وكم يختلف عن غده!
د. أكرم شلغين / Sep 21, 2005

ليس هناك أدنى شك أن كل من شاهد "وزيرة" النظام السوري بثينة شعبان أمس الأول من خلال قناة الجزيرة الفضائية وهي تقول بالعريض أن سبب إلغاء رحلة بشار الأسد لنيويورك هوانشغاله وأن لديه "عمل ومهام مرتبطة.. بعملية الإصلاح.. "قد ضحك ملء شدقيه، ليس بالتحديد بسبب الكلام عن انشغال الأسد بـ"الإصلاح" المزعوم بل لأن "الوزيرة" توضح للمشاهدين بشكل مباشر سبب تسميتها "بثينة الصحّاف" (نسبة إلى محمد سعيد الصحاف، وزير صدام الذي كان يُمتع الصحافيين بحدوداته عن حرب دائرة رحاها ـ ربما على المريخ!ـ  حيث كان يُقطّع أوصال العلوج بمعارك طبيعتها unconventional بينما كان الواقع يقول أن "العلوج" قد أصبحوا فقط على بعد أمتار منه..). وإذ تحكي "الوزيرة" عن كثرة أعمال بشار الأسد التي منعته من رحلة نيويورك فكيف تستطيع أن تفسر لمشاهديها أن ذات هذا المشغول بالإصلاح وجد لديه فائضاً من الوقت حين أراد مؤخراً الذهاب مع أسرته للاستجمام في تركيا لولا أن السلطات التركية نفسها اعتذرت عن ذلك لإدراكها أنها ليست بموقع تغضب فيه الإدارة الأميريكية منها!؟    

 

في الحقيقة، لا يخفى على أحد أن بشار الأسد يفرفش لوجود فعالية يقف بموجبها في دائرة الضوء محلياً وعالمياً،  فهو من يدخل "مجلس الشعب" رافعاً يديه، وهو من يمشى مع بابا الفاتيكان الراحل يوحنا بولص الثاني وهو من يذهب إلى جنازة الأخير ليستطيع الظهور بين الشخصيات العالمية ويتمكن من مصافحة الزعماء، وهو من يخصص أوقاتاً لصحفيين أمريكيين ليتكلم عبر الصحافة الأمريكية وهو من ينتعش عندما يتمكن من الكلام عبر مجلة "دير شبيغل" الألمانية، فهو الذي يعتقد أنه ماهر في كل شيء وأنه يصنع السياسة وضالع في الثقافة، وهو من يُعلّم الصحافيين معنى "الاشتراكية" و"الثقافة" و"الربيع" وما هي "مؤسسات المجتمع المدني" (و..و.. حتى غدت الصحافة تكتب عن مصطلحاته وتعابيره ومفاهيمه..)، فكيف له  أن يضيع "حباً وطواعية" فرصة رحلة كتلك إلى نيويورك حيث بإمكانه ـ كما يعتقد ـ  تعليم زعماء العالم وإعطائهم الدروس!؟  ألم يكن قد أعد برنامجاً مع طاقمه العالمي الذي فاق الخمسين شخصاً بعدده لرحلة نيويورك قبل أن ينشغل بالإصلاح؟ ألم يعلن إعلامه أنه رتب لقاءات إذاعية وتلفزيونية وغيرها؟ لعل الأسد يردد الآن إما في سره (أو في حضور وزيرته بثينه الصحاف): "لو كان الإصلاح رجلاً لقتلته" لأن الإصلاح فوت عليه رحلة نيويورك والهيصة الإعلامية والأضواء والكاميرات العالمية. 

 

باختصار شديد، ما معنى أن يلغي بشار الأسد رحلته إلى نيويورك ويتراجع في اللحظة الأخيرة وهو الذي يبحث عن الأضواء والمصافحات ويعيش على الدعاية وكل تشكيلته إعلامية ويعيش على التخريجات؟ لن نتفاصح هنا بالكلام عن الأسباب الفعلية لإلغاء رحلة نيويورك لأن الجميع يعرفها، ولن نتكلم بما هو تحصيل حاصل بخصوص العلاقة ما بين إلغاء الرحلة وما يجري الآن من تحقيقات بشأن جريمة اغتيال رفيق الحريري رئيس الحكومة اللبناني الأسبق إلخ..  لكن ما نستطيع أن نتذكره سوية هنا هو أن الأسد ربما بات يدرك بشكل جدي مدى العزلة التي يعيشها عالمياً وعربياً ومحلياً.  وفي الواقع لم يعد هناك من صديق له ولنظامه، فقد قاطعه كل العرب بما فيهم أهل الخليج والجميع لهم مواقف منه بل وحتى حسني مبارك نفسه بات مقتنعاً أن لا جدوى من التعامل معه، فقد دوّخ الأسد ليس فقط السوريين وإنما العرب والأجانب! وكلما تكلم كلما ازدادت حيرة المستمع إليه عن طبيعة هذا الشخص ومن هو! هذا النظام لن يستمر بعزلة داخلية، عربية وعالمية.  وهذا الوضع هو من صنع الأسد نفسه (ولم يرث الأسد الأزمة السياسية من والده بل مهد له مورثه الطريق وجميع القوى مدت يدها إليه ولكنه لم يتفاعل مع الواقع)، وكذلك لا علاقة للعالم بذلك لأن العالم لم يمانع في توريثه.. مختصر الكلام أن هذا الشخص كان طيلة الوقت طائشاً ويبيع بضاعة كاسدة وأيديولوجيا بائدة وهو يقود الشعب إلى الهاوية نتيجة لذلك.

 

أن يكون الأسد معزولاً فهذا أمر طبيعي وأن لا يجد من يستقبله فهذا أمر متوقع نتيجة لسياسته، ولكن أن يحاول دفع الشعب السوري معه فهذه هي الكارثة.

****************  

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط