القديم يحتضر والجديد ولادته عسيرة
د. أكرم شلغين / Oct 26, 2005

أفضى استبعاد البعث والأسد الممنهج للشعب السوري من العملية السياسية إلى نتائج كارثية جعلت الشعب السوري منفعلاً في الأحداث لا فاعلاً بها، ينتظر رحمة الطاغي بدلاً من الوقوف بوجهه، يتلقى الضربة من الحكم القمعي، وبدلاً من أن يرد عليها ـ ضمن ما بمقدوره ـ  فإن أبعد ما يذهب إليه في تفكيره هو كيفية التدرب على تحمل الضربة القادمة، ينتظر خطوات الآخرين بدلاً من أن يبادر بنفسه ليخرج من دوامة البؤس والشقاء والعوز والحرمان التي يعيش بها. بكلمة أخرى هنا، ذهب السوريون إلى حيث أراده النظام التوتاليتاري، أي إلى الموقع الذي به الشعب يُقاد ولا يستطيع أن يفكر، أويعمل، على أنه يجب أن يقود.  

 

 انطلاقاً من فهم الواقع السوري على هذا النحو، يصبح لزاماً على من يريد تمثيل الشعب أن يشرك مختلف فئات الشعب في إبداء رأيهم بما يتعلق بمصيرهم ومستقبل بلدهم ووضع تصوراتهم عن المستقبل بشكل عام، لا العكس تماماً.

 

 ضمن السياق الآنف الذكر من غياب الشعب الشعب السوري عن صنع قراراته، ووسط الأزمة الأكبر ـ حتى الساعة ـ التي يعيشها النظام السوري والتي بدأت تتجلى بوضوح مع انتحار، أو نحر، غازي كنعان ـ واحداً من أهم رموز "عظام الرقبة" في النظام السوري، كنا نسمع يومياً عن سيناريوات قادمة لسوريا لايحتوي أي منها على اعتبار أن الشعب السوري موجود في الأساس (وأسباب صدور سيناريوات جاهزة أوضح من نتكلم عنها هنا). من هذه السيناريوهات ما صدر ويصدر عن أجهزة النظام السوري نفسه، ومنها ما كان مصدره أوساط عربية، ومنها ما جاء عن أوساط عالمية.  فمما سمعناه مثلاً كان عن الكلام عن صفقة بين النظام السوري والولايات المتحدة والاتحاد الأوربي يعزل بموجبها فلان في النظام بعض الرموز ويقوم ببعض الاجراءات وينتهي الموضوع ـ وكأن الأزمة هنا هي حصراً أزمة نظام وضباط مخابرات. أو ما سمعناه عن أننا على موعد مع خطوات تعيد إنتاج ما يشبه إلى حد ما السيناريو الليبي، أو أننا سنشهد سيناريو آخر شبيه بما حصل في موريتانيا.  نعرف، بالطبع، فيما يخص هذه الأقوال كيف نميز بين أبعاد ما يُكتب في الصحف وبين ثقل تصريحات هذا المسؤول العالمي أو ذاك.  وبصرف النظر عن مدى دقة ما يكتب أو يقال، أو إلى أي حد يمكن أن يذهب العالم إلى التعامل على أساس من أن الشعب السوري غائب، فإن ما خشيناه هو أن يجعلنا سماع أوترداد هذا السيناريو أو ذاك بشكل مستمر نراه وكأنه حقيقة، وأن نتعامل معه لاحقاً بصفته واقعاً لا مفر منه.  وسينتابنا القلق بالفعل لو أننا تعاملنا مع قضيتنا الأولى (قضية الجوع إلى الحرية والخبز) بالسلبية التي أرادها البعث والأسد للشعب السوري.  تشترك هذه السيناريوات، كما أسلفنا، بأنها تدور ضمن حلقة مفرغة من الشعب السوري أو ممن يمثله، بل تحتوي على  تخيلات وضعت بمعزل عن الشعب هدفها المناورة من أجل إعادة تشكيل القائم وليس تغييره.

 

تتوضح الآن أكثر، وبشكل غاية في الاضطراد، حقيقة أن النظام الحاكم في دمشق قد أصبح غير مرغوب به عالمياً وأن دوره انتهى، وأنه بشكله القائم لا يستطيع الاستمرار. وتتدعم هذه الحقيقة مع وجود المسوغات القانونية الدولية التي ظهرت مع تقرير ميليس الذي يشير بالاسماء إلى تورط رموز النظام السوري المسماة "سياسية" على حد سواء مع الأمنية في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري وما تبع التقرير من تصريحات عالمية. 

 

وسط المناخ الذي يشير إلى مقومات انهيار النظام الحاكم في دمشق ومنها أزمته الداخلية وعزلته مع العالم، ووضوح أن الأخير لا يبدو معنياً بعقد صفقات مع الأول، تبرز إلى المقدمة الأسئلة القديمة/الجديدة عن مستقبل سوريا وشعب سوريا! عن الهوية السياسية لبديل النظام الحاكم! عن قرب أو بعد "البديل" من الشعب السوري ككل! عن الفترة الانتقالية من الديكتاتورية والدولة الأمنية إلى الديمقراطية والدولة السياسية! عن أي نمط من الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية يراد لسوريا! إلى آخر الأسئلة التي يبدو الإجابة عليها ضمن المعطيات والإمكانيات المتواضعة للمعارضة، مضافاً إليها النشاطات الأخيرة، على أرض الواقع يقترب من ضروب العمل السيزوفي -  إذا ما أراد واحدنا الأخذ بعين الاعتبار جميع المشاكل المتراكمة والعالقة في سوريا مقابل حجم وإمكانيات عمل المعارضة مجتمعة أو متفرقة من جهة.  ومن جهة أخرى أن التغيير في سوريا، كما تشير المعطيات، لن يكون – إذا جاز التعبير- بدون  الأخذ بالحسبان أكثر من وجهة نظر عالمية حول المستقبل- هذا إن لم يكن العالم هو من سيقرر عوضاً عنا، إن لم نعرف كيف نطرح أنفسنا أمام العالم. 

 

تدعو أحداث وتحركات الفترة القريبة الماضية وتداعياتها إلى التفكير بروية عن القادم، وتحثنا على الابتعاد قدر الإمكان عن لغة العواطف والانفعالات.   فنحن في مواجهة سلطة شرسة قمعية تعيش في مراحل عمرها الأخيرة، ونحن كذلك أمام العالم الذي نخشى أن تنتهي نتائج علاقته الممشكلة مع النظام السوري إلى قرارات تعض الشعب السوري وحده.  

نحن أمام سلطة تمرست على مدى أربعة عقود على تسيير البلد ـ بشكل ما ـ وتعرف عن كثب أين تكمن صمامات الخطر (لأنها هي نفسها في غالب الأحيان من صنعت صمامات الخطر تلك)، ناهيك عن استشعارها بالخطر عليها أبكر مما نتصور.

نحن أما سلطة تقسم المعارضة إلى معارضة وطنية (منزوعة المخالب واللسان) ومعارضة لا وطنية (لأنها تحتج وتُسمع صوت أنينها للعالم).

نحن أمام سلطة تريد الشعب السوري أن يخوض معركتها وأن يكون دريعة بشرية لها بعد أن أقصته واستبعدته لما ينوف على الأربعين عاماً، ونحن أمام عالم لم ير سوريا في السابق إلا على هيئة نظام الأسد واختزل تعامله مع سوريا على هذا الأساس والآن عندما يريد محاسبة آل أسد وحلفائهم يتكلم عن سوريا. 

نحن أمام سلطة يدمغ سلوكها  التناقض (ولأسباب معروفة) فهي تعتدي على المحامي  أنور البني  وتحاول الإساءة إليه بكافة الوسائل نظراً لصياغته مسودة دستور يشرح بها مفهومه للعقد الاجتماعي ويأخذ في الحسبان حقوق كافة أبناء الوطن، ولكنها بنفس الوقت تتعامل مع "إعلان دمشق" بشكل يشبه صمت القبور.   فالسلطة  الحاكمة تدرك خطوط عرض "إعلان دمشق" وفقاً لما ورد في فقراته وسطوره وما بين سطوره، وتدرك أكثر أن آفاق هذا الإعلان محددة سلفاً وفقاً لما جاء في الإعلان نفسه، وأن الإعلان نفسه يحمل من ضعف التمثيل والمضمون ما يسهل الهجوم عليه؛ فلاقلق أو تفكير لدي السلطة بسؤال أين يذهب الإعلان بعد ذلك.   وبالفعل، بعد مضي ساعات قليلة على صدور الإعلان بدأنا نسمع الاعتراض على هذه الفقرة أو تلك، على هذه الكلمة أو تلك، وعلى وجه العموم لم يتأخر المثقفون والسياسيون والمنظمات والفعاليات السياسية عن التعبير عن امتعاضهم من الإقصاء غير المبرر الذي مورس بحقهم، بل أكثر فهناك من لم يعد يركز على كل ما ورد في الإعلان ليتوقف عند الفقرة المتعلقة بالثقافة الإسلامية وبتكرار كلمة "أمة" والتي تشير ـ والقول ما زال للممتعضين من الإعلان ـ إلى الأهداف الاستراتيجية الإسلامية والآفاق الإسلامية التي تنشد "أمة الإسلام" على المدى الاستراتيجي. وهناك من يرى أن "الأمة" تشير إلى الروح القومية لمن شارك في صياغة الإعلان، وهناك من افتقد الكلام عن العلمانية، وهناك من تساءل أين الكلام عن أمريكا وما هو الموقف منها في الإعلان، إلخ.. ويبقى السؤال الأهم، أين الشعب (بكافة فئاته ومكوناته) من الإعلان؟ والصورة الملفتة للنظر بشكل أعم هي ما صدر عن منظمات وأحزاب من مساندة للإعلان ومن ثم سحب المساندة أو التحفظ على بعض ما ورد في الإعلان.  وعلى العموم، بموازاة الموافقة على الإعلان كان هناك – حسب ما قرأنا وسمعنا وشاهدنا ـ عدم موافقة عليه أو تحفظ على نقاط حساسة فيه.    

            

قبل بضعة أشهر، في حديث مع أحد الأصدقاء الأعزاء من الأخوان المسلمين، سمعت أن الحل في ظل غياب ضابط الجيش الموثوق في سوريا للقيام بانقلاب عسكري، هو تجميع 400 شخص على أكثر تقدير لنقول للعالم هذا بديل للنظام السوري، وهذا العدد كاف لشغل كافة المناصب والإدارات القيادية.  لم يكن بمقدوري، بالطبع، إلا الإختلاف معه إلى أبعد الحدود حول هذا الطرح لأسباب عديدها ليس أقلها أن وضع حد لمن أتى بانقلاب لا يكون بالتفكير في انقلاب آخر، عدا عن أن فكرة تجميع الـ 400 شخص اعتباطياً هي، في نهاية الأمر، ممارسة لنفس الشكل من التسلط الذي نعارضه ونريد التخلص منه لدى البعث والأسد، بل ومن هم من الشعب الـ 400 الذين سيتم تجميعهم!؟ ومن جديد يبقى السؤال أين الشعب السوري وأين صوت الشعب السوري ومثقفيه مما يحصل في هذه الحالة.

 

لا شك أن كل  فرد منا له مشكلة أو مشاكل مع النظام السوري وبالتأكيد تختلف بحجمها بين شخص وآخر، لكن المشكلة الكبرى هي مشكلة شعب بأكمله. نحن لا نسعى إلى حلول فردية، فئوية أو جهوية ولكننا يجب أن نتكلم بقضية شعب بالملايين، وما نقوله ونفعله إنما هو للتاريخ. وإن تناسينا قضية شعبنا من أجل قضايانا الخاصة فإنما يسجل ذلك للتاريخ، وإن تلكأنا أو أهملنا في التعبير الواضح والصارخ عن قضايا شعبنا فلن ترحمنا الأجيال القادمة.  نحن لا نسعى للعب أدوار بل نسعى لحل قضية شعب. وإذا كان شعبنا لا يستطيع تمثيل نفسه نظراً للظروف القمعية والتاريخية المعروفة، فيجب ألا نسمح بأن يُساء تمثيله. من هنا فإنه يتوجب علينا أن نعبّر عن مصالح الشعب بكامله ونعيد السياسة إلى يده.   يجب أن يقول الشعب السوري كلمته بشكل واضح وبصوت عال. يجب أن يقول: نحن الشعب السوري، ونحن سوريا وليس هؤلاء الهمج القابعين في السلطة، وبإصرارنا على عرض قضيتنا أمام العالم فإننا سنجعل الأخير يدرك ضيمنا ويميز أهدافنا، وقوتنا أمام العالم هي قوتنا في وجه النظام والعكس صحيح.

 

بالتأكيد، لا يستطيع أحدٌ أن يزعم تمثيل الشعب السوري، لا الأحزاب ولا المنظمات، ولو كان الحال هكذا لكنا رأينا شكلاً آخر للعلاقة والقرب بين الشعب السوري والأحزاب الموجودة، ولا أعتقد أن أحداً يستطيع أن يجزم بأنه الأكثر شعبية على الساحة، ومن يعتقد ذلك فهو موهوم ولا يعرف الشارع السوري عن قرب.. والجميع في سوريا يعرفون البئر وغطاه.. (كما يُقال).

 

في النصف الأول من هذا الشهر (أوكتوبر 2005) دُعيت (بضم الدال) لحضور لقاء في باريس (بصفة مُستَقل) للنقاش في الشأن السوري العام والمرحلة الحالية والمرحلة القادمة ومتطلبات العمل العام للحاضر والمستقبل.  بالإضافة لحضور ممثلين أمريكيين مختصين بشؤون المنطقة من الـ State Department   ومن معهد Aspen ومؤسسات أخرى وحضور من يعنى بشؤون الدمقرطة من الجانب الأوربي وحضور من الدول العربية من هم بوزن اقتصادي وسياسي ما، كان هناك حضورٌ بارزٌ بزركشته للسوريين ضمَّ المتحزب (أحزاب متعددة) والمستقل، والكردي، والسرياني، والعربي، والشيوعي (حزب العمل الشيوعي) والقومي (أكثر من طرف)، والمسيحي (بأكثر من انتماء) والمسلم، والديني والدنيوي، والليبرالي، والعلماني والإسلامي (عضو بارز في الأخوان المسلمين، بل وقراءة رسالة من المراقب العام للأخوان المسلمين أمام المجتمعين)، وهناك من جاء من مختلف بلدان أوربا (الشرقية والغربية) ومن اسكندينافيا ومن أمريكا ومن جاء من دول عربية بل ومن حضروا من داخل سوريا. كانت هناك النساء إلى جانب الرجال، وكان هناك الخجول إلى جانب المتحمس، كان هناك الرزين وكان هناك من يناقش بروح الدعابة والمرح، كان هناك من يفضل أن يدلي بآرائه أمام الجميع وكان هناك من يفضل طرح الأكثر والأعمق أثناء الاستراحات. كان المشهد عموماً لوحة سريالية في طرح المشاكل والمؤرقات، وكل من الحاضرين رأى الأزمة في سوريا من خلال فهمه واستيعابه للأمور، فهناك من اختزل الأزمة السورية من خلال مشكلته الخاصة (سواء كانت قومية أو دينية أوغير..) واعتبارها المشكلة المركزية وهناك من تناول المشكلة بشكلها العام والتي تتلخص بمشكلة الحريات والمواطنة، لكن الأهم من كل ذلك أن الفرصة أتيحت للجميع للتكلم وتقديم أنفسهم وعرض كل ما يرونه ضرورياً.  بالرغم من تنوع المفاهيم في عرض جميع الحضور لآرائهم وأفكارهم وتصوراتهم والاختلاف هنا وهناك (والاختلاف هو الأمر الطبيعي جداً عند وجود هذا التنوع والتعدد) إلا أن السمة الديمقراطية كانت واضحة في طرح وتعامل الجميع.  وأنا أراقب هذا المشهد كنت أقول في نفسي هذه هي سوريا التي نريدها: سوريا المشاركة والتعددية وإبداء الرأي، لا سوريا الإقصاء ولا سوريا الهرمية السياسية  Political hierarchy؛ وكنت أتساءل أيضاً هل يوجد ما يُرعب الطغاة في دمشق أكثر من هذا المشهد حيث يتكلم ابن حماه الجريحة عن سجناء أبناء الساحل السوري (مثل عبد العزيز الخير وعارف دليلة وغيرهم..) وعن معاناة أبناء الساحل مثل غيرهم في ظل النظام القمعي ويعرض ما يريد مستشهداً بين الفينة والأخرى بأشعار بدوي الجبل!؟ أيوجد أكثر من هكذا مشهد يفرض احترام الآخرين للسوريين ولسوريا!؟

 

ومن جديد يبزغ السؤال من يمثل الشعب السوري، أهو من يقصي أي فئة كانت أم من يدعو لمشاركة الجميع!؟ أهو الداخل أم الخارج!؟ أم تعاون الطرفين!؟ أنقول للشعب السوري هذا "إعلان"نا وعليك الإسراع بإعلان مساندتك له، ولنا الحق في أن نختار من يناسبنا للتوقيع وإقصاء من لا يناسبنا!؟ أم نقول للشعب السوري ـ بكافة فئاته ـ أين رأيك وما هو رأيك ودعنا نتناقش ونتبادل وجهات النظر!؟

 

كثير من الأسئلة تطرح نفسها.. ولكن هنا لا يمكنني إلا أن أكرر ما قاله أحد الحضور الأمريكيين في لقاء باريس وهو أن الديمقراطية تعني المشاركة لا الإقصاء، وتعني تبادل وجهات النظر والاختلاف والاتفاق هنا وهناك؛ وأضيف عليه أننا عندما نريد الديمقراطية لسوريا فعلينا الأخذ بعين الإعتبار وجهة نظر "الآخر" قبل "الذات"، وكذلك لا أستطيع إلا أن أكرر ما كتبه مدير معهد Aspen  الأسبوع الماضي في عدد الأسبوع الماضي من دورية  Weekly Standard حول لقاء باريس عن أن أحداث الواقع تتسارع أكثر مما يمكن تصوره، ولهذا ينبغي رفع وتيرة تسارع العمل.

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط