د. أكرم شلغين / Feb 20, 2004

لا يكاد يمر يوم إلا ويطلق المثقفون السوريون (وأشقاؤهم العرب) النداء تلوالآخر متمنين أن يسمعهم أرباب النظام السوري ليشرعوا بالعمل على ترتيب البيت الداخلي السوري كخطوة ضرورية ملحة للحمة الوطنية المطلوبة الآن أكثر من أي وقت مضى ـ على حد تشخيص الحريصين على سلامة الوطن. والمتابع للنداءات هذه يدرك أنها، في الواقع، خجولة إذ تطالب بالحد الأدنى من الإصلاحات السياسية ليس أكثر، فأبعد ما ذهبنا إليه في مطاليبنا يتمثل بإصلاحات طفيفة جداً (بمقاييس العالم الحر والتي لم يعد يختلف عليها اثنان في عالم اليوم) مثل إلغاء قانون الطوارئ، تبييض السجون، عودة المنفيين قسراً وطواعية بضمانات قانونية، رد المظالم وضمان حق و حرية العمل السياسي لكل أبناء الوطن. لم يرفع مثقفينا حتى الآن شعار إسقاط النظام وإنما تلخصت مطاليبهم بضمان حرية المشاركة السياسية للجميع واعتبار سورية لجميع السوريين دون هيمنة طرف على آخر، بواضح العبارة لم تخرج مطاليب أبناء شعبنا عن، أو تتجاوز، ما يسمى بـ<<المصالحة الوطنية>> حتى الآن.

تنطلق نداءات مثقفينا من واقعين أحدهما خارجي و يتعلق بما آلت ـ وستؤول ـ إليه الأوضاع في العالم على وجه العموم وفي المنطقة العربية على وجه الخصوص، أما الواقع الآخر فهو داخلي ويسعى إلى المطالبة ببديهيات الحقوق المشروعة للفرد والمجتمع، خاصة وأننا نحيا الآن في عالم ما بعد انهيارالكتلة الشرقية، عالم تتساقط فيه الأنظمة الكتاتورية والأوتوقراطية بشكل أو بآخر هاوية واحدة بعد الأخرى.

النظام السوري، من جانبه، يتعامل مع هذين الواقعين بأوجه متعددة. على الصعيد الدولي وما يحصل ـ وما سيستجد ـ في المنطقة العربية، نجد أن تصريحات كبار المسؤولين السوريين تبدو تارة وكأنها تنم عن أنهم لم يستوعبوا أن قواعد اللعب قد تغيرت مع التغيرات العالمية وأخرى وكأنهم يعتقدون أن رياح التغيير لن تطالهم وفقاً لمراهناتهم على عوامل عدة منها: احتمال فوز الديمقراطيين في الولايات المتحدة، الأمر الذي يعني نهاية أجندة بوش الحربية، العامل الآخر يعتمد على احتمالية أن الولايات المتحدة لن تقدم على الخطوة التالية في حربها وهي مازالت تنزف في العراق دون أن تحقق ما أتت من أجله، وأما العامل الثالث، وهو الأكثرأهمية بالنسبة للنظام السوري، فيستند إلى توقع عدم التفريط بهذا النظام من قبل الولايات المتحدة جراء حقيقة تفانيه في تقديم الخدمات الإستخباراتية لها (باعتراف أعلى رموزه)، وكذلك لاعتقاده الخاطيء أن لديه أوراقاً تجعله أفضل بالنسبة لأمريكا من بدائل أخرى على الساحة السورية ـ إن وُجدت. انطلاقاً من العامل الأخير تتسارع وتيرة التحركات بدءاً من الزحف نحو قطر وغيرها من المحطات التي كان أحدثها تركيا ومروراً بتحميل الرسائل لهذا الوسيط أو ذاك، ومن ثم التصريحات المتكررة منها ما يوضح عدم التبرم من الوجود الأميريكي في العراق ومنها ما يبوح بإحباط محاولات استهدفت أرواح الأميريكيين في العراق، ثم السعي لكسب رضا الإدارة الأمريكية عبر القناة الإسرائيلية ومن خلال المفاوضات المرجوة من نقطة الصفر وبدون شروط مع حكومة أرييل شارون. من جهة أخرى، ومن باب مساعيه لكسب رضا الخارج ينسج النظام السوري علاقاتاً يعتقد أنها تشكل معبراً له للبوابة الأوربية والأمريكية حين يعرض هذا النظام <<اعتبار>> جزءاً من الأراضي السورية، بما فيه مرافقه الإقتصادية، ( والذي ما زالت الكتب المدرسية السورية ـ على الأقل ـ تسميه <<اللواء السليب>>) منطقة حرة لكل من تركيا وسورية.(جريدة النهار عدد الأحد 15 شباط).

على عكس سلوكه مع الخارج، وبمقابل هرولة رموزه إلى كل الزوايا وتقليبهم كافة الحجارة بغية سد جميع منافذ الرياح، نجد أن النظام السوري لا يتلحلح قيد أنملة حيال الداخل، وفي الواقع، إنه يزداد فجاجة وتنكراً في تعامله مع الشعب السوري ومثقفي هذا الشعب. فهذا النظام ما زال يتجاهل المطالب المشروعة لنا في سورية، لا بل بقدر ما تتكرر مطالبنا بالحريات بقدر ما تزداد عنجهية وغطرسة النظام بالتعامل معنا والتعالي علينا، فنقرأ ونسمع التشكيك بنا وبمقدراتنا الفكرية والإدارية والتنظيمية من قبل رموزالنظام حيث يعتصرون أدمغتهم لانتقاء كلمات وعبارات التهكم ظناً أن ذلك يخدمهم.

من الواضح أننا نحن أبناء الشعب السوري نتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية إزاء تعامل النظام معنا بهذه الطريقة وذلك لأننا حتى هذه اللحظة لم نفكر بأنفسنا ولم نفكر بمصلحتنا الحقيقية بل نتمسك بأوهام ونحاول الوصول إلى السراب في تعاطينا مع هذا النظام. نتلقى الضربات من النظام وبدلاً من التفكير بالرد بالشكل الممكن عليها نبدأ بالتدريب على كيفية التعايش مع الضربات القادمة وكأن تلقينا للضربات هو قدرنا. يخرج واحدنا من سجن اعتباطي استبدادي دام عقد ونصف أو أكثرليبدأ بالكلام عن المصالحة الوطنية والتغيير القادم ويفرغ شحناته بحملة كلامية وشعارات ضد <<عدوالأمة الحارجي>> والذي لم يسجنه ولم يسمع به بالأساس إلا عندما جيء باسمه كسجين إلى مقرات المنظمات الحقوقية في الدول الغربية لتطالب بالإفراج عنه. ويبدوأن استخفاف النظام بنا وقفزه فوق جدراننا يأتي من معرفته بنا أكثر مما نحن نعرفه أو نعرف أنفسنا أو ماذا نريد. فهذا النظام يدرك أننا نسير وفقاً لخرائطه ونعتمد قواميسه في الوطنية والقومية والأمانة والخيانة ونتقيد بما يرسمه راضين قانعين. ونطلق شعارات تفيد بعدم الإستقواء بالخارج على الوطن، والمنفيين ما زالوا يقولون إنهم لن يعودوا على دبابة أمريكية حتى ولو ماتوا في الغربة.

والآن: ماذا لو بدأنا بمراجعة أنفسنا كأفراد وجماعات، في داخل البلد وفي خارجه؟ ماذا لو تحررنا من خرائط النظام ورسوماته وتعابيره وبدأنا نفكر بديناميكية منبعها مصالحنا كبشر؟ والسيناريوات في هذا المجال تتعدد إن شئنا. ماذا لو فكرنا بطريقة تفكير رموز و حماة وحفظة النظام؟ ماذا لو قلنا بأعالي أصواتنا: إن كنتم أقوياء علينا فالعم سام أقوى منكم وسنسبقكم إليه ولن تستطيعوا وصفنا بالخونة وإلا فأنتم حفنة من الضالعين بالخيانة منذ زمن بعيد؟ وهل المطالبة بحقنا بالعيش بكرامة وحرية يعني خيانة؟ ماذا لوتحررنا مما علمتمونا إياه في المدارس ومن خلال وسائل إعلامكم أن أمريكا هي العدو وقلنا ليس لدينا عقدة اسمها أمريكا؟ ماذا لو قلنا إن الأرض واسعة وتتسع لنا جميعاً السوري والأمريكي والإسرائيلي؟ ماذا لو فكرنا بحيادية وبتجرد وسألنا أين، وما هو، الوطن؟ ماذا لو فكرنا أن العمر قصير ولن نعيش مرتين؟ ماذا لو فكرنا أننا في كل الأحوال حرمنا من كل شيء في هذه البقعة المسماة سورية فأيهما أنسب لدينا إن حكمتها المافيات المحلية وقالت إذهبوا إلى الجحيم أو جاء أجنبي ليقول سيكون لشركاتي حق الإستثمار في هذه المنطقة ولكم أيضاً حقوقاً وضمانات يكفلها لكم القانون؟ هل أفضل لنا أن نعيش في بلد أجمل بقاعه تحتلها العصابات الحاكمة وتضرب طوقاً على مسافة عدة كيلومترات وتقول <<ممنوع الإقتراب>> أم إن كانت تلك الأماكن بيد شركات رأسمالية تستثمرها لتربح ـ نعم ـ ولكنها لا تحظرعلينا رؤيتها والتمتع بها؟ أيهما أنسب لنا أن تحكمنا مافيات وتقول الكلام الوحيد معكم هو في <<فرع فلسطين>> و<<سجن تدمر>> أم أن يحكمنا أياً كان على وجه الأرض ويمنحنا الحق في العيش بكرامة وإنسانية ولا يستعلي علينا؟

في الواقع، بدأت الأصوات الشعبية في دمشق بالدعاء أن ينعم الله علينا بما أنعم على العراقيين: بصواريخ كروز على مقرات النظام أولاً ثم بحضور الضيف الأمريكي ثانياً. و بدأ البعض يشرب كأس أمريكا، وهناك من يشكر ربه أن الله أمن علينا بالأمريكان الذين يزرعون الرعب في قلوب المتسلطين، ولولا تهديدات أمريكا لتفرغ النظام لزجنا مجدداً وبعشرات الآلاف في السجون.

نعود لـ <<المصالحة الوطنية>> التي تبدو بالفعل أنها النداء الغلط ويصدرعن الجهة الغلط، فمن يستطيع أن يشرح لنا كيف يمكن لأسرة <<عبد الله الأقرع>> أن تتصالح مع قاتليه في داخل السجن؟ أو مع من يتصالح أقارب هيثم الخوجة؟ منير فرنسيس؟ عبد الله شوبك؟ عبد الرزاق أبا زيد؟ محمد عبود الشاب الصغير؟ كيف يمكن لمن ضاعت سنين شبابه في السجن أن يتصالح مع النظام القمعي التسلطي؟ مع من سيتصالح فرج بيرقدار؟ بدر الدين شنن؟
كيف يمكن أن تتصالح أسرة <<أبا زيد>> مع من عذب << عبد الرزاق أبا زيد>> حتى الموت في داخل السجن؟ أم كيف يمكن لأسرة <<هاله عاقل>> أن تتصالح مع عصابات العائلة الحاكمة؟ و<<هاله عاقل>> ـ لمن لا يعرف قصتها ـ هي ابنة أسرة فقيرة من إحدى قرى اللاذقية <<ماخوس>> سكنت أسرتها في حي <<الرمل الشمالي>> باللاذقية، كانت على قدر من الجمال و لم تكن قد أكملت السابعة عشر من عمرها عندما قتلتها العصابات ومثلت بجثتهالأنها رفضت الإنصياع لهم والذهاب معهم، وتم طمس الجريمة في حينها إذ شرعت عناصر المخابرات بإزالة أوراق النعي من الشوارع وتم تهديد أسرتها. هل هناك مجال لمصالحة أسرتها مع العصابات؟ وهل يستطيع حقاً من أبعد عن بلده لعقود وذاق الأمرين من مرارة الغربة أن يتصالح مع من هجره؟

ماذا لو بدأنا بقرع أبواب الناس بيتاً بيتاً من أقصى البلاد إلى أقصاها من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب وطلبنا من الجميع سرد حكاياتهم ( وكل له حكاية مع هذا النظام) وجمعنا هذه الحكايات لتقديمها إلى محاكم العدل الدولية؟ ماذا لو جمعنا حكايات أخوتنا اللبنانيين معنا؟ ماذا لو أثرنا موضوع المبالغ الخيالية المودعة في بنوك غربية باسم من لم يعد على قيد الحياة؟ ماذا لو فتحنا الأبواب المغلقة على هذا النظام ونبشنا كل ما يعتقد هذا النظام أنه انتهى ومات أوسقط بالتقادم؟

آخذين بعين الإعتبار تاريخ وحاضر النظام السوري وسمعته الدولية ومذكرين بالدروس العراقية، نسأل أخيراً: من يجب أن يسعى لستر قفاه؟ ومن يجب أن يطالب بالمصالحة الوطنية نحن عموم الناس أم التشكيل الحاكم؟

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط