يعرفون نظام الأسد أكثر!
د. أكرم شلغين / Jul 30, 2008

حدثني صديق سوري يتمتع بعلاقات طيبة مع إخوة لنا من مختلف بلدان المغرب العربي بما يستغربه منهم عن نظرتهم التي تتصف بالكثير من التعاطف مع نظام الأسد في سوريا، وفي الواقع هذا ما خبرته بنفسي أيضاً من خلال صداقاتي مع الكثير من أخوتنا في شمال إفريقيا وما أراه من كتابات وتعليقات في المواقع الالكترونية عندما يتعلق الأمر بالنظام السوري، وذلك ليس حصراً لآنفي الذكر بل يمتد إلى جمهور أعرض من العرب.  والحال هكذا، لابد من التركيز حول نقطتين ثانيتهما هي محاولة تعريف من لايعرف من أخوتنا في البلدان الأخرى حقيقة النظام السوري من وجهة نظرنا كسوريين، وهذا واجب علينا، وأما النقطة الأولى فهي تفحص ومحاولة فهم أسباب النظرة الإيجابية التي يحملها أخوتنا في البلدان العربية الأخرى من النظام السوري.

 

في عصر سمته التقهقر للعرب (الشعوب وليس الحكام)عموماً وفي أي بلد كانوا من الواضح أن هناك ميل إلى ما هو سهل للتعاطي مع ما يجري من حولنا، ويبدو أن الأسهل يترجم بإلصاق التهم بالغرب والاستعمار بأشكاله وبالعولمة وكل ما يأتي من "الغرب" ومشاريعه التي بدأت بخلق إسرائيل في المنطقة وتمر بما يجري في فلسطين واحتلال العراق ولانعرف أين ستنتهي..! ويتعاظم الكلام عن محاولات القوى الكبرى إلغاء ومحي هويتنا العربية والإسلامية .. وغير.. وغير. وهنا نسارع إلى التوضيح أننا لانقلل من أهمية ما قيل ويقال عن الدور الخارجي لتردي أوضاع العرب ولكننا بنفس الوقت لانجعل نظرتنا إلى هذه المسألة أحادية البعد من حيث الاكتفاء بالكلام عن العامل الخارجي وتناسي المسؤولية الكبرى التي يتحملها الحكام في المنطقة الذين إما ارتضوا بمهمات أنيطت بهم أو جعلوها، بشكل أو بآخر، واجباً عليهم.  وفيما ينظر الشارع العربي إلى الحكام المحليين كأدوات (أو بالأحرى كشرطة وحراس) لتسيير وتيسير تنفيذ "التحولات" ويرى سياساتهم الرامية فقط إلى طلب الرضا العالمي بصرف النظر عن كل شيء آخر يبدو أن هناك العوامل التي جعلت النظام السوري بمأمن من نظرة الشارع العربي هذه (ماعدا في سوريا)، فالنظام السوري يثقب آذان العرب بالصوت العالي في الكلام عن "الصمود والتصدي" و"الممانعة" وفي ذلك إرضاء  للعربي المحبط ورقص على أنغام قلب من يعتقد أن المشاريع الغربية هي سبب كل آلامنا ولهذا يجب التصدي لها.  في طليعة الأسباب التي تجعل النظام السوري يتكلم بهذا الشكل تتصدر حقيقة أن لسوريا أراض محتلة لايستطيع نظام الأسد قولاً التنكر لها، ولنتذكر أن الكلام عن الصهيونية والامبريالية والتصدي لهما ليس عليه دفع رسوم ولا يزعج الأمريكيين ذلك بأي حال من الأحوال، وليس من فائض القول هنا أن أتذكر معكم ما ذكره أحد السوريين عام 1979 ضمن لقاء ما بين المثقفين السوريين (ومن بينهم جان ألكسان، ميشيل كيلو، ممدوح عدوان..) وبين ممثلي السلطة في سوريا في ما سمي آنذاك بلقاء "لجنة تطوير الجبهة الوطنبة التقدمية" من أن إحدى الإذاعات في أمريكا اللاتينية كانت مختصة بشتم أمريكا وهي في حقيقة الأمر ممولة من إدارة الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.  والمشكلة هنا ليست على تلك الدرجة من التعقيد لإدراك كنهها فيما لو وضعنا أقوال النظام السوري بجانب أفعاله لنتبين حقيقة صموده وتصديه وممانعته... الكل يدرك أن لسوريا أراض محتلة من قبل إسرائيل (أوكما تسميها دعاية نظام الأسد حربة الإمبريالية في المنطقة) فماذا فعل نظام دمشق لاسترداد تلك الأراضي!؟ أو ماذا لم يفعل لإبقاء احتلال تلك الأراضي؟ منذ النصف الأول من سبعينات القرن العشرين التزم الأسد بما طلب إليه وأصبحت جبهة الجولان أهدأ وأكثر أماناً للإسرائيلي حتى من عاصمته، هذه حقيقة.  ولانقبل أن نسمع عن دعم المقاومة في لبنان وفي فلسطين لأن العاقل يتساءل أين المقاومة في سوريا وأرضها محتلة!؟ إلا إذا كان من يتكلم عن ممانعة ومقاومة النظام السوري يعتقد حقاً بما أُطلق ـ تهكماً ـ من أن الأسد سيحارب حتى آخر قطرة دم فلسطينية ولبنانية!! أولا تذوب ممانعتهم ليصبحوا رخويات عندما يتفوهون بأن السلام خيارهم الاستراتيجي وذلك رداً على قصف إسرائيل (عين الصاحب، اغتيال شخصية فلسطينية، وتدمير منشأة عسكرية في شمال شرق سوريا) وجولات طيرانها فوق الأراضي السورية حينما وأينما تشاء وفي العمق السوري!؟  لربما لاندرك نحن فقراء الوعي السياسي الاستراتيجي أن المقاتلات الإسرائيلية طارت على علو منخفض فوق قصر الشبطلية (في شمال اللاذقية) لتلقي التحية على بشار الأسد الذي كان ينام حينها في القصر ولهذا سارع ـ عندما حانت الفرصة ـ إلى مصافحة الرئيس الإسرائيلي السابق موشيه كاتساف في جنازة البابا يوحنا بولس الثاني!؟ (لأنه كعربي أصيل يجب أن يرد التحية بمثلها).  وعن دعم نظام الأسد لـ"لمقاومة اللبنانية" يكفي أن نفكر في ما يعنيه أن يقتل عماد مغنية "القائد العسكري للمقاومة اللبنانية" وهو في قلب دمشق وبالقرب من عدة فروع مخابرات للنظام السوري وهو متواجد بدمشق بشكل سري في حين لم تستطع أجهزة أمن العالم الوصول إليه في لبنان!! أين هي رواية النظام السوري، والتي وعد بها ذلك الممانع العتيد وليد المعلم، وزير خارجية الأسد، عما حدث!؟ لا تصدقوا يا أخوتنا الأقوال بل فكروا في الأفعال، وتذكروا معنا أن نظام الأسد يقدم الخدمات وبكل ما يستطيع للأمريكيين متمنياً أن يحظى بشرف صداقتهم ولكنهم لم يمنحوا الأسد الأب ذلك الشرف ولن يمنحوه للأسد الوريث.  بشار الأسد ليبس ممانعاً للأمريكيين وليس وجوده في السلطة إلا بموافقة أمريكية، إسرائيلية،وأوربية (وقد كتبنا عن ذلك مسبقاً وباستفاضة).  ألم يقل بشار الأسد وبأكثر من مناسبة للصحفيين الأمريكيين عن أن تعاونه مع أجهزة الاستخبارات الأمريكية أنقذ أرواح أمريكيين؟ ألم يذكر أكثر من مصدر إسرائيلي أن نظام الأسد هو الأفضل لهم؟  لاتظنوا عندما تسمعون في الأخبار أن أعضاء هيئة "علماء المسلمين العراقيين" يجتمعون في دمشق إنما هم في ضيافة واحتضان الأسد مجاناً ولأجل الممانعة، إنما هناك لأن نظام الأسد يجمع معلومات عنهم  ليقايض بها عند اللزوم؛ لاتظنوا أن العراق أوالقتال به يعني لهؤلاء أكثر من أوراق ومشاريع بزنس وبالأخص لضباط النظام السوري وما عليكم إلا أن تتذكروا أبو القعقاع الذي قتل في "ظروف غامضة" (وسجلت ضد مجهول طبعاً) لتدفن أسراره معه حول هذا الموضوع.  ألم يعترف بشار الأسد في مقابلة صحفية مؤخراً بأن كولن باول، وزير الخارجية الأمريكي السابق، طلب منه تسليم علماء العراق؟ فماذا فعل نظام الأسد لهؤلاء؟ ألم تحشر العالمة العراقية هدى عماش في الموقع الذي أصبحت به سهلة المنال!؟  ولمناسبة الحديث عن هذا نقول إذا كان بشار الأسد يدرك أن هدف الأمريكيين تصفية علماء العراق وكوادره، فماذا فعل بشار بعلماء سوريا وكوادرها إلا ما أراده كولن باول للعراقيين؟  أوليس علماء وكوادر سوريا مبعثرون مشردون في جميع أصقاع الأرض؟ ألم يسجن بشار الأسد الأكاديمي الاقتصادي البروفيسور عارف دليلة، وهو يعاني في السجن من تدهور صحي خطير، لمجرد كلامه عن مشكلات الاقتصاد السوري وطرح الحلول لها؟  لانقبل كسوريين أن نسمع من عربي آخر أن ليس بمقدور حكام سوريا أفضل من ذلك، ولا نقبل أن يتكلم أحد عن القوة العسكرية والتي يفتقدها نظام الأسد...قلناها ونقولها إن القوة العسكرية ـ كما تدل أكثر من تجربة في العالم ـ  ليست كل شيء للتحصين والممانعة.. إن القوة والممانعة في أيامنا تكون بالتحصين الداخلي وببناء الإنسان وبالديمقراطية وبالعيش في ظل دولة القانون والعدل وبشعور الإنسان بالانتماء.      

 ولا يظنن أحد أن العيش في سوريا هو بالأفضل مما في بلدانهم، فالتجارة بالإنسان بالرخيص على قدم وساق، والملاهي الليلية مليئة على جانبي الطرقات في ضواحي دمشق وبها الفقيرات القادمات من الأرياف السورية (وفي الحقيقية عربيات من بلدان أخرى...) يطلن شعورهن ويتدربن على كيفية هزه ولولحته يمنة ويسرة وباتجاه الأسفل (مع رقص وغناء الهشّّك هشّك) كي تثرن غرائز بدو الصحراء، الحاملين في جيوبهم الدولارات، فيصرفون منها في تلك الملاهي والتي تعمل بإدارة مخابرات النظام وبأخذ حصة الأسد الكبيرة من المتاجرة بأجساد السوريات والعربيات. وقد باشروا  بتلك المشاريع مباشرة بعد حرب الخليج الثانية في عهد الأسد الأب...

 

لاتنخدعوا بما ترونه في المسلسلات السورية عن سوريا ولاتعتقدوا أن ما ترونه حقيقة عندما ترون أن السوري العادي البسيط يعيش في تلك البيوت الدمشقية القديمة وفي فناء كل منها نوافير المياه... فتلك البيوت أصبحت حصراً للمسلسلات التليفزيونية التي يسوقونها لكم للدعاية وكذلك أصبحت مخصصة لأفراح آل الأخرس (لشقيق أسماء الأخرس زوجة بشار الأسد)، وما عليكم أن تدركونه أن سوريا المسلسل التليفزيوني ليست سوريا الموجودة على أرض الواقع، فالناس في أحسن الأحوال تعيش في علب كبريت بأجواء ملوثة وبصخب يخفض من عمر الفرد، تعيش بفقر متقع وتأكل أفراد الكثير من الأسر السورية بالتناوب، وإن فئة ناكشي القمامة في دمشق بمفردها أصبحت تفوق الأربعين ألف إنسان؛ لاتصدقوا أن الطبيعة في سوريا هي بالضبط ما ترونه في المسلسلات السورية التي تركز بتصويرها على بقعة واحدة مشجرة منذ القدم شمال اللاذقية فتلك أصبحت تضيق وتضيق بفعل جشع وطمع حكام سوريا ولن يكون بعيداً ذلك اليوم الذي لن تكون فيه حتى تلك البقعة الصغيرة موجودة (طبعاً بعد أن يكونوا قد باعوها لرأس المال العالمي عبر شراكاتهم مع أهل الخليج وبعد أن يكونوا قد اشتروا أكثر واستثمروا أكثر في دول العالم)، لاتصدقوا أن ما ترونها في التليفزيون هي سوريا، فسوريا التي نعرفها، نحن السوريون، ليست إلا بلد التلوث البيئي، بلد القهر الاجتماعي، بلد الحزن، بلد الهم، بلد المرض، بلد الكآبة البلد الذي ضاع أمام أعيننا... ونتمنى ألا يصدق أخوتنا العرب رواية النظام السوري عبر وسائله الأيديولوجية عن سوريا بل نتمنى أن يدركوا معاناة أخوتهم السوريين.  نتمنى أن يدركوا أن النظام الحاكم في دمشق ليس، كما يقولون، " آخر الحامين" للهوية أو المدافعين عن حقوق أهل المنطقة أو أنهم يقودون"الممانعة" ضد المشاريع الطامعة و..و..إلخ، نتمنى أن ينظر أخوتنا في كل البلدان العربية لحكام سوريا بنفس المنظار الذي يرون بهم حكامهم وأن يفكروا معنا أن هؤلاء ليسوا الحل بل هم المشكلة، نتمنى أن يفكروا أنه لولا سياسة صدام حسين لما كان هناك احتلال للعراق ولولا سياسة الأسد (المحتل الداخلي) لما كان وضع سوريا والسوريين لايقل سوءاً عما لو وقعنا تحت الاحتلال (الخارجي).

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط