وصدقاً مع أنفسنا!
د. أكرم شلغين / May 04, 2005

لا شك أن الغالبية العظمى من السوريين أدركت ومنذ زمن، أن المراهنة على "إصلاح" النظام الحاكم في دمشق لنفسه، أو السماح لمن يبغي فعلاً العمل على الإصلاح أو التغيير في سوريا، هو هراء ومضيعة للوقت في زمن نحن بحاجة فيه حقاً إلى استثمار الوقتومثل ذلك، فإن الاستمرار في الكلام عن المصالحة الوطنية أو المؤتمرات الوطنية، حيث يمتد كل ما طرح حتى الآن ليشمل ظاهرياً أو ضمنياً التشكيل الحاكم في دمشق، يصب في نفس مسار اللا جدوى من تعليق الآمال على من لا أمل به أو منهومن يغار على سوريا حقاً ولا يريد مزيداً من عقود الضياع والهدم والتخريب أصبح عليه أن يفكر أن الحل الوحيد في سوريا هو إسقاط النظام القائم وبأي شكل ممكن.

  

لعل ما يتصدر مجموعة الصعوبات لمن يعنى جدياً بالتغيير (والخلاص) في سوريا هو التضاد الحاد بين ما هو منشود وما هو موجود، بين الطموحات التخيلية والإمكانيات الفعلية؛ وكذلك الفارق الصارخ بين الرغبة في تغيير واقع وبين استيعاب الآلية المتطلبة لترجمة وتجسيد تلك الرغبةكم من متأمل للواقع السوري تساءل، ويتساءل بمرارةما العمل!؟ ما العمل ونحن أمام، بل وسط، واقع صورته تتراءى محبِطة ومخيِّبة للآمالفقد يبدو أحياناً سؤال "كيف الخلاص!؟" وكأنه محاولة لطرق المستحيل خاصة إذا ما تمعنّا ببعض الحقائق والمعطيات في الواقع السوريفالنظام السوري يُحكِم قبضته ومنذ عقود بكل ما يستطيع على سوريا وشعبها ويضع كل مقدرات سوريا خدمة لاستمراره في إطباق تحكمه بدءاً من حصر عمل ومهمة الأجهزة الأمنية (ومثلها تلك الأجهزة التي تمتلك القوة العسكرية الفعلية من حرس جمهوري وغير..) في كيفية حماية شكل الحكم القائم والتأكد من عدم الإخلال بترتيب تمركز القوة وممارستها ومروراً باستعداد النظام للمساومة على جغرافية سوريا، وانتهاءً بما لا ندري ما يمكن أن يستنبطه هذا النظام، إن استطاع،  للإبقاء على الوضع القائم. بالمقابل، تظهر حالة كل ما ومن هو بالجانب الأكثر عرضاً في سوريا عموماً بشكل لا يبعث على التفاؤل، فالقطيعة قائمة بين الملايين من الشعب السوري ممن هم في سن الشباب وبين قضايا الوطن المصيرية (لأسباب قمعية وتاريخية، ليست ضمن ما نريد الخوض به اليوموالمعارضة السورية هي في وضع لا تحسد عليه بسبب تضافر واجتماع عوامل عديدة منها التشتت والتفرق وفقدان الروح الإبداعية لوضع أسس وخطط لمقاومة نظام شرس لا بل واتباع - بوعي أو بلا وعي- الخرائط التي رسمها النظام السوري لتحديد مسار الشعب والمعارضة واعتماد القواميس والمعايير التي وضعها لتصنيف مفاهيم "الوطنية". وليست حالة المثقفين عامة بالشكل الذي يبعث على الأمل الزائد إذ أن إمكانياتهم محدودة، وكذلك فإن كتابة مقال في صحيفة (أو في موقع الكتروني) – بالرغم من أهمية الكتابة – لن تأتي بالثمار المرجوة من أجل التغيير عملياً ولا الجلوس في مقهى لتبادل الأخبار حول ما يقال أو يكتب عن "الداخل" أو"الخارج" سيقدم أو يؤخّر..!  بعبارة أخرى، هناك مفارقات هائلة ما بين قوة السلطة وتشبثها بالحكم وبين ما يُسخّر من الجهة المقابلة للخلاص منها

 

من هنا فإن الجواب عن سؤال فيما إذا كان السوريون بمفردهم، والحال هكذا، قادرون على الخلاص من السلطة الحاكمة في دمشق هو النفي القاطعهناك أسئلة لا نجرؤ على محاولة الخوض بها والإجابة عليها ليس لتجنب التابوات بقدر ما هو خوفنا من أن يلبس التبسيط والإجحاف طرحنالماذا لا نستطيع التغيير السياسي في بلدنا ونحن نشهد التغييرات العالمية تعم من حولنا؟ كيف انهار الاتحاد السوفييتي من الداخل وهو الذي امتلك ترسانة عسكرية أخافت العالم؟ لماذا أوقف ذلك المدني في بكين والذي لا يحمل بيده إلا حقيبة تبضع نايلون رتلاً من الدبابات الجاهزة للقتال عندما اعترضها متوقفاً وسط الطريق أمام أول دبابة بينما في سوريا لا نستطيع حتى تخيل هذا المشهد، ونفتقد المسلح الذي يرى نفسه أنه من الشعب؟ إضافة، إن عقود الاستبداد والقمع (ناهيك عن أخطاء المعارضة نفسها وتواضع خبراتها) أوصلت الشعب السوري والمعارضة إلى وضع هم فيه أعجز من أن يفعلوا ما فعلته الشعوب التي حكمتها الديكتاتوريات على مر التاريخ ومنه تحديداً ما بدأ يحصل منذ العقد الأخير من القرن الماضي في الكتلة الشرقية و ما فعله حديثاً الشعب القرغيزي وقبله الأوكراني وقبله الجيورجي (أو ما فعله مؤخراً شعب توغو الإفريقي عندما أراد الابن أن يرث الرئاسة من أبيه في ذلك البلد الذي لا يصل عدد سكانه حتى إلى ربع عدد سكان سوريا).. إن إزاحة النظام السوري تحتاج حكماً لجهود وإمكانيات أكبر مما هي بحوزة السوريين.   

 

في ظل المناخ السياسي الدولي وتسارع وتيرة الأحداث، وقد خطت أمريكا في سياسة إعادة ترسيم المنطقة سياسياً، بات بعض المثقفين السوريين والمعارضة أسرى الارتباك في تحديد الموقع المناسب لهم وماذا يمكنهم عمله أو أي موقف يتخذونه، فالخلاص من السلطة الحاكمة، والذي يريدونه، هو أكبر من قدراتهم بشكلها الحالي، ولكنهم، بنفس الوقت، يترددون في تقبل فكرة الاستثمار في المناخ السياسي العالمي الآنف الذكرمادامت أمريكا هي الفاعلة الرئيسة فيهولو من منطلق أن الغاية مشروعة ومبررةلا بل هناك من يذهب أحياناً لدعوتنا كسوريين إلى نسيان مطالبنا وتطلعاتنا في هذا "الظرف" إذا كان الخارج معنياً بتغيير الشكل السياسي القائم في المنطقة بل وغدت نداءات البعض وكأنها تقاوم التغيير إذا ما كانت أمريكا طرفاً في صنعه أو دعت إليه، وغدونا نسمع من جديد نفس النغمة التي سادت إبان احتلال العراق  وهي أن "التغيير" يجب أن يأتي "من الداخل". من حيث الشكل، فإن عبارة "التغيير من الداخل" هي "تفكيراً رغبياً" (wishful thinking) ولكن المشكلة هنا تكمن لا في الأقوال بل في مدى القدرة على ترجمتها على أرض الواقع لأفعال،  فلا مُريد التغيير بالقادر على العمل نظراً لتواضع إمكانياته أمام رغباته (كما أسلفناولا السلطة الحاكمة تريد التغيير بالشكل الذي يصب في مصلحة الشعب والوطن، ويبقى السؤال المطروح: "ما العمل؟" هو الشاغل لمن يدرك هذه الحقيقة.     

 

من الواضح أن الحساسية المفرطة تجاه أمريكا لها دوافع عاطفية أكثر منها عقلانية لدى السوريينأو بالأحرى إن بواعث هذه الأصوات (التي تصدر عن بعض من المعارضة والمثقفين) هي عاطفية أكثر منها سياسية وتبتعد إلى حد كبير عن قراءة الواقع بشيء من البراغماتية السياسية، فالمعارض السوري الذي يبدي مقاومة ـ كلامية بالطبع ـ  لفكرة التغيير إن كان ذلك بمساعدة الخارج  فإن ذلك المعارض مازال يسبح في أوهام الماضي و تحديداً "عقدة أمريكا" التي اكتسب اسمها منزلة غير حميدة في ذهنية السوري المُختطة نصوصها الأولى بالأيديولوجيا المهيمنة (dominant ideology) في النصف الثاني من القرن الماضيحينها، من أراد التمرد على واقع اجتماعي، سياسي، اقتصادي يعيشه، لم يكن أمامه إلا البوابات التي التي تؤدي إلى الخطابات والأيديولوجيات التي تشترك جميعها بعداوة أمريكا، الشيوعية سواء كانت تلك أو القومية أو غيرها، فتقولب بقالبها اجتماعياً وسياسياً وتنظيمياً دون أن يبحث بشكل عام إذا كان ذلك هو المنشود تماماً في التعبير عن الآمال والطموحات، ودون أن يدقق فيما إذا كانت "الإمبريالية الأمريكية" هي المسؤولة عن رداءة وضعه الاجتماعي و"الطبقي" والسياسي في سوريا، أو إذا ما كان لـ"لإمبريالية الأمريكية" و"الغرب" عموماً علاقة بالفساد العام أوبانتهاك حقوق الإنسان على يد البعث في سوريا.  بكلمة أخرى، اعتبر الخطاب السائد (ubiquitous discourseالذي مهد لجعل صورة  أمريكا على ما هي عليه لدى السوري، أن أمريكا هي المسؤولة الرئيسة عن جميع المشاكل مهما صغرت أو كبرت، وسواء  كانت ذاتية، شخصية صغرت حتى انحصرت بهموم الفرد البيتية أو تلك التي تطمح إلى الخلاص من عادات وتقاليد تقيد حريته وحركته في محيطه أم كانت جمعية كبرت حتى امتدت إلى القضايا القومية والنهضوية (لن نستطرد هنا للكلام عما يتعلق بالقضية الفلسطينية). وفي ذهن الكثير فإن "أميريكا هي الطاعون والطاعون أمريكا" ـ كما في كلمات شاعرنا الكبيرفي الواقع، ذهب العديد من الشيوعيين تحديداً في دوغماتيتهم إلى حد تقبل غدر الدول التي تحكم بها الأحزاب الشيوعية وبنفس الوقت التنكر لـ، أو رفض، يد العون إن كانت أمريكية (أو غربية عامة). كم من مرة سلّمت دول الكتلة الشرقية (رومانيا، بلغاريا، وغيرها..) سوريين وعراقيين فارين من البطش في بلديهما إلى الأنظمة السورية والعراقية ولم يتم الاحتجاج على ذلك أو استنكاره من قبل الشيوعيين، وكم من مرة نطق سجين شيوعي سوري بأن المنظمات الدولية التي طالبت به أثناء سجنه كانت تبغي النيل من النظام أو تريد "تنازلات وطنية"!  بالطبع ما يتناساه، أو يتجاهله، مثل هكذا قائل أنه يفضل قمع الديكتاتور على السماع بأن منظمات حقوقية دولية طالبت به. ويتجاهل كذلك أن أمريكا ليست كما يتصور، وإنما هي بلد مؤسسات وقانون، وشعبها ليس بالمتجانس فكرياً أو سياسياً ولكن يبقى القانون والمؤسسة هما الفيصل الأساس.

 

ما نبغيه هنا ليس الدفاع عن أمريكا أو إدخالها إلى قلوبنا وعقولنا وإنما نقصد وقفة صدق مع أنفسنا، وما يعنينا هو القول إنه من الطبيعي أن نخطئ كبشر، ولكن من الغير طبيعي هو أن لا نحاول تدارك الخطأ وأن لا نعترف به عندما نعي أننا أخطأنا. فإذا كنا في الماضي ولأسباب اعتبرنا أن أمريكا هي العدو وهي سبب مشاكلنا السياسية والاجتماعية، فعلينا أن نتدارك الآن مصالحنا بالتحديد ليس أكثر. يخطئ من يستمر في رفع شعارات العداوة لأمريكا وهو يتناسى أن مشكلتنا الأولى والرئيسة هي مع النظام السوري. ومن لا يريد أن يلتفت إلى الغرب وأمريكا لإنجاز مهمة نحن عاجزون عنها فليصمت على الأقل كي لا يخدم بكلامه النظام الحاكم في دمشق.

 

وإذ ندرك أن أمريكا ليست بحاجة لما صحره البعث في سوريا فإننا نعتقد أن الالتفات للغرب والأمريكان ليس، ولن يكون، على قاعدة نسلمكم سوريا مقابل الخلاص من المجموعة الاستبدادية التي تحكمها، ولا على قاعدة فلتحترق سوريا الجغرافيا ولنسلم نحن كأشخاص كما نطق البعث بكل وقاحة في عام 1967 عندما لم تُعنِ له الكثير خسارة الجولان وإنما اعتبر أنه الرابح (للحرب) مادام قد حافظ على "النظام التقدمي". والعلاقة مع أمريكا تكون بالتأكيد على أساس مصالح الشعوب.

 

أخيراً، من الضروري، ومن باب العقلانية، هنا محاولتنا مجاورة (juxtaposition) موقف السلطة الحاكمة في دمشق من مسألة العلاقة مع أمريكا مع ذلك الذي يتشدق به بعض المعارضين وقلة من المثقفين من نفس المسألة. حين يصرح أكبر رموز النظام السوري لصحافي أمريكي (في مجلة تايم) متوسلاً بالقول: " أرجوكم أن ترسلوا هذه الرسالة. أنا لست صدام حسين. أريد أن أتعاون"، كما أن نداءات الرموز الأخرى ليست أقل توسلاً، في الوقت الذي نسمع أصوات بعض المثقفين للإعلام الأجنبي عن تصوير الوضع وكأننا جسم واحد أو قارب واحد كشعب وسلطة في سوريا ونحن من يقود التغيير من الداخل أو عن "قرف رقبة أمريكا" أو "ستتكسر أحلام أمريكا على الصخرة السورية" فإننا ندرك أن الموقف الأخير لن يخدم إلا النظام السوري. لا نريد تقليد السلطة بل نريد تقويض محاولتها إيجاد فرص الاستمرار وهذا ما يدفعنا إلى التفكير في ماذا يخدم هذا أو ذاك. وفي كل الأحوال، فإن الخطوات الأمريكية لن تكون رهن كلمات المثقفين السوريين ولا السلطة الحاكمة في سوريا. إن بقينا نعيش على الخطابات القديمة فإننا نثبت من جديد أننا أعجز من أن نتجاوز امتحاناتنا ومصاعبنا، فالشاب سيشيب، والمتوسط في العمر سيهرم، ومنا من قد يرحل عن هذه الدنيا دون رؤية بصيص النور في نهاية النفق.

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط