محمود كرم / Jul 21, 2006

واهمٌ مَن يدّعي أن اللبنانيين يعشقون الموت والحرب والدمار، وأن هذه الحرب المجنونة هي حربهم، لأنهم من أكثر شعوب المنطقة كراهيةً لرائحة الموت وأصوات التفجيرات وفوضى الدمار فقد ذاقوا منها ما يكفي..

فهذه الحرب بين مَن لا يستطيع إلا أن يموت فيها رغماً عنه، وبين مَن يستطيع أن يبعث بالمئات إلى مقصلة الموت، بين مَن يعرف مسبقاً أنه قادرٌ على تدمير كل شيء في لبنان بآلته الحربية الفتاكة وبين مَن لا سبيل أمامه إلا أن يتلقى هذا التدمير رغماً عنه..

 

هل اللبنانيون حقيقةً في حرب عسكرية، أم أنهم في مأساة كارثية تتلون بالتفاصيل التراجيدية القاسية والعنيفة والمحزنة، هذا هو الواقع بكل آلامه وفجائعه وكوارثه الذي يتجرعه اللبنانيون كل لحظة، ويبقى الحديث عن البطولات والتضحيات والمقاومة المسلحة من قبيل الكلام المنمق الذي يغذي الخيالات العاطفية فقط، ومن قبيل الكلام الذي اعتاد عليه الناس وهم في حماسٍ ملتهب ولكنهم بعيدون عن ساحات الحرب في بيوتهم يراقبون الدمار والموت من خلف شاشة التلفاز، ويتحمسون للحرب ولكنهم إلى مضاجعهم الوثيرة آخر النهار يخلدون، فالواقع المدمر المفروض على كل اللبنانيين الآن ليس بحاجة إلى الاستدعاء الشعاراتي للخطابات القومية والدينية التهريجية التي تطلب من اللبنانيين شيء واحد فقط وهو ضرورة الانتحار الجماعي في هذه الحرب لكي يثبت اللبنانيون لهم أن لا صوتَ يعلوا فوق صوت (حزب الله)..

 

هل اللبنانيون بحاجة مرةً أخرى للموت الذي كرهوه وهربوا منه إلى الحياة بكل أناقتها الجميلة وفتنتها الصاخبة، وهل هم بحاجة مرةً أخرى إلى الدموع والآهات والمصائب والويلات التي لم تبرح ذاكرتهم بعد أن اندفعوا إلى صناعة الفرح والبهجة في كل زاوية من بلدهم الفاتن..

 

أليس من حق اللبنانيين أن ينعموا بحياة رغيدة، بمستقبل مزدهر، بأحلام يتداولونها بكل الحب والألفة في صباحاتهم المشمسة وفي مساءاتهم الهانئة، فكيف يتجرأ الأصوليون الدينيون المتيمون بحرب الأديان العدمية وبحرب الأيديولوجيات القميئة على مصاردة هذا الحق منهم بحجج سقيمة وأعذار واهية ملوها اللبنانيون وكرهوها ومقتوها..

 

لا شأن لي بالمؤدلجين وبالعقليات المصابة بهلوسات الهذيان الديني والقومي، اعثروا لي على لبناني واحد لا يكره الموت ولا يكره الدمار ولا يكره الويلات والدماء والمصائب، واعثروا لي على لبناني واحد لا يريد أن يعيش حياته بكل الألق الزاهي وبكل الأمنيات الجميلة وبكل الأحلام الكبيرة، فكيف تريدون من هذا الشعب الذي يتمسك بالحياة ويدافع عنها باصراره العنيد على حمايتها وصيانتها من أيدي العابثين والمتهورين والغارقين في جهالاتهم العمياء، كيف تريدون منه أن يقول لكم أنه قد سأم الحروب وسأم عنترياتكم الفارغة وحماسياتكم وقصائدكم الغبية وسأم أن يتم حصر الوطن في عمامة أو في أيديولجية ماضوية متفجرة أو في أفكار مجنونة معتوهة..

صدقوني فاللبنانيون يكرهون الحرب ويكرهون العيش وسط الدمار ويكرهون كل ما يعود بهم إلى الذاكرة الأليمة..

 

بأية صيغة كلامية تريدون أن يقول لكم اللبنانيون أن الحرب التي تعصف بهم الآن وتقضي على كل جماليات حلمهم (الصغير) بوطن خال من التشوهات والعاهات والأوساخ وقذارة الميليشيات الطائفية ومافيات صناعة الموت وعصابات الإجرام الديني: أن الحرب بشعة وبشعة جداً لأنها تدور بين أحيائهم وفي منازلهم وبين شوارعهم ولا تدور رحاها على شاشات الفضائيات كما تتخيلون..

 

وكيف تريدون من اللبنانين أن يشرحوا لكم يا مثقفي المكريفونات والهيجانات التحريضية أن قسوة اللحظات المخيفة والمؤلمة والمأساوية هم مَن يكابدونها وهم مَن يرتشفون مذاقاتها المرة والقاسية والموجعة.

وهل كان اللبنانيون بكل أطيافهم السياسية والدينية والعرقية بحاجة إلى مثل هذه الحرب البشعة التي فرضت عليهم قسراً لكي فقط يذكروا العرب والمسلمين من جديد أن إسرائيل ما تزال عدوتهم..؟؟

وكيف تريدون أيها العرب أن تفهموا أن اللبنانين ومعهم الضمير الإنساني في كل العالم قد أجمعوا على إدانة الهجوم الإسرائيلي الهمجي الذي ألحق كوارث إنسانية ببلدهم، ولكن هذا الأمر لا يعني أن اللبنانين قد أجمعوا على حرب حزب الله..

 

وربما السؤال الذي يتداوله اللبنانيون الآن، هو كم من السنوات تحتاجها لبنان لكي تتطهر من أوساخ هذه الحرب وكم تحتاج لكي تنهض من جديد، ولكن السؤال الأكثر أهمية بعد انتهاء هذه الحرب اللعينة ويخص اللبنانيين وحدهم ولا أحد سواهم، هو هل سيضع حزب الله نفسه مجدداً في الضد من شرعية الدولة اللبنانية وهل سيعبث مجدداً بأمن لبنان ويعرضه للخطر، ولذلك يجد اللبنانيون أن (حزب الله) كما أنه أعطى الذريعة للهجمات الإسرائلية المتوحشة، فإنّ عليه في المقابل أن يكون سبباً مباشراً في إنهاء هذه الحرب..

 

محمود كرم، كاتب كويتي  tloo1@hotmail.com

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط