محمود كرم / Aug 07, 2006

هناكَ فترات يضطر فيها الواحد للانقطاع عن القراءة والكتابة رغماً عنه ولأسباب كثيرة، بعضها قد يكون معروفاً وبعضها الآخر قد يكون مجهولا..

 

أتذكر تحديداً الفترة التي كنا فيها تحت الاحتلال الصدامي والتي دامت سبعة أشهر متواصلة، لم أنصرف فيها إلى القراءة والكتابة بشكل منتظم، ولم أكن أشعر بأية رغبة في ممارسة هذا الهوس المغري لكل ما له علاقة بالعقل والوجدان والاشتهاء الثقافي، فلم نكن نحسن سوى قراءة حالاتنا الداخلية ومعدلات انخفاض وارتفاع أمزجتنا، وقراءة وجوهنا المتلعثمة في مسارب المجهول، وقراءة الغد وما بعد الغد الذي كان يتلفع بالضبابية وفي أحيان كثيرة بالعتمة الحالكة، وقراءة الخوف والهلع اللذين كانا يلتهمان بشراسةٍ ونهم مساحات واسعة من عيون أطفالنا الصغار، فكانت القراءة محصورة في هذه الفسحات المحشورة قسراً في الزوايا المدببة والأليمة والقاتمة والمعتمة..

 

وبما أن مَن لا يقرأ فإنه في المقابل لضرورة تلازم المسارين لا يستطيع الكتابة، ولذلك كان من الطبيعي أن أبتعد عن الكتابة مكتفياً بتلك القراءات الميدانية والتي هي بمثابة الكتابة ولكن بشكل آخر على حد قول (رولان بارت): القاريء كاتبٌ بدوره..

 

ولا أعرف تحديداً لماذا في تلك الفترة انصرفتُ بشكل كامل لقراءة دواوين الشعر فقط ولا شيء آخر غيرها، وكنت أجد متعة كبيرة في قراءة الأشعار والقصائد التي كانت تحتويها مكتبتي المتواضعة، ربما لأني كنت أجد فيها متنفساً وجدانياً من الشعور بالاحباطات واضطرابات المعادلة النفسية، وربما لأنها كانت تأخذني إلى عالم يلتحم سلكياً بعالم التخيلات والخيالات بعيداً عن عالم الواقع الأليم الذي ما نلبث أن نصحو عليه بمجرد أن نعود اجبارياً إلى متابعة شاشة الدراما التراجيدية..

 

أتذكر كل ذلك الآن، ونحن نتابع بقلق وأسى الحرب المجنونة بين إسرائيل الهمجية وجماعة وحزب الله، ولابد أن أعترف أني أشعر بالنفور حينما أقرن اسم (الله) بحزب السيد حسن نصر الله، لسبب قاطع، وذلك لأن اسم (الله) أصبح استثماراً مربحاً في سوق البيع والشراء لجماعات الإسلام السياسي، وأرجوهم أن يتركوا (الله) في ملكوته الرحيم بدلاً من اقحامه دعائياً وسياسياً في مشاريعهم الجنونية وأدبياتهم الأصولية..

 

ومنذ أن بدأت هذه الحرب، أخذتْ تقضم بشراسة جلّ أوقاتنا في متابعة أخبارها المأساوية وصورها التراجيدية وتُلقي بأثقالها الكئيبة على قلب كل محبٍ لبلد الجمال والثقافة والحرية لبنان، الذي أصبح منكوباً بسفالة البشر المجانين المتكسبين من جراحات اللبنانيين وأحزانهم وبنيران إسرائيل الفتاكة التي ضربت كل شيء هناك بوحشية وهمجية، وأصبح الكتاب الوحيد الذي يأخذ كل وقتنا لقراءته، كتاب لبنان الدامي المضرج في ساحات المقايضة والمتاجرة الشعاراتية المفضوحة والتحشيد البلاغي المتكاذب على الحقيقة، وعدنا لقراءة الشرر المتطاير من هذه الحرب اللعينة والتي لا علاقة لها بإنسانية الإنسان، بل تنحاز بشدة وجنون للعنف الكريه الذي يتولد في النفسيات المريضة ويتفاقم تبعاً لذلك، وتصبح تطبيقاً غبياً للأيديولوجيات الشمولية الخانقة، وتصبح ساحةً نموذجية لعقد الصفقات الإقليمية والدولية..

 

في وقت الحروب تكون اللحظة الإنسانية متعلثمة بالعتمة القاسية، لا تجيد التحليق في صفاء ذهني، بل تتلفع بالمأساة والخوف والقلق، فهي لحظة قاتلة لكل ما له علاقة بالحياة الطبيعية السوية، تنهش في التفكير وتقضم من القلب، وتنتزع من الروح بهجة الفرح، وتعربد في الوقت الممل الموحش، فكيف يمكن لنا أن نواجه الحرب بالقراءة أو الكتابة فلا يمكن أن يحدث ذلك إلا بعد أن تتخلق في زوايا الروح أصداء هذه اللحظات الموجعة وليس سوى الصمت لغةً بليغة الآن في هذا الاحتراق المأساوي..

 

وأجزم أن شاعرات وشعراء لبنان لم يكتبوا ألماً يدون هذه اللحظات حتى هذه الساعة، فألمهم وحزنهم على دماء أطفالهم وضحاياهم وعلى دموع أمهاتهم وأخوتهم وعلى جراحات وطنهم الجميل لم يزل في رحم الصمت منتظراً انسكابه الموجع في أطراف الذاكرة وفي حنايا الروح وفي جنبات الوجدان..

 

كيف نجد طريقنا إلى القراءة التي لا تتنفس إلا في أجواء الهدوء الداخلي وتنمو في مربعات الذهن المتقد بالصفاء، ولا تثمر إلا في أوقات الانسجام الذاتي، فلم يعد شيء يحرضنا على القراءة سوى قراءة صور الدمار والمذابح، وقراءة أبجديات اللحظات المكتظة بالألم والحزن والتشريد، ونحن نقرأ كل ذلك كيف نستطيع أن نعيد التوازن إلى معادلتنا الوجدانية والثقافية بين لبنان اللحظة المأساوية ولبنان الوطن الأجمل، بين لبنان المضرج بالقتل منذ سنوات طويلة ولبنان المستريح من أنات أحزانه العظيمة، بين لبنان الأحلام المؤجلة ولبنان الحلم الشاخص بمعزوفات الجمال والمنارات المشعة..

محمود كرم، كاتب كويتي  tloo1@hotmail.com

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط