د. أكرم شلغين / Feb 01, 2005

منذ لحظة ارتكاب جريمة قتل رفيق الحريري اتجهت أصابع الاتهام نحو النظام السوري، إلا أن ذهول البعض لوضوح دمغة الحدث وحمله بصمات الفاعل دفعهم إلى التساؤل فيما إذا كان حقاً من يصنع القرار في دمشق على هذه الدرجة من الغفل فيعطي الإشارة لتصفية شخصية من وزن الحريري دون أن يدرك أو يفكر بارتداد مثل هذه الجريمة على النظام السوري في هذه الفترة بالذات حيث الأعين الدولية تتركز عليه! لا شك أن أحد نقاط ضعف مثل هذا التساؤل هي بالتحديد استناده إلى المنطق لفهم آلية عمل من يصدر القرارات في النظام السوري، فالواقع يبين أن طرق ونهج ووسائل أصحاب القرار في دمشق على درجة من الذاتية تضيق إلى حد يصعب معه التفكير بقياسها بمعايير ما يقتضيه المنطق، وهي أيضاً على درجة من الغطرسة والعنجهية تجعلها أبعد ما تكون عن أي تفكير عقلاني. بالتأكيد هناك فرق بين صاحب الذهنية الدموية المتسلطة وبين من يحاكم الأمور وفقاً للمنطق والاحتمال؛ هناك فرق بين من هو أسير عقلية الأمن والمخابرات التي تنتهج القتل والقمع وإخماد الصوت حتى ولو كان ذلك بالتصفية الجسدية وبين من يجلس ويفكر بهدوء. ولمن يتساءل "ما هي مصلحة النظام السوري في اغتيال الحريري؟" و"هل حقاً فعلها النظام؟" نقول إن الأجدر هنا هو طرح السؤال من الجهة المعاكسة تماماً: لماذا لا يفعلها النظام السوري؟

لا شك أن الجدل الذي دار بشأن مطمطة الدستور اللبناني والتمديد للعماد إميل لحود بالرئاسة (وفقاً لرغبة النظام السوري) كانت النقطة التي فجرت الأزمة الكامنة وأوصلت الخلاف إلى نقطة اللاعودة. ولنتذكر كيف أن الحريري وقف ضد التمديد قائلاً بأنه سيكسر يده قبل أن يوقع عليه، صحيح أن الحريري اضطر لاحقاً إلى التراجع عن موقفه ووقع القرار بسبب التهديد المبطن أو السافر ـ وفقاً لما تناقلته الأنباء حينها، إلا أن انسحابه من المتابعة في العمل الحكومي ضمن تلك الشروط كان التعبير الواضح عن موقفه مما حصل. وبات جلياً أن الحريري بدأ يتحرك من أجل وضع حد للتدخل السوري في الشؤون اللبنانية، وبالتأكيد يدرك حكام دمشق العلاقات العريضة ذات البعد الدولي للحريري، كما لم يكن خافياً على حكام نظام دمشق العلاقة الشخصية بين الرئيس الفرنسي جاك شيراك والحريري ولا بد أن يكون أرباب النظام قد حاولوا الربط بين الدور الفرنسي في صنع القرار 1559 والإصرار على تنفيذه وبين العلاقة المذكورة. بموقفه الراغب باستقلالية القرار اللبناني اقترب الحريري كثيراً من المعارضة المطالبة بوضع حد للتدخل السوري بالشؤون اللبنانية وبالانسحاب الأمني والعسكري من لبنان، وبالرغم من أن الحريري كان يتسم بالحذر ويلعب حاملاً أوراقه قريبةً من صدره فقد نُقل أن الحريري، إضافة، قال أثناء تواجد وليد المعلم(المكلف الجديد بالملف اللبناني) في بيروت ما معناه أن سوريا" أمنا وأبونا وأخونا ولكن الأولاد كبروا ويستطيعون تدبير شؤونهم بنفسهم...". بعبارة مقتضبة، إن الخلاص من الحريري بالنسبة لقادة النظام السوري هي إزاحة رقم كبير يتمتع بنفوذ عربي ودولي وأصبح يطالب باستقلال القرار اللبناني.
من ناحية ثانية، و حيث وجد النظام السوري نفسه أن لا مفر له من الانسحاب، فإنه باغتياله الحريري يهدف إلى إشعال النار الخامدة من جديد في لبنان، الأمر الذي يرمي بدوره ليس فقط بتوجيه ضربة انتقامية إلى اللبنانيين المطالبين بالخروج السوري من لبنان بل ولدفعهم للشعور بالحاجة إلى الوجود السوري، وكذلك لمحاولة التأكيد لأمريكا (وفرنسا) أن الخروج السوري من لبنان سيؤدي إلى الاقتتال، كما كتب اللواء بهجت سليمان مرة في إحدى الصحف اللبنانية.

في حين أن حجم وطبيعة الجريمة تشيران إلى أن من خطط لها ونفذها يمتلك قدرات مادية واستخباراتية أكبر مما يمكن أن يكون بحوزة أشخاص أو منظمات محدودة العدد والعدة، لهذا يصبح الشريط الذي بثته الجزيرة وظهر به المدعو "أحمد أبو عدس" عديم أو قليل الأهمية ولا يستحق هذا الأمر أكثر من معرفة إذا ما كان أبو عدس أجرى التسجيل بسبب خلل عقلي لديه أم أن هناك جهات معينة شجعت على التسجيل لحرف الأنظار ولتمييع معالم الجريمة بمرور الأيام وتسجيلها ضد مجهول!

يصيب اللبنانيون والرئيس الفرنسي والرئيس الأمريكي عندما يصرون على أن تكون هناك لجنة تقصي دولية توضح هوية المنفذين والمخططين للجريمة. وأما اعتبار الحكومة اللبنانية أن التحقيق الدولي يخل بالسيادة اللبنانية –متناسية أن الجميع يعرف أنه لا توجد سيادة حكومية لبنانية بفعل التدخل السوري المهيمن على كل أمر كبير كان أو صغير ـ فلا قيمة له لأن اللبنانيون أولاً وعبر مشاركتهم الشعبية الساحقة في تشييع جنازة الحريري كأنما استفتوا على علاقتهم بالحكومة المعزولة، وثانياً لأن اللبنانيون (وبينهم عائلة الحريري) لا يثقون بأن الحكومة اللبنانية ستجري تحقيقاً نزيهاً وهي دمية بيد النظام السوري وبالتالي لا يعقل أن يكون المشتبه به في الجرم هو نفسه من يقوم بالتحقيق في الجريمة المتهم بها. ومن باب آخر، لو كانت الحكومة تحرص على تبيان الحقيقة كاملة لطلبت هي الاستعانة بالمحققين الدوليين المتمرسين وما يمتلكونه من وسائل وخبرات غير متوفرة في لبنان، وأن تعتبر ذلك مساعدة بدلاً من اعتباره إخلال بالسيادة. ثم إن السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة لماذا الخوف من المحققين الدوليين إن كان لا يوجد لدى الحكومة اللبنانية ما ينبغي الحرص على إخفائه!؟

نعود لمسألة الاشتباه بالنظام السوري، اللبنانيون والعالم معهم أصبحوا يدركون أن كل من يعترض على التدخل السوري أو الوجود السوري وله وزن ما يُقتل وتبقى الجريمة غامضة وتسجل ضد مجهول! وقد أصبح ذلك نمطاً تجسده سلسلة طويلة من الاغتيالات والتصفيات لرموز كبيرة أو لمواطنين عاديين على مدى العقود الثلاثة الماضية. قتلوا الحريري لأنهم اعتادوا أن يقتلوا دون أن يسائلهم أحد في الماضي عن جرائمهم لأنه يبدو أن المحقق كان دائماً هو القاتل.

السوري العادي، والذي يعرف ما يعرفه عن النظام الذي يحكمنا، يميل إلى الجزم بأن نظام المارق يفعل ما يريد ويقتل من يريد وينكر وقوع الحدث، ويصدق السوري أن من قتل الحريري فعلها لأنه اعتاد أن يقتل من يشاء أمام صمت العالم على جرائمه، ولأنه اعتاد أن ينكر جريمته وينتهي الأمر، فقد قتل بالدم البارد الآلاف من السوريين دون أن يسائله أحد عما فعله ويفعله... نكروا الجرائم ووصلت الوقاحة بهم حد محاولة الاقتصاص ممن يقول أنهم ارتكبوا جرائم.

ماذا يعني أن يختفي الناس في سوريا نفسها دون أن تتجرأ عوائلهم بالسؤال عنهم خوفاً من أن يختفي بقية أفراد العائلة في ظروف غامضة ولا يعرف عنهم أحداً أي خبر؟ ماذا يعني أن يقتل بحادث سيارة موظف سوري (ولا نستطيع ذكر الاسم هنا حفاظاً على الأحياء من عائلة المقتول) فقط بعد أيام من محافظته على أمانته الوظيفية ولم يمتثل لأوامر أحد المحسوبين على عائلة الأسد؟ ماذا يعني أن تصعد سيارة لصدم الدكتور دليلة وهو على رصيف الشارع فقط بعد أيام من انتقاده لرفعت الأسد في بداية السبعينات؟ ماذا يعني أن تطارد شاحنة أحد محامي حقوق الإنسان في سوريا وهو في سيارته للتسبب بحادث يودي بحياته؟ من يأخذ الناس من بيوتها ليلاً ويعصب عيني فلان ويجلده ويعذبه ثم يرميه ليلاً في الشارع أو في أطراف المدن بجسد مدمٍ متورم داكن الألوان؟ من اعتدى على الكاتب نبيل سليمان ليلاً وحاول قتله؟ لو عددنا الجرائم في سوريا ولبنان التي لم يُعرف مرتكبيها وبقيت ضد مجهول بالرغم من يقين الجميع أن بصمات النظام السوري موجودة لما انتهينا من العد، وهناك ما لا يحصى من الحوادث التي نستطيع سردها بالأسماء والأرقام التي نمتنع عن ذكرها هنا لأننا لن نكون مرتاحي الضمير لو أصاب الناس مكروهاً بسبب كلامنا أو كتابتنا...

نقول هذا ونتساءل أخيراً: هل من ينفذ تلك الجرائم هم مخلوقات من عوالم أخرى جاءت لتقوم بالضبط بما يريده النظام السوري؟ أم هل هناك مخلوقات من الأرض نفسها تقوم بتلك الجرائم مصادفة تماماً كما يشتهي النظام السوري؟ أم هل أن العناية الإلهية تحيط بالنظام السوري وتضرب بسيفه وهو لا يعلم؟ ونحن نفكر بجريمة اغتيال الحريري نكرر هذه الأسئلة ونطرحها على من يؤمن بالله ويعرف النظام السوري ونطرحها كذلك على من لا يؤمن بالله ويعرف النظام السوري.

النظام السوري لا يعرف إلا الدم، ولا شك أن سفك المزيد من الدماء هذه المرة ستقرب من بداية نهايته، فمن يعيش على الدم سيموت وهو يختار إراقة المزيد من الدم (كما كتب الأكاديمي والكاتب الهندي ميشرا

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط