د. أكرم شلغين / Jul 11, 2005

يتعامل بعض المثقفين السوريين مع النظام بحساسية مرهفة كمن يتوخى الحذر في مشيه علي حبل رفيع، حيث أنّ أية حركة غير متوازنة قد تؤدي به للسقوط في هذا الجانب أو ذاك.  فالكلام ضد نظام قمعي استبدادي توتاليتاري يظهر وكأنه حمل سلاح خارجي ضد الأمّة، والإستفاضة في الحديث عن أهداف خارجية تبدو وكأنها شرعنة لحكم تسلطي قائم في سورية وإطالة في عمره.  المشكلة الرئيسية في المعادلة المعروضة علي هذا الشكل، والتي تهيمن علي تعاطي البعض مع الواقع السياسي والإجتماعي، هي افتقارها إلي رؤية المعالم بوضوح.  بالتأكيد يعيش النظام السوري أزمة تبدو هي الأصعب عليه، ويتخبط حماة النظام جاهدين ليعرفوا بدقة ما هوالمطلوب منهم أكثر كي ينفذوه لهثاً وراء بريق أمل قد يلوح في الأفق.  والأسئلة التي ينبغي طرحها بدون تأجيل إزاء هذا الحال تتعدد ونتوقف عند بعض منها الآن: هل الوطن في خطر أم التشكيل الحاكم في خطر؟ أين النظام الحاكم من الوطن؟ وأين الوطن وأين المواطن؟ هل الوطن لنا جميعاً ونحن شركاء به؟ بل، وما هو الوطن في ظل هذا النظام؟ وهل ينبغي أن تخيفنا تهويلات النظام من الخطر الخارجي عن تسمية الأشياء بأسمائها؟


الوطن بين الصورة والواقع:

قد يؤدي الكلام عن حجم التفاوت ما بين ماض غني ثقافياً وحضارياً، علي الأقل، وحاضر بائس علي كل الصعد، إلي تمييع المأساة الحقيقية التي تحتجز السوري، مثل كل عربي، وهي تغييب الوطن والمواطن المنهجي والمنظم وما يتأتى عن ذلك مرحلياً وعلي المدي البعيد. فالملاحظ هو تهميش ومن ثم اضمحلال اسم وشكل وفعل الوطن والمواطن مقابل تضخيم صورة النظام ممثلةً بفرد واحد، يصل معها هذا الفرد إلي مرتبة توصف وكأنها مقدسة. السؤال عن مدي تصديق الحاكم لمنزلته الموصوفة والهالة المحيطة به هو أمر، وأما تحديد هذا الشخص الرمز كنواة لزرع ثقافة الخوف بين الناس فهو أمر آخر. وفي كل الأحوال، يجب التذكير بأن مفاهيم ابتُدعت لتضعَ أسساً تحدد خطوطَ العرض لحركة الفرد والمجتمع، وكذلك خطوطاً حمراء يحرم تخطيها أو حتي الإقتراب منها. فسياسة وأقوال وتصريحات الرئيس ليست موضع نقاش ولا تقبل الشك أو التساؤل. وبنفس الوقت، يتم النأي باسم الرئيس عما يحدث يومياً من انتهاكات لحقوق المواطن، حيث تسرب أبواق النظام ما مفاده أن الرئيس لا يسمع بما يجري ويمارس في داخل البلد من قبل ضابط الفلاني، وعناصر أمن فرع كذا، وأمين فرع حزب منطقة كذا، ووزير الفلاني، بل وأخوة الرئيس وأولادهم ومرافقة أولادهم وإلا لكان..


ترافقت عملية ترسيم القوة هذه مع ممارسة العنف والقمع والتهديد، فالسجن والقتل والتشريد والحرمان من لقمة العيش بانتظار كل من
لا يرضى عنه مشرعو التسلط. كل هذا في غياب القانون وحضور حالة الطواريء. وأصبح المواطن مثل المقيد العاري في الصقيع لا أمان ولا حول له ولا قوة، يلبسه الخوف من كل مَن وما حوله، فصمت خوفاً من المجهول الأشد هولاً، وخمد صوت الجميع حتي أصبحنا نعيش في "مملكة الصمت".


إلي جانب الخطر
الناجم عن ثقافة الخوف، لا بد من التذكير بالبشاعة والوحشية في ما مارسته وتمارسه تشكيلات منفذي عملية ترسيم القوة والتسلط بالشكل القائم. وأتقصد استخدام كلمة تشكيلات هنا لأنها الأنسب في توصيف حماة وحافظي النظام علي مدي العقود الثلاثة المنصرمة ونيف إذ لا يرقون في شكلهم وممارساتهم إلي مستوي طبقة سياسية فلا أيديولوجية ولا طبقية ولا تكتيك ولا استراتيجية ولا قواسم أخري تجمعهم باستثناء انتهازيتهم ولصوصيتهم واستعدادهم للعب دور الإستعلاء علي الناس والفتك بالضعفاء العزل. وهذه التشكيلات علي قدر ما من التعقيد في هوياتها وانتماءاتها. تشكل المخابرات ـ بفروعها السرطانية كماً وكيفاً ـ القوة الرئيسية في هذا الخليط، ولانأتي بالجديد عندما نقول إن مراكز القرار وصمامات الأمان كانت ـ وتكون دائماً ـ مؤتمنة طبقاً لاعتبارات ضيقة جداً. وأما الأدوار التي تقتضي حمل أسلحة من نوع آخر فتودع بيد أنماط معينة ـ تتهافت مبدية استعدادها لتكون جزءاً من اللعبة ـ منها التاجر والوسيط ومنها الحرامي ومنها من ينظرإلي انتزاع حصته من الغنيمة ومنها المشـــوه نفسياً ويبحث عن دور يستبد به علي ضعفاء أبناء حيه في حلب ودمشق وحمص واللاذقية (بل وحتي في بعض أرياف اللاذقية).. علي مدى العقود تعيث التشكيلات الحاكمة وعوائلها وحواشيها في طول البلاد وعرضها فساداً وتزرع الرعب والهلع في غياب وتغييب القانون مجردة المجتمع صفاته الحقوقية والفرد من كيانه وإنسانيته، والجراح التي سببها هؤلاء أكثرمن أن تحصي وما زالت تنزف. ومن يجاهر بالسؤال عن ماذا؟ أوكيف؟ أوأين؟ أومن؟ يساق إلي السجون أو يقتل أو ُيخفى.. ولا ينتهي الأمر هنا، فعندما يختفي السوري ويبدأ أهله وذووه بالسؤال عنه تبدأ إنتهاكات من نوع آخر لحقوق وكرامة الإنسان، وما حصل ويحصل أفيض من أن يوضع في قائمة والأمثلة علي ما يجري بشكل يومي أكثر مما هو مسموع، والغاية الرئيسية في ممارسات السلطة والمتسلطين هي تجريد الإنسان وتفريغه من شعوره بإنسانيته كي يصل إلي حد يتقبل به الذل ويستكبر علي نفسه حتى حق الحياة، ولتنحصر اهتماماته في كيفية تأمين لقمة العيش بصمت وخوف وليفهم بأن كل ما يصدرعن السلطة الطاغية هو رحمة.


مات الأسد ولكن الخوف بقي.. وكأن الأسد ـ بتعبير أحد الصحافيين: يحكم البلاد من قبره! وما زال المواطن لا يأمن علي نفسه أوعلي أي شيء حوله ما دام القانون غائباً، ما دام قانون الطواريء هو تشريع البلاد، ما دام المرء يسجن بدون سبب، ولا لذنب اقترفه إلا لأنه ولد ـ كما يبدو ـ في المكان الغلط، وما دامت الــ تشكيلات المذكورة تدير البلاد وتلصق التهم بمن تشاء عندما يخرج المواطن عن الحجم والحيز المرسومان كأن يفكر بممارسة حقوق المواطنة، أو يذهب أبعد من ذلك فيتساءل عما يجري له في وطنه. ما أكثر التهم الدارجة والتي تلصق بالمواطن بسهولة فيقال عن هذا أنه يريد النيل من الوطن، وذاك يريد الإعتداء علي الدستور، أو يبغي إثارة النعرات، أو يسعي إلي جزأرة الوطن، أو يقبض بالدولار من السفارات الأجنبية.
 والذريعة التي يريدها النظام دائمة الحضور لكم الأفواه وللبطش والتنكيل هي الكلام عن حالة حرب و تربص الأعداء بأمتنا، وتكتسب الذريعة تلك قوة عندما يُدلى بتصريح ما في العالم يتعلق بسورية، أو حتي عندما تصدر منظمات دولية تقاريرها عن الإنتهاكات لحقوق الإنسان في سورية.


إلي جانب الخوف من التخوين الذي يحدد انتقاء السوري لكلماته، أو متي وأين يتفوه بها، يصمت السوري علي القهر والتجويع والقمع والسجن والتهجير والتعذيب وهو يعرف أن النظام لن يتغير من تلقاء ذاته ويتذكر جيداً ما تردد حينما استبشر
بـ التغيير عند بداية تنصيب الإبن (الأسد الثاني) في السلطة من أنه ـ أي من وعد بالتغييرـ لا يملك عصا سحرية، ولكن الجميع لمسوا وخبروا علي مدي الأيام والسنين أن الـ عصا التي يملكها النظام هي القديمة نفسها التي رُفعت فوق رأس شعب بأكمله منذ سبعينات القرن الماضي وحتي هذه اللحظة، هي نفس العصا التي قتلت وسجنت وشردت وهجرت عشرات الآلاف من السوريين علي اختلاف ألوانهم في الطيف السياسي وتشابهها في حبهم للوطن، هي نفس العصا التي قتلت وتقتل وتخفي الناس.

 

يستمر النظام التسلطي بالحكم بنفس العقلية متبعاً نفس الأسلوب الذي اتبعه منذ سبعينات القرن الماضي، أي قمع المواطنين وكأن ذلك أمراً عادياً يجري داخلياً ولن يسمع به أحد في العالم، كما ولن يؤثرـ في حال سماعه ـ علي تعامل العالم الخارجي مع النظام ما دامت هناك مراعاة لمصالح أقوياء العالم وابتعاد عن مهب رياحهم.  بل ويستمر النظام السوري في استخدام الأقوال التي لا أساس لها معتقداً أن القول يغير ما يجري غلى أرض الواقع أو يعتم عليه، أو أن ما يحدث في سورية لن يسمع به أحد في العالم!  لا تستطيع كلمات الإنكار إلغاء أو إخفاء حقيقة ما يجري فمن يسجن أو يختفي ستسأل عنه أم وأب وأخ وأخت وابن وابنة وجيران وزملاء مدرسة وغيرهم، وسؤال هؤلاء، شكراً للتكنولوجيا، لم يعد متموضعاً في بقعة ضيقة بل، وبوقت قصير جداً، يسمع في العالم وتتناقله الأخبار.


في تصريحات المسؤولين نقرأ أيضاً أن المعارضة متفقة مع النظام عندما يأتي الأمر إلي سياسة النظام الخارجية.
والسؤال الآن: هل تستطيع تصريحات من هذا النوع أن تغير الحقائق؟ هل ترفض المعارضة السورية الديمقراطية حقاً لمجرد أن أمريكا تتكلم عن غياب الديمقراطية في المنطقة العربية؟ هناك بعض التساؤلات عن جدية ما تطرحه الإدارة الأمريكية بهذا الشأن، ولكن تعاملها مع الأنظمة العربية يشير إلي انقلاب في سياستها في السنتين الأخيرتين. فالنظام في المملكة العربية السعودية، وهو الصديق الأول للولايات المتحدة في العالم العربي، يخضع للضغوط الأمريكية للتغيير وذلك لقناعة الأخيرة أن وجود العدد الأكبر من منفذي عمليات 11 سبتمبر من السعوديين ليس مصادفة، الأمر الذي يدعو إلي مساءلة مجمل الشروط السياسية والإجتماعية التي أنتجت هؤلاء الإرهابيين. بعبارة وجيزة، يبدو أن النظام السوري لا يأخذ التغييرات التي حصلت في العالم علي محمل الجد ليدرك أن المعايير الدولية تغيرت، وأن الإدارة الأمريكية ـ والحكومات الأوروبية ـ تعي جيداً أن مصداقية السياسة الخارجية لنظام ما ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنجاح ومصداقية سياسته الداخلية.


كم تعتمر واحدنا الكآبة عندما
نرى شعوب العالم تتكلم حرة كريمة في أوطانها دون خوف من الملاحقة والقمع والسجن! وعندما يعالج الآخرون مشاكل بلدانهم الإقتصادية والسياسية والإجتماعية بشفافية وفي جو من الحريات العامة، بجو من الأمان والثقة دون الخوف من المخابرات والإعتقالات السياسية والتهم والتخوين والحرمان من لقمة العيش! أما نحن فنعيش في دوامة الخوف ونتساءل عن أين، وما هو، الوطن؟ هل الوطن هو ذكريات وأحلام وأمنيات موجودة فقط في رؤوسنا؟ وهل هو وطن ذاك الخيال الذي نعيش فيه بعقولنا ولا نستطيع بأجسادنا؟ هل الوطن هو تلك العلاقات الحميمية الإنسانية التي حرمنا منها المتسلطون؟ هل الوطن هو الأرض، الماء والهواء وقد حرمنا منها ودنسها ولوثها هؤلاء بصفقاتهم وجشعهم؟ لا أعتقد أننا نستطيع أن نتكلم عن الوطن كحجر وشجر دون أن تحتبس الكلمات في حلقنا إذ نصطدم بمن يُسمون ـ وبغير حق ـ بشر !


أسئلة كثيرة تلك التي تطرح نفسها وأكرر القليل منها هنا. هل نصمت إلي ما لانهاية نحن من رفضنا ونرفض أن تكون لنا انتماءات ومحسوبيات ضيقة؟ نحن من يرفض المافيات وممارساتها الإجرامية؟ نحن من نرفض أن نكون أذلاء للإستبداديين؟ هل نستسلم للأمر الواقع ونندب حظنا علي ما حل بنا؟ هل ننتظر أن يترأف هؤلاء بحالنا مثل الجائع المنتظر علي مائدة اللئام علهم يتصدقون علينا بشيء؟ أم هل نقول يجب انتزاع حقوقنا بدءاً من أبسطها..
ومروراً بكل تفاصيلها؟ هل نقول إن المرحلة حرجة والظرف الراهن لا يحتمل الكلام؟ أم هل نقول وبصوت عال كل ما يجب أن يقال وبدون خوف ـ وليس لدينا ما نخاف منه أوعليه ـ وبدون أية حسابات تسكتنا وتفيد النظام الطاغي وحده؟ وإن كان هناك من يتكلمون عن الوطن وشراكتنا به فليتفضلوا بتجسيد ذلك علي أرض الواقع، وليصدروا قراراً واحداً يشعر بذلك، قراراً يفرج عن المعتقلين ويبيض السجون، يرسم دستوراً للبلد، يلغي قانون الطوارئ، يمنح حق الإنتخاب، يعوض لكل المتضررين من عقود الظلم والإستعباد والإستبداد. ونسأل أيضاً فيما علينا قوله وفعله: أنُسمعُ النظام السوري الموسيقى التي يريد أن يسمعها بالقول برفض قطف ثمار ما قد تأتي به الدبابة الأمريكية؟ لا. بل نقول: لن تُذرَفَ دمعةٌ عليكم إن أزاحتكم تلك الدبابة، ولن يبكي نظامكم ووطنكم أنتم من استلبتم وطنه وجعلتموه بلا وطن.

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط