د. أكرم شلغين / Mar 17, 2006

ربما لا يحتاج واحدنا لأكثر من نظرة عامة وسريعة على مجمل ما نُشر على الانترنت حول مؤتمر باريس الذي نظمه معهد أسبن لعدد من المعارضين السوريين بتاريخ 9 و10 آذار الحالي، ليميز أن مصادر تلك الكتابات تتنوع، فبينها، بل وفي مقدمتها، صوت النظام السوري وأبواقه، وبينها كذلك صوت من يحاول التشويش لأنه، لسبب أو لآخر، لم يكن حاضراً، وبين تلك الأصوات أيضاً من يريد فعلا أن يقف على الحقائق إزاء ما يقال.   

 

عندما قرأت وسمعت ما دار من أقاويل حول مؤتمر باريس المذكور وخاصة تلك التي تركز منها على "تصنيع الجواسيس والخونة،" لم أستطع إلا أن أطرح على نفسي مجموعة من الأسئلة معظمها يدور في دائرة الهزل وبعضها لا بد منه من أجل الأصدقاء الذين يهمني أن يطلعوا على الحقائق ويعنيني رأيهم.  وفي السطور القادمة تعليق لي على ماقيل بشكل عام دون أن أقصد به الرد على ما بثته أبواق النظام السوري لأن ذلك لا يعنيني وإنما أبغي التوضيح للأصدقاء في المعارضة الوطنية السورية الحقيقية وليس للأصوات المدجنة ولا تزال تعتقد أنها معارضة.

تُرى، أية صورة للجاسوس ارتسمت في الأذهان عندما كُتب أن مؤتمر باريس هو مؤتمر لتصنيع الجواسيس والخونة!؟ أهي صورة "جاسوس" الأزمان الغابرة الذي عرج على ذكره سلمان رشدي (في رواية أولاد منتصف الليل) وهو يحمل الكاميرا ليصور جسراً وبعدها يُلقى القبض عليه ليُعدم لأنه التقط صورة للجسر! أم هي صورة "طوني" (أنطوان قسطنطين) اللبناني الفار من الحرب الأهلية اللبنانية في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي وينام ليلاً في العراء مقابل مقهى شناتا خلف الكازينو في اللاذقية ونهاراً يجوب شوارع المدينة مرتدياً الشورت، ويجر أمامه عربة محملة بالمرايا والسلل القصبية الصغيرة والطناجر والآواني فلا يخطئ من يراها في التعرف إلى ما فعلته الحرب الأهلية اللبنانية في طوني هذا، لكن النظام السوري ولأسبابه الخاصة ـ والتي منعاً للاستطراد لسنا بصدد الحديث عنها هناـ ارتأى بعد سنوات عدة أن طوني هذا ليس إلا جاسوساً إسرائيلياً وبرتبة بريكادير في الجيش الإسرائيلي، فأُخذ طوني هذا من شوارع اللاذقية واحتُجز وجلد بما فيه الكفاية ليتورم جسده في مناطق وليتفتح في مناطق أخرى، ومن بعدها يلقى به إلى الشارع حيث "اكتشفوا" لاحقاً مايناقض "اكتشافهم" الأول، إذ أن طوني لم يكن جاسوساً. لكن بين اكتشاف النظام الأول واكتشافه الثاني اكتسبت حكاية طوني بحد ذاتها تاريخاً وأصبحت رواية على الألسن... تُرى أي نوع من الجواسيس يمكن أن نصنف نحن الذين حضرنا مؤتمر باريس!؟  لعلنا جواسيس من نوع آخر!!!!  ولكنني أحاول عصر رأسي أكثر مما يجب لأتذكر فيما لو وجه إلينا أحد الحضور من أوربيين وأمريكيين الأسئلة التالية: "كم دجاجة؟ و"كم عنزة؟ و"كم بقرة؟ يوجد في سوريا!؟ لكن أحداً لم يسألنا ذلك! ربما لأنهم يدركون أننا نتحلى بروح "اليقظة الثورية السورية" فلن نجيب عن تلك الأسئلة التي ترمي إلى تجميع معلومات اقتصادية خطيرة عن وطننا الغالي محاولة منهم للنيل من اقتصادنا القوي وحصانته العجيبة...! ولم يسألنا أحد عن حفر طرقات بلادنا الحبيبة لأنهم يدركون أننا لن نخطئ في إعطاء مثل هذه المعلومات، فهل فقدنا عقولنا لنبوح بهذه الأسرار مما قد يؤثر على السياحة في بلدنا!؟ ولم يتوجه إلينا أحد بالسؤال عن تلك الغيمة السوداء العالقة "فوق سماء أقدم عاصمة في التاريخ" والتي هي واحدة من مظاهر التلوث البيئي في "سوريا اللي الله حاميا" برغم من أن نسبة تلوث الهواء أعلى بسبع عشرة مرة مما يصنف عالمياً بحد الخطورة، ولم يسألنا أحد عن تلوث المياه في "سوريا الحبيبة" ربما لأنهم يعرفون أن المعلومات عن المياه هي سر من أسرار وزارة الدفاع! ولم يتوجه إلينا أحد منهم بالسؤال عما إذا كنا نعرف الرقم الدقيق  لقيمة ممتلكات الأسد في الداخل والخارج في الوقت الحاضر أو لنقارنها بالرقم الذي نشرته (Forbes) عن أموال حافظ الأسد في عام 1992 حين بلغت حينها فقط 2 مليار دولار من النفط والزراعة، ولم يسألنا أحد عن حركة تنقيل رؤوس أموال رموز النظام السوري القائمة على قدم وساق منذ أشهر وبمساعدة بعض العرب... لم نُسأل هذه الأسئلة ولا مثيلاتها ليزعزعوا ثقتنا بقيادتنا النزيهة الشريفة قصيرة اليد واللسان والحيلة...! لم يسألونا ربما لأنهم يعرفون أننا لسنا في مواقع إعطاء المعلومات! أو ربما لأنهم يعرفون الأجوبة بأدق مما نعرفه بكثير، أو على الأرجح لأنهم لو كانت بغيتهم التجسس فإنهم يدركون أن سوريا لا يوجد بها ما يمكن التجسس عليه.

 

ونعود إلى الجد.

 

أن يتهم النظام السوري كل من يخرج ولو قليلاً عن الخطوط التي رسمها وحددها للسوريين ويتهمه بالخيانة والعمالة فهذا أمر مفهوم ولا نتوقع من هكذا نظام لا يعرف إلا هذا الأسلوب وهذه اللغة مايختلف عن ذلك وإلا لكنا تساءلنا ما الأمر!؟ ولكن أن يصدر عن بعض من "المعارضة" التي لبست في هذه الحالة ثوب النظام فهذا ما يصعب علينا فهمه!

لم يكن المؤتمر بذاك الذي يدعو إلى الريبة، وأماعن "ضابط المخابرات الإسرائيلي آفي ليختر" فنحن لا نعرف آفي ليختر ولم نر أونسمع عن شخص بهذا الاسم بيننا!! فلربما لأنه كان يلبس قبعة الإخفاء التي زوده بها ذلك السوري الذي كتب عن وجوده بيننا وهو الذي يعرف ما لا يعرفه الحضور! والسؤال الذي جاء دورنا لنطرحه الآن هو: من أين جاؤوا باسم آفي ليختر وكيف عرفوا أن هناك ضابط مخابرات إسرائيلي بهذا الاسم!؟ أكان آفي ليختر بين ضباط المخابرات الذين التقاهم "شقيق الرئيس في الأردن العام قبل الماضي" وعلق الاسم بذهنهم من ذلك الحين؟ أم من مكان آخر؟  كذلك نود أن نسأل "أصحاب الأقلام النظيفة" عن الصحيفة الأوربية التي أدلى إليها مدير معهد أسبن بالتصريح عن أنه لجأ إلى تقديم آفي ليختر باسم آخر وهو يحمل الجنسية الآمريكية!!؟؟ أجزم بأنهم يكذبون على أنفسهم وليس على غيرهم.  إنهم كذلك يكذبون عندما يقولون إن السفارة السورية حصلت على وثائق من الفندق الباريسي الذي نزلنا به... فمن جهة، هل يعتقد هؤلاء أن فندقاً من النوع المقصود يعطي معلومات عن نزلائه لأي كان، ناهيك عن أن تكون الجهة الطالبة للمعلومات هي السفارة السورية؟ بل وهل أصبحت الفنادق الفرنسية فنادق ومقاهي ومطاعم دمشق واللاذقية وغيرها لتعطي معلومات عن زوارها لعناصر المخابرات؟  ومن جهة أخرى، هل السفارات السورية في العالم هي بموقع يخولها من السؤال بشكل واضح عن السوريين أو غيرهم؟  لا نريد تذكير هؤلاء بالمخبر السوري (أح. إب. مواليد عرب الجحيش والتي أصبحت لاحقاً عرب الملك) الذي سجن في ألمانيا لأنه تجسس على السوريين المقيمين في ألمانيا وأصرت السلطات الألمانية على ترحيله إلى سوريا بصفته عنصر غير مرغوب!؟  مرة أخرى، أريد التذكير بأن الكذب هو من سمات النظام السوري وأبواقه.  وهنا أتذكر ماقالته تلك الأبواق النظام السوري عن أن والدة ديتليف ميليس، رئيس اللجنة الدولية السابق في التحقيق بجريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، قتلت برصاصة قناص سوري ومدفونة في الجولان وكيف رد ميليس نفسه عندما سئل عن والدته فأجاب بأنها حية ترزق وذكر المكان الذي تعيش فيه.  أعود لأذكر بأننا لم نلتق إسرائيليين لا في السر ولا في العلن والسوريون الوحيدون الذين أعرف أنهم التقوا بإسرائيليين هم ماهر شقيق بشار الأسد في الأردن، وبشار الأسد نفسه الذي أسرع لمصافحة الرئيس الإسرائيلي أثناء جنازة البابا يوحنا بولس الثاني، إضافة إلى ما هو معروف كذلك عن أن وزير دفاعنا المزمن والذي يحب النساء كثيراً كانت لديه صديقة إسرائيلية كان يلتقيها في العواصم الآوربية "وخاصة في لندن"، وإن تناسينا فإننا سنتذكر دائماً ما أباحت به إسرائيل نفسها قبل بضع سنوات عندما، ولدهشة واستغراب الجميع، حركت قواتها بشكل فجائي وحشدتها على "الجبهة الشمالية" حينها وضحت إسرائيل عالمياً أن ذلك كان نتيجة للمعلومات التي زودها بها "الضابط السوري الكبير" الذي تعتمد عليه لمعرفة ما يجري في الأركان السورية... ولاحقاً رأى المحللون أن وراء المعلومات غير الدقيقة من قبل الضابط السوري كانت الرغبة بدفعة جديدة من الدولارات حينها...  نحن لم ولا نقبض ولكن نتحداكم أن تظهروا كشف حساباتكم.

من حق المعارضة السورية أن تلتقي بالأمريكي والألماني والفرنسي وغيرهم فلا يوجد في القانون ما يمنع من ذلك ولا يوجد خطأ أخلاقي أو سياسي في لقاء السوري بأي كان ما دام قد حدد أولوياته وبقي في مصاف أبناء بلده. ومن حقنا نحن السوريون أن نسمع صوتنا للعالم ونتعرف بالعالم ونعرف العالم بأنفسنا. ومن حقنا أيضاً أن نلتقي بمنظمات حقوق الإنسان العالمية. أما أن يأتي من يطالب باعتقال كل من حضر المؤتمر فهذا ما يدعو إلى القرف، إذ أن مثل هذه الذهنية (التخوين والتجريم وإصدار الحكم الاعتباطي) هي ما نحاول الخلاص منها وإزالتها من بلدنا لأنها نفس لعقلية البعثية الغريبة علينا، والأهم من هذا وذاك أن لا شرعية لمن ينادي بالاعتقال ولا لمن يخول لنفسه أن يعتقل الآخرين على فعل لم يرتكبوه، بينما هو لا يتوانى عن القيام به دون أية حسابات.

 

مؤتمر باريس لم يكن مكانا لتصنيع الجواسيس والخونة بل كان مكانا لطرح ما لا يجرؤ أحد من نظام الأسد على طرحه.  لقد خيمت القضية الفلسطينية على الأجواء في اليوم الأول والثاني والكلام عن التسامح الإسلامي حتى خُيّل لي أنني في مؤتمر لنصرة القضية الفلسطينية ولست في مؤتمر للمعارضة السورية، بل بدا الأمر وكأن حل مشاكل المعارضة السوري يبدأ وينتهي بالقضية الفلسطينية، بل وأن التركيز على القضية الفلسطينية هو مفتاح الخلاص من النظام الاستبدادي في دمشق.

هل يرى أي من المعارضين السوريين أن معهد أسبن ارتكب خطأ حين عرض فيلماً وثائقياً عن سقوط نظام ميلوسوفيتش؟ لا أظن أن معارضاً حقيقياً يستطيع أن يقول ذلك!  وهل هناك من خطأ في الإيحاء (أو حتى في القول الواضح) بأن صوت الشعب يأتي من من أي مكان وعبر أي إنسان أو مجموعة من الناس!؟ 

المعارض السوري الذي يلتقي بواسطة معهد أسبن ليناقش أمور بلده، إنما يفعل ذلك لأنه لا يستطيع أن يلتقي في الداخل وبحرية. هل أتيح لنا الاجتماع في بلدنا وفضلنا اللقاء في أوربا؟ معهد أسبن له الفضل بجمع السوريين مع بعض، الأمر الذي لم يكن ممكناً في ظروف أخرى، بل لمعهد أسبن كل الشكر لأنه أتاح للسوريين من الداخل والخارج أن يلتقوا ببعض.  و نقول لبعض ممن يسمون أنفسهم بالمعارضة ويوزعون التهم: الأفضل لكم أن تلزموا الصمت وتتبعوا الطريق الذي ترونه مناسباً خلافا لطريقنا وإما أن تتبعوا الجوقة وتنادوا لبيك يابشار وتفتدونه بالروح وبالدم.

******************

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط