي، وإذا كان ما يمارس معنا وعلينا باسم الحفاظ على الهوية فنحن لانريد هذه الهوية، وإذا كان "المحتل الأجنبي" يضعنا على طريق العيش بأمان وسلام ولنتمتع بحقوقنا كبشر، سواء كان ذلك تحت عنوان "الشرق الأوسط الكبير" أم غيره،  فنحن جزء من العالم بكل ما فيه ولا نريد أن نكون خارج الزمان والمكان، وإذا كان المقصود إرساء الحرية والديمقراطية فهذا ما نحلم به، وإذا كان المقصود اقتلاع السلطة القمعية الاستبدادية المحتلة في دمشق فهذا مانتطلع إليه.

 

السؤال الأهم هو أين تكمن مصلحة الشعب السوري؟ وإذا كان الشعب السوري "لا يستطيع تمثيل نفسه" والتعبير عن مصالحه فلهذا "ينبغي تمثيله" وبالتأكيد لا يمكن أن يمثل الشعب السوري من أوصله إلى هنا (أي نظام البعث والأسد)!

 

لا شك أن العديد من المثقفين والمعارضين سيبقون أسرى العداوة الأيديولوجية القديمة للأمريكان، بل وسنسمع أقاويل عامة تُسائل مصداقية الأمريكان من حيث أن غايتهم هي السيطرة على المنطقة ونفطها أكثر مما هي دمقرطتها، وأن الديمقراطية لن ترى النور في منطقتنا وسيتكرر القول إن أي بلد عربي ليس "ألمانيا" أو "اليابان" ولأننا كذلك محكومون بلعنة البترول و..و.. إلخ.  بدورنا، نريد أن نكرر مع هؤلاء بأن منطقتنا ليست بالفعل على سوية من الوعي تجعلها تتعامل مع مصائبها بحكمة وذكاء مثل اليابان وألمانيا، ونريد أيضاً  أن نسأل هؤلاء لماذا نحن فقط من يصاب بلعنة البترول دون بقية شعوب الأرض!؟ أليس حرياً بنا أن نطرح مثل هكذا تساؤل ونحن نعرف أن فنزويلا – على سبيل المثال- تعوم على بحر من النفط وهي أقرب جغرافياً لأمريكا بل وبها حكومة معادية للإدارة الأمريكية! وإذا كنا بصدد الكلام عن البترول فيجب أن نسأل عين السؤال الذي سأله ابن شمال العراق وابن جنوبه عما استفاده من البترول في ظل صدام!؟ وإذا وضعنا الكلام عن حجم "ثروة سوريا النفطية" جانباً (إذ لا تقاس بثروة العراق) فلا نستطيع إلا أن نسأل: مَن مِن هؤلاء يستطيع أن يعطينا رقماً واحداً يقرنه بالأدلة عن عائدات البترول في سوريا، أين ذهبت في الماضي وأين تذهب!؟ بل إنْ أردنا أن نتكلم عن خيرات البلد وثرواتها فنسأل هؤلاء أن يعودوا بذاكرتهم إلى الوراء لاستحضار ما أعلنه حافظ الأسد مرة عن اكتشاف "الألماس وبكميات كبيرة" في سوريا.. فإذا كان الأمر صحيحاً فماذا نعرف عنها كسوريين الآن وبعد كل هذه السنين!؟ ولعلنا سنسمع كذلك أن هناك أجندة أجنبية لتشتيت المنطقة وتقسيمها على أساس طائفي وقومي، ولهؤلاء نذكر أيضاً بأن الفقر يؤدي إلى تأجيج الشعور القومي، وإلى تسعير الشعور الطائفي، والعصبي والقبلي والأثني.  ونسائل كذلك هؤلاء بماذا سيقنعون السوري العادي الذي يتضور جوعاً وبنفس الوقت يسمع عن الخلافات الدائرة بين منذر جميل الأسد وأرملة أبيه أمل عزيز نعمان على مصير صناديق سبائك الذهب والألماس وملايين الدولارات! أتمنى أن لا نسمع أو نقرأ أن أجندة أمريكية هي وراء حيازة هؤلاء لأموال تخص بالأساس الشعب السوري لا جلاديه؟ 

 

أكبر مصائب سوريا هي وجود نظام البعث والأسد عليها، هذه حقيقة يدركها ويرددها الجميع في سوريا حين يتذكرون الماضي بكثير من الحسرة، ومنهم من يقول إن أجواء الوحدة الوطنية التي سادت في فترة ما بعد الاستقلال لم تعد موجودة، ومنهم من يقارن ما فعله نظام البعث والأسد بسوريا بما فعلته فرنسا ليستنتج بدون خجل أن الطرقات التي شقتها وعبدتها فرنسا في سوريا في النصف الأول من القرن العشرين مازالت هي الأفضل وأما مافعله البعث والأسد في سوريا فلم يكن بوازع الضمير والوطنية وإنما بدافع الجشع والسرقة والفساد التي أنتجت، وستنتج، المآسي الحقيقية على شاكلة "سد زيزون" الذي انهار قبل حوالي ثلاث سنوات مخلفاً ما خلفه من دمار على الإنسان والأرض.  ويعود السؤال الذي ينتظر الجواب بشجاعة وصدق يتكرر: "من المسؤول عما حصل لنا أهي أمريكا أم هو النظام الطاغي؟" لقد وصلت هموم الشعب السوري إلى درجة لا تحتمل وأصبح كل ما يريده هو العيش بحرية وإنسانية وبدون تنكيل وقمع.  ولعل أصدق الأصوات التي تعبر عما في داخل السوري وهمومه وماذا يريد هي تلك الني تنطلق عفوية وبدون تحسبات لنتائجها، هي تلك الأصوات التي انطلقت من "قلب العروبة النابض" بتاريخ 9 نيسان 2003 من الأفواه الجائعة للحرية مثل جوعها للخبز، هي التي انطلقت من فم بائع الخضار بعد أن سمع تطورات الأحداث عبر الراديو فصرخ بأعلى صوته: "وينك يا [جورج] بوش ونحنا كمان بدنا هيك.." ومن فم مشتري الخضار: "الله ياخد بإيدك يا بوش..." ومن فم المثقف اللاديماغوجي الذي لم يكتف بالتبصّر بإيجابية الدور الأمريكي عملياً في جعل عصا النظام الفاشي في دمشق أخف وقعاً على رأسه وحسب بل ذهب أبعد ليرفع علناً كأس أمريكا في "دمشق الأسد،" وفي ما قيل في انتفاضة القامشلي، وفيما نُطق في بلدة مصياف على لسان من لم يعد يحتمل الجور والطغيان، و.. و..!

 

عندما نضع صورة "المحتل الداخلي" ونهجه ضمن الإطار الواقعي لنبين درجة قباحته، فإننا بالطبع لا نبغي الترويج "للمحتل الخارجي،" (ولا نريد أن نمهد لدور الاحتلال حتى وإن كان بعض نبهاء الفكر الإنساني وكبار الفلاسفة في العالم لم يتعاموا عن جوانب إيجابية للاحتلال، بل إن ماركس نفسه توقف حيناً على مسافة قصيرة جداً من مدح الدور التحديثي للاستعمار)، ولا نبغي كذلك التنكر لتطلعات الشعب في العيش بحرية وإنما على العكس تماماً نريد بالتحديد تدارك مصالح شعبنا.  فالعيش بحرية واستقلال في سوريا هو ما نصبو إليه دون غيره.. ونتمنى لو أننا نستطيع الخلاص من النظام السوري بمفردنا وبالاعتماد على قوة شعبنا ودون أن تُسال قطرة دم واحدة (لا في سوريا ولا غيرها)، وعندما نتكلم على هذا النحو فهذا لا يعني أننا ابتعدنا عن بلدنا وهموم شعبها بل نعيشها بتفاصيلها، ونتابع وبتفاعل كبير ليس فقط ما يحصل بها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً بل ونتابع حالة الطقس فوق صحرائها وقراها ومدنها. وعندما نتكلم على هذا الشكل، فلا يعني كلامنا أننا أمسكنا بأجندة خارجية وبدأنا بالعمل على تنفيذ بنودها، بل ليس لدينا إلا أجندة واحدة هي أجندة بلدنا وشعبنا ووطننا، ولانتقبل أن يزاود علينا أحد،  فحياتنا واضحة وليس لدينا ما نخفيه ونتحدى من يدعي الوطنية والقومية والصمود والتصدي أن يرينا كشفاً بحسابه!

 

انطلاقاً من أن النظام السوري ينتمي إلى حقبة بائدة، وأن فرص التغيير قد تنبزغ دون أن يكون للسوري ذاك التأثير الكبير على على مجرى الأحداث، يبقى السؤال الهام والذي تطرقنا إليه أعلاه يتمحور حول خياراتنا في أن نبقى نراقب من بعيد، لأننا إذا كنا لا نريد بقاء النظام السوري في الوقت ذاته لا نرغب أن تقترن إرادتنا تلك مع إرادة من هو قادر على إزاحته!  أم نضل هدفنا وننحاز إلى صفوف من أوصلنا إلى هذا الوضع رغماً عنا! أم نتعامل مع الأمر الواقع ببراغماتية سياسية عالية ونعتبر ما يجري امتحاناً لنا لنبني سوريا بالشكل الذي يناسبها ويناسب شعبها بدلاً من العيش في ظل حكم قروسطي.  

 

هناك من ينعت المعارضة التي تبتعد عن المغالطات على أنها "معارضة لاوطنية" وأنها تستقوي بالخارج على الداخل إلخ.. الخطأ الذي يقع فيه هؤلاء هو أنهم ينقادون وبعمىً إلى تناسي مافعله النظام السوري طيلة هذه السنين، ويلجأون إلى حمل السلاح دفاعاً عن نتائج سياسته الكارثية، وبذلك يعلنون عن قناعتهم بالعيش إلى ما لانهاية تحت نير "الاحتلال الداخلي"!.. هنا، يجدر بنا أن نذكّر هؤلاء بأن نسبة عالية منهم ـ وللأسف ـ كانت في السابق على درجة من الولاء للاتحاد السوفييتي تجعلهم يحلمون بقدوم الأخير عسكرياً إلى سوريا لإقامة نظام آخر فيها ينسجم وتصوراتهم.

 

سوريا وشعبها يعيشان وضعاً كارثياً، والتعرف على الطريق الذي سيقود للخلاص من هذا الوضع لن يتحقق إلا بدراسة مسبباته وتسليط الضوء على من أوصلنا إليه، وبذلك نحدد مشكلتنا الأولى والأساسية: أين تكمن ومع من!.. بالمقابل، فإن بحثنا عن الأزمة وأصلها ومسببيها لا شك سيضل طريقه عندما نستمر في خداع أنفسنا بالحديث عن "الامبريالية والهجمة على المنطقة" ونتناسى بالتحديد المحتل الداخلي.

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط