د. أكرم شلغين / Jan 04, 2005

في فيلم وثائقي لعمر أميرالاي عرضته القناة الفرنسية TV5 قبل فترة ليست بالبعيدة، نطق المرحوم سعد الله ونوس (وهو في الفترة "الرجراجة" ما "بين الحياة والموت" ـ كما سماها نفسه) بما يستحق التمعن والقراءة والتفكير حين استبعد نهاية قريبة لما يدور بين العرب وبين إسرائيل "إلا إذا تم تغيّر جوهري في البنى الاجتماعية والسياسية في إسرائيل من جهة وفي البلاد العربية من جهة أخرى" وإنه يعتقد، في زمن اليأس العربي هذا، "أن التاريخ قد يُجبر، وتحت وطأة هذا اليأس، على التفكير جدياً بأن نغير نمط تفكيرنا وأن نحاول تبين [...] الضرورة التاريخية بالتغيُّر والتجدد والتقدم.
إن إسرائيل غدت حقيقة تاريخية قائمة في المنطقة وينبغي التعامل معها لا على أنها كيان مزعوم، ولا على أنها مجرد دخيل محمي من الخارج إذا رُفعت عنه الحماية يضمحل تلقائياً...". ثم يتابع ونوس موضحاً أنه "ضد تسويق التفاؤل الكاذب" حيث يعتقد أيضاً "أن الجيل كله سيمضي إلى مثواه الأخير وفي رأسه تلوح [...] الخفقة السوداء الشبيهة بعلامة، هي بالضبط علامة العمر الذي عاشه، علامة الخيبة التي تذوق مرارتها على مدّ عمره، لأن إسرائيل ستكون باقية حين يذهب جيلنا إلى نهايته...."
إن لكلمات ونوس هذه وقعاً متميزاً، باعتصارها الآلام المتكدسة وإشارتها إلى الحقيقة القائمة لا من أجل النواح واليأس ولا من أجل خطاب يؤجج العواطف ويلهب المشاعر بالأوهام بل بغية إبراز لغة العقل والمنطق المتسلحة بقراءة الواقع والمتطلعة لمستقبل مشرق للأجيال القادمة. قال ونوس ذلك قبل عدة سنوات دون أن يلق كلامه صدى. لغة ونوس هذه يفهمها الجيل الذي وجد نفسه في الماضي والحاضر في مواجهة قضايا مصيرية وتحديات لا يمتلك حيالها فعلاً أو قولاً. ونحن نتساءل هنا: متى يستطيع الشعب السوري فتح هذا الموضوع والكلام عن الحقائق وليس عن الأوهام؟ ومتى يستطيع الشعب السوري الكلام عن قضاياه بمنأى عن لغة النظام السوري المعبرة حصراً عن مصالح النظام والمتجاهلة لمصالح الشعب والوطن؟
ليس مجدياً عند الكلام عما هو جار بين العرب وإسرائيل التمترس بمنطق أن من أصعد الحمار إلى السطح يجب أن ينزله، بل المطلوب البحث في المشكلة المنظورة بالأعين وهي وجود الحمار على السطح وبالتالي العمل على إنزاله. لقد ضاع وقت طويل وثمين ازدادت إسرائيل فيه قوة وازداد العرب فيه ضعفاً وذلك الزمن استفادت منه إسرائيل وحدها وهدره العرب. مزيداً من القول أننا كعرب لم نخلق هذه المشكلة لن يفيد. وليس من العيب أن نُقِّر أننا جميعاً في سوريا (على اختلاف تلاويننا في الطيف السياسي) وعلى مر العقود لم ننطق بلغة تختلف عن تلك التي ينطق بها البعث والنظام الحاكم بما يخص العرب وإسرائيل. فنحن السوريون في حقيقة الأمر نتاج بلد خبزه اليومي يُعجن بالخطاب القومجي، سواء اعترفنا بذلك أم لا، وكل شيء من حولنا ينضح بما يتوافق وذلك الخطاب. كم قرأناها عنصرية سافرة تخرج من فم كل من قال ـ وليس أولهم ولا آخرهم الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارترـ عن أن زرع أو وجود إسرائيل بين العرب إنما جاء لانتشال العرب من واقع غرقهم في الجهل والتخلف. كم أسرفنا من الوقت في الكلام عن نظرية المؤامرة وتعامينا عن الواقع ورأينا أن الحفاظ على "الأنظمة التقدمية" هو أنجع ما نفعله. كررنا الكلام عن العنصرية ضدنا وعن تآمر العالم علينا وذلك لأن لجوءنا إلى الكلام عن عنصرية العالم ضدنا أهون علينا من أن نجرؤ على مواجهة أنفسنا بالحقيقة المرة وهي أننا فعلاً غارقين في الجهل والظلام والتخلف، ولا نحتاج أكثر من فتح أعيننا لنبصر أين العالم وأين نحن ولنرى كيف تعيش بقية شعوب العالم لنتأكد من ذلك إن كنا مازلنا في شك من هذا الأمر.
لقد عجز النظام السوري (نظام البعث والأسد) عن استرجاع الجولان بالوسائل العسكرية حتى في الأوقات التي كانت بها الظروف العالمية ملائمة له. وكلنا يعرف أن هذا النظام لم يَضع استعادة الجولان في أولوياته بل استغل التطلعات الوطنية للشعب السوري مجيراً ذلك من أجل بقائه. رأينا وخبرنا الزيف والرياء والابتذال والكذب في كلام ونهج النظام السوري عن المعركة والتحرير، ورأينا كيف يعاقب نظام البعث والأسد المقاتل الصادق وكيف يكافئ الفار في حرب تشرين 73 (توفيق ج.) ويمنحه وسام بطل الجمهورية ويرفعه إلى رتبة لواء ولاحقاً يسند إليه (مع ثلاثة ضباط على شاكلته) مهمة حماية نظام الأسد بعد موت حافظ الأسد. ولم يعد خافياً البتة أن ما كان يفعله النظام السوري سراً ووراء الكواليس شيء وما يفرضه علينا كشعب هو شيء آخر مختلف تماماً. فهذا النظام العاجز والكاذب والمخادع أراد ترويعنا بدءاً بالسجن لمن يستمع إلى راديو إسرائيل ومروراً بتخوين من يذكر كلمة "إسرائيل" دون أن يرفقها بنعت "الكيان الصهيوني" أو "العدو العنصري" و"الغاشم" بل ووصل الأمر إلى حد تخوين ومحاربة كل من ينطق بكلمة "يهودي" أو حتى من قال كلمة حق تعبر عما يدور بصدق. من منا لا يتذكر كيف عامل النظام السوري المفكر والمثقف والشاعر أدونيس لأنه لم يتبع نهج المغالطة وقال كلمة الحق التي يجب أن تقال إذ أدرك باكراً ما لم يدركه غيره من المثقفين والمفكرين والمعارضين في سوريا؟ من ينس كيف أن الرقابة التابعة لوزارة لثقافة في سوريا كانت ترسل دورياتها للتفتيش في مكاتب ومحال بيع أشرطة الكاسيت وتأجير الفيديو للتفتيش عما إذا كان هناك أي أثر لأي عمل فني (أغاني أو أفلام) للمغنية اللبنانية صباح (جانيت فغالي) بحجة أن الأخيرة ظهرت في محفل بفرنسا جمعها والمغني الفرنسي اليهودي إنريكو ماسياس؟ لقد أعمى الحقد البعثيين والمخبرين السوريين إلى درجة أن أحدهم وهو يدرس في الخارج انتزع ورقة من كتاب دليل استخدام بطاقة الطالب العالمية (ISIC) لسوري آخر يدرس مثله في الخارج لأن دليل بطاقة الطالب ذاك يرد فيه اسم "إسرائيل" بين دول العالم الأخرى (مثلما يرد اسم سوريا) التي يسري مفعول البطاقة بها، ليستخدم البعثي تلك الورقة كبرهان على عدم النظافة القومية وفقدان الطهرانية السياسية للطالب السوري الآخر وليعرضه لتبعات ذلك لاحقاً في سوريا. في الواقع، لا نحتاج لنذهب بعيداً لنستعين بمثل هذه الأمثلة التي ما زلنا نحياها يومياً بانتهاج النظام السوري في هذا الخصوص، فمنذ أشهر قليلة قامت القيامة لدى فروع حزب البعث والأمن في سوريا لأن أحد الكتب الجامعية احتوى في صفحة التعريف بتصنيفه وطباعته أنه يطبع أيضاً في تل أبيب، من بين الأماكن الأخرى التي ُطبع، ويُطبع، فيها، وبالتأكيد لم يصل تقصي فروع الأمن إلى أكثر من أن أحد أساتذة الجامعة البعثيين امتدح الكتاب وأوصى بالرجوع إليه دون أن يعرف أن اسم "تل أبيب" موجود في مكان ما، وقبل عدة أشهر استدعى فرع الأمن أستاذين جامعيين للتحقيق معهما أيضاً أحدهما كان يبحث عما إذا كان هناك نسخة من التوراة في مكتبة جامعته أو أي كتاب عن التوراة ليعود إليه، وأما الآخر فقد اختار قبل ثلاث سنوات نصاً من كتاب مقرر يحتوي ذلك النص على كلمة "يهودي".
يحفل كل منا عن موضوع العرب وإسرائيل وما يستتبعه بقصص من نوع أو آخر، تختلف قلباً وقالباً عن تلك التي تفيض بها وسائل إعلام النظام السوري. وإذ نكتب هنا عن رياء النظام في التعامل مع موضوع الصراع العربي الإسرائيلي فلا يغفلنا أن نتذكر أن هناك أعداداً كبيرة ممن كرسوا أ نفسهم كلياً وبصدق وحسن نية لهذا الموضوع بعيداً عن النفاق والخداع. على سبيل المثال، رأيت من ترك المدرسة وهو في بداية مراهقته والتحق بالفدائيين ثم عاد إلى مدرستنا بعد فترة قصيرة وقد علق الجزء الأمامي من طلقة نحاسية (الجسم المقذوف) في سلسال ووضع السلسال في رقبته مؤمناً بالطلقة كحل وعلقها على صدره وكأنها مصحف أو صليب ذهبي، جاء إلى مدرستنا ليقنعنا في التطوع مثله في العمل الفدائي وهو يحكي لنا عن البطولات والفخر(وبعد ثلاثة عقود أراه ثانية ليقول بمرارة أنه لم يكن أكثر من ألعوبة يقبض عليها ومنها مجموعة تجار). وعرفت أيضاً من كان بموقع يدرب فيه "الفدائيين" وبعد أكثر من عقدين رأيته ثانية ليقول إنه أدرك عقم ما كانوا يفعلونه ولهذا قرر (مع زملائه المدربين) إقامة حلقات الذكر وقراءة القرآن بشكل مكثف ومحاولة التخاطب مع الجان لتساعدهم الجان في العمل على إزالة إسرائيل من الوجود. ولن يفوتني أن أروي كيف أن معلماً في مدرسة ابتدائية بدأ يحكي ويحكي ويحكي، دون أن ينتهي، عن "إسرائيل" و"الكيان الصهيوني" والعالم المتآمر على العرب يغذي إسرائيل ويدعمها إلى أن التفت لتلميذ يسأل: "وكيف نخلص من إسرائيل يا أستاذ!؟" ليجيب: " يا ابني ما في حل إلا صاعقة من عند غيمة الله تنزل على إسرائيل تهفيها وتطفيها بكبارها وصغارها وأطفالها وشيبها وشيابها وتزولها عن بكرة أبيها بحجارها وترابها...".
أأذن لنفسي أن أذكر هذه الأمثلة لا حباً في السرد وإملال القارئ بقصص يبدو النفع في حشوها هنا شبه غائباً بل لأصادق مع المرحوم ونوس بما اقتبست به منه أعلاه، فاليأس مما جرى، ويجري، بين العرب وإسرائيل يتغلغل في كل مكان وفي كل نفس بيننا، و لم أختر هنا أن أتكلم عن الأموات والمعاقين والمشوهين لأن المآسي والآثار بكمها ونوعها أكبر من أن نحكي عنها هنا. اخترت هذه العينات لإظهار الجانب الآخر من اليأس. فمن أخذه الحماس والتحق بالمقاومة اكتشف أنه غامر بمستقبله كفرد ووضع نفسه في خدمة أنظمة زائفة أو مجموعات ينقصها الخبرة ـ إن لم نقل ينقصها صدق النوايا، والأنس الذي يقيم الشعائر الدينية والطقوس لن تصل جانه لتعينه على الخلاص من إسرائيل، ومن ينتظر صاعقة من عند غيمة الله لـ "تطفي وتهفي" إسرائيل سيبقى منتظراً إلى ما لانهاية، والشعب السوري بشكل عام (بما فيه المعارضة والمثقفين) سيبقى منتظراً، بعد أن أصبح الانتظار هدفاً بجد ذاته، هذا الشعب سينتظر مستمعاً لأنغام نظام البعث والأسد في التحرير والتغيير، وبالطبع لا نعرف أياً سيحرر البعث والأسد أولاً الجولان أم اسكندرون! ولا نعرف إن كان التحرير (أو سلام البعث والأسد) سيستتبع الديمقراطية وهي ـ برأي البعث وبشار الأسد ـ لا تنفع لدينا إن كانت شبيهة بالديمقراطية التي يفهمها العالم! بمقابل أوهامنا ويأسنا وانتظارنا فإن إسرائيل قائمة وتسطر النجاحات المتتالية واحداً بعد الآخر علمياً وتقانياً ومعرفياً وثقافياً(وليس فقط في مجال الـ high tech.) فتبني وتشيد العمران وتزود الأسواق العالمية بمختلف المنتجات ومواطنيها يتمتعون بالكرامة وعزة النفس والديمقراطية والحرية ولا يقبلون أن تُستلب حقوقهم تحت ذرائع الحرب (أو اللاحرب) ووجود العدو، ولديهم الجرأة الكافية والحق القانوني ليقولوا ـ حتى ـ لا للأوامر العسكرية وليمتنع البعض من جنودها وضباطها عن الخدمة في الأماكن التي يعتقدون أن لا مبرر لوجود الجيش فيها أوالتوجه لحماية المستوطنات ومنهم من يعصي الأوامر العسكرية في سياقات مشابهة دون الخوف من ذبحه وتصفيته. ويوجد فئات ناشطة بشكل ملحوظ بين الإسرائيليين تنظم حركات سلام وكي لا نفهم دوافعهم خطأً يجب أن نتذكر أنهم في موقع القوة وليس الضعف عندما ينشدون السلام.
وأما نحن المساكين في سوريا فنعيش أجواء الخوف من النظام الحاكم إن نحن تفوهنا بكلمة واحدة عما يدور بين العرب وإسرائيل إن كان ذلك لا يتوافق مع رأي الطغمة الحاكمة في دمشق بل ولا نستطيع أن نطالب بالحرية والديمقراطية أو أي حق لنا لأن النظام الحاكم لن يصنف كلامنا بالسعي لإضعاف الروح القومية فحسب بل وسيستهجن كيف لنا أن نتكلم عن الحرية والديمقراطية دون أن نتكلم عن "الصراع مع إسرائيل والعدو الصهيوني" كما فعل "الهدهد" المتصابي دائماً عبد الحليم خدام حين اتهم المثقفين أثناء ما سمي بـ "ربيع دمشق" بالصمت عن موضوع الصراع مع العدو الإسرائيلي.
بواضح العبارة، يريد منا النظام السوري أن نعيش أجواء الخوف ونتنازل حتى عن أبسط حقوقنا ونتنكر لمطالبنا بحجة وجود العدو الذي يجب أن نعيش الرعب المستمر منه. يريدون إلهاءنا بالكلام عن "إسرائيل" وعن "العدو"، ويُحرّمون علينا الكلام حتى في موضوع السلام بينما هم (أي أعضاء التشكيل الحاكم) يعلنون في المحافل الدولية أن السلام هو الخيار الاستراتيجي لهم! أكرر هنا أن النظام السوري يحرص على إشهار تعبير " العدو الإسرائيلي" في وجوهنا ليستلب حقوقنا ويلغي القوانين والأعراف الإنسانية وليستعبدنا وليسجننا وليقتلنا وليهجرنا ونحن لسنا فقط خانعين ساكتين بل ومعظمنا (الشعب والمثقفين والمعارضة) لا يجد مسلكاً خارج خطاب البعث الفاشل ويُشحن ويُعبأ و يردد وراء النظام السوري مواصفات "العدو الهمجي"، الذي لا يمتلك ثقافة ولا تاريخاً ولا حضارة، "عدو" قوامه أفراد اجتمعوا على العنصرية وقرروا ذبح العرب وإلغاء وجودهم. أتذكر هذا وأتساءل، مع غيري من المتسائلين، أما آن الأوان لنفكر بطريقة مغايرة!؟ أما آن الأوان لنخرج من قوقعة التفكير الذي يلقننا إياه النظام السوري ويبيعه أيديولوجيا عبر الكتب المدرسية والجامعية وعبر كل شيء من أن إسرائيل برمتها ليس فيها بشر؟ أما آن الأوان لتمتلك المعارضة الجرأة الكافية وتتكلم عن إسرائيل بلغة أخرى مختلفة عن لغة النظام السوري وغير تلك التي يريدنا النظام أن نتحدث بها؟ أما آن الأوان للمعارضة أن تضع تصوراتها عن السلام العادل وعن مسألة التعايش مع إسرائيل؟ أما آن الأوان لنأخذ قضية السلام بيدنا بدل من أن نتركها في أيد غير أمينة؟ أما آن الأوان لنا أن ننشد السلام العادل وندعو إلى التعايش ونحن في موقع الضعف ونعاني من الخسائر الواحدة تلو الأخرى؟ أما آن الأوان للشعب السوري والمعارضة والمثقفين في سوريا أن يتحلوا بالجرأة؟ وللتذكير هنا نوضح أن المستفيد الوحيد من السلام ـ إن وجد ـ إنما هو الشعب السوري وليس إسرائيل. إن الصورة المرسومة أيديولوجياً لهذا "العدو" تشكل خطراً علينا وحدنا كسوريين على المدى الاستراتيجي. نعم لقد أتى الإسرائيليون من مناطق مختلفة من العالم ولكن هناك الآن أجيالاً ولدت في إسرائيل وترى في هذا البلد وطناً لها، ولا تعرف غيره وطناً لها؟ هل هؤلاء مجلوبين أيضاً؟ لنتساءل بشكل متناظر (analogousy) عما كان سيحصل للملايين من السوريين خارج سورية (وبينهم خاصة من هجره البعث والأسد) لو أن العالم نظر إليهم من منظور أنهم دخلاء ولا ينتمون لا هم ولا أولادهم ولا أحفادهم إلى الدول التي يتواجدون بها وليس لهم أية حقوق!؟
النظام الحاكم في سوريا كان دائماً وعبر قنوات خاصة، منذ ما قبل انهيار الكتلة الشرقية، يعمل في السر تحديداً على ما يهمه وليس على ما فيه مصلحة الوطن. رموز النظام المشاركين سابقاً في صياغة لاءات الاستهلاك المحلي (لا صلح، لا سلام، لا تفاوض، لا اعتراف، لا...) كانوا دائماً يرتبون الأمور بما يتفق ومصلحتهم. منذ بداية تسعينات القرن الماضي ونحن نسمع أن أرباب النظام يفاوضون ويساومون ويقايضون ويدعون للتفاوض حسبما تقتضي به مصالحهم دون أن يعنوا السلام حقاً. وحافظ الأسد الذي كان يوهم الجميع أنه متشدد وحازم كان يدعو عبر قنوات سرية للتفاوض وانكشف هذا الأمر عندما تكلم عنه بنيامين نيتنياهو موضحاً أن ذلك كان يجري وعبر وساطة قطرية. وفي هذه الأيام نسمع وبشكل متواصل مرة أن بشار الأسد يريد دخول محادثات سلام مع شارون من نقطة الصفر وبدون الأتيان على ذكر "وديعة رابين" وأخرى أن بشار الأسد كان يرجو ويأمل ويتمنى لو أن الحكومة الإسرائيلية تأذن له بالتحدث إلى الكنيست الإسرائيلي، وثالثة ورابعة أن ماهر الأسد كان التقى مسؤولين إسرائيليين في الأردن قبل فترة من أجل الموضوع ذاته. ومن الأسئلة التي تكثر هنا نرسي على اثنين أولهما لمعرفة إن كان حافظ الأسد وبشار الأسد وماهر الأسد تحلوا بإرادة قول الحقيقة أمام عشرين مليون سوري وسورية (بما فيهم المعارضة والمثقفين) أن لا أمل في العمل العسكري وأنه لا بديل عن الحل السياسي؟ وثانيهما إن كان النظام السوري ممثلاً بآل الأسد حريصاً على الوطن والوطنية أكثر من الملايين من السوريين كي ينفردوا وبالخفاء في التفاوض واللقاءات والمبادرات؟ أين صوت الشعب السوري من أهم قضاياه؟ وإذا كان النظام لا يثق بوطنية الملايين من الشعب السوري ومنهم المعارضين والمثقفين فأين صوت أو دور حلفاء النظام في ما يسمى بـ "الجبهة الوطنية التقدمية"؟ بل وأين صوت أو دور حتى ما يسمى بـ "مجلس الشعب"؟ و إذ يوجد 250 عضو في مجلس الشعب المذكور (وبالرغم من أنهم من البعث أو من أصدقاء البعث أو من رضي عنهم البعث) فلا أحداً منهم يجرؤ على أن يجهر برأي يخالف رأي البعث ونظام الأسد في أهم قضية استراتيجية تتعلق بالحرب والسلم! لا يوجد عضواً واحداً يستطيع السؤال أو مكاشفة "الرئيس" بحقيقة ما يجري وحقيقة اتصالات أخيه ماهر الأسد مع الإسرائيليين !؟ لماذا هذه القضية محصورة في بشار وماهر الأسد؟ لسنا ضد السلام ولسنا ضد مبادرات السلام وليست عاراً بحد ذاتها وإنما العار هو الكذب وإخفاء ما يدور والتعامل مع الشعب ككتلة غبية لا تؤتمن.. النظام السوري لا يريدنا كشعب أن نشارك بقضية مصيرية لبلدنا مثل السلام فحسب بل ولا يريد إطلاعنا على ما يجري في الخفاء، ونحن بدورنا يجب ألا نسمح باستخدامنا لخدمة النظام الحاكم من حيث لا ندري وأن نرفض أن نعامل مثل القطيع الذي لا صوت له.
بشار الأسد لا يبحث عن السلام ولا يعنيه السلام شيئاً، إنه يبحث عن رضا الأمريكان عنه وهو في عزلة عربية ودولية. ومن الضروري هنا أن نتذكر ما وضحه شارون أكثر من مرة عندما كشف دوافع النظام السوري في الكلام عن مفاوضات السلام وأشار أن النظام السوري ليس جاهزاً للسلام ولكن أقصى ما يريده هو تخفيف الضغط الأمريكي عليه، ونصح شارون النظام السوري بحل مشاكله مع الأمريكان مباشرة ودون اعتماد أسلوب ملتو أي بالسعي لكسب الرضا الأمريكي عبر الادعاء بالرغبة في مفاوضات سلام مع إسرائيل.
يحق للشعب السوري أن يُسمع صوته المستقل عن النظام برغبته في السلام العادل، ولكن للأسف لا يوجد لدى المعارضة رأياً مختلفاً عن رأي النظام ولا يوجد لدى المثقفين السوريين أية جرأة لطرح آراء مغايرة. الجميع صامت في موضوع السلام ولا يجرؤ أحد على طرح مشروع سلمي يلاقي حركة السلام الإسرائيلية. إن الوطن بحاجة لاستراتيجية أخرى مختلفة عن تلك التي ينطقها دون أن يعيها أو يعنيها بشار الأسد وفاروق الشرع. فلماذا لا يوجد في سورية "حركة سلام" مستقلة عن النظام قوامها من المثقفين والمعارضة ولها الجرأة لتمد يدها لحركة السلام الإسرائيلية وتشاركها بنظرتها في حل سلمي جوهره قيام دولة فلسطينية وإرجاع الجولان إلى سوريا والاعتراف بالآخر؟ حركة سلام مطلوبة لدينا في سوريا ويجب أن تتصل بحركة السلام الإسرائيلية من أجل كشف زيف أعداء السلام والتعايش ومواجهتهم بزيف ادعاءاتهم عندما يأتي الأمر إلى العمل الحثيث والحقيقي من أجل السلام العادل والدائم.
أدرك أن لهذا الموضوع حساسية خاصة لما فيه من خرق لما هو سائد ومألوف، وأدرك أيضاً أن هناك من سيحاول إيجاد النعوت التي تخدمه لدمغ المناداة بالسلام بصفة العمالة والخيانة واللاوطنية والأحلام الوردية عن إسرائيل وأمريكا إلخ ولكن كل هذا لا يهم ما دمت أعتقد أن السلام والوطنية لا يتعارضان أو يتنافران أو أن السلام يلغي الوطنية وما دمت أدرك أن في السلام مصلحة حقيقية للشعب السوري.
ليست خيانة ولا عاراً أن ندعو إلى السلام كشعب، ومن الضروري أن نتذكر أنه حتى بين الفلسطينيين أنفسهم ومنذ سنوات هناك حركة سلام، ودعاة سلام خارج التصورات القومية عن الحل. بل وإن الكثير من الفلسطينيين قد غيروا لهجتهم حيال إسرائيل والإسرائيلي. وحتى المقدسي الراحل فيصل الحسيني قالها قبل بضعة سنوات بالفم العريض أثناء مقابلة تلفزيونية (أجراها معه تيم سيباستيان من البي بي سي) إنه راجع ذاته ومفاهيمه عندما شاهد الإسرائيلي وجهاً لوجه ليرى فيه إنساناً مثله بهموم وآمال وآلام وليس كما صُوِّر عن بعد .. وأضاف في نفس المقابلة أنه تعلم من الإسرائيليين أسلوب الاحتجاج والتظاهر. وليس الحسيني هو الفلسطيني الأول ولن يكون الأخير الذي يتعامل مع الأمر بعقل وحكمة، والأمثلة كثيرة.
ختاماً، وكي لا أظلم المثقفين والمعارضة، أتساءل عما سيحدث لو أننا في سوريا أعلنا عن تأسيس حركة سلام ودعينا إلى تجمع في إحدى ساحات دمشق ورفعنا شعاراتنا المستقلة فكم ثانية سنبقى بعد ذلك قبل أن يختطفنا النظام السوري ويضعنا في السجن وربما سنلاقي الإعدام بتهمة الخيانة الوطنية والقومية؟! ونقول ذلك مستقين من الأمثلة الحديثة التي دلت أن أنياب هذا النظام تستخدم بأعنف ما يمكن عند الاعتصام حتى لأبسط الأمور مثل رفع حالة الطوارئ عن الشعب السوري أو أثناء أكثر من اعتصام آخر، فكيف إذا تعلق الأمر بكبرى المحرمات!؟

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط