د. أكرم شلغين / Oct 21, 2004

ترجمة بتصرف لنص رسالة الاستياء الموجهة لجامعة روما الأولى:

السيد الأستاذ Prof. Paolo Matthiae باولو ماتيبه قسم الآداب
السيد الأستاذ Prof. Roberto Antonelli عميد كلية العلوم الإنسانية
السيد الأستاذ Prof. Joseph Di Ascenzo رئيس جامعة روما الأولى
جامعة روما الأولى (لا سابينزا)

السادة الأساتذة:
أكتب إليكم لأعبر عن استيائي واستياء الكثير من السوريين من قراركم بمنح شهادة الدكتوراه الفخرية لأسماء الأسد زوجة بشار الأسد عن "إيبلا" وحضارتها..
حين قرأت ما نقلته الصحف العربية أن جامعتكم قررت منح أسما الأسد زوجة بشار الأسد شهادة الدكتوراه الفخرية صعقت مثل بقية السوريين ولكنني واسيت نفسي بأن ذلك الخبر قد يكون بلا أساس وربما هو فبركة صحفي ما مأجور من قبل النظام السوري، ولكن الصدمة كانت مضاعفة عندما تأكدت من ذلك بنفسي حين قرأت الخبر في صفحة جامعتكم على الانترنت بل وشعرت بالاضطهاد المضاعف: مرة من النظام الديكتاتوري الحاكم في سورية و أخرى من مؤسستكم الأكاديمية. ولهذا أكتب إليكم للتعبير عن الامتعاض من قراركم الذي أراه غريباً على مهام وسمعة مؤسسة أكاديمية لا يوجد ما يضطرها لمثل هذا القرار.
وإن كنت أكتب لكم كفرد إلا أن ما أكتبه لكم هو بكل تأكيد محاولة لتسطير مشاعر الملايين من السوريين الذين لم يكتبوا لكم لأسباب كثيرة منها الخوف من القتل والتصفية الجسدية على يد عصابات العائلة التي تمنحون واحداً من أفرادها شهادة الدكتوراه الفخرية.

 

لا أنطق بالجديد إذ أقول إن منح شهادة دكتوراه فخرية هو عمل رمزي ولا يثمر بأية استحقاقات قانونية للجهة الممنوحة لها وهكذا قرار ليس جديداً على جامعات العالم، ولكن الغريب حقاً في قراركم هو المدلولات السياسية الصرفة وراء هوية وسوية من اخترتموها للتكريم. لا أدري ما الذي فعلته أسما الأسد في مجال عمل بعثتكم في "إيبلا" كي تستحق تقديركم، خاصة وأن بحث وتنقيب جامعتكم في إيبلا يمتد أربعين عاما إلى الوراء أي قبل انقلاب الديكتاتور الدموي حافظ الأسد مورث الرئاسة لزوج أسما الأسد بل حتى قبل أن تولد هذه المرأة ؟ وبتكريم هذه المرأة فإنكم تقدمون الدعم المعنوي للنظام السوري القمعي الإرهابي. إضافة لما ذكرناه، فإن أبعاد قراركم هذا لا تنحصر في اختزال تاريخنا وجغرافيتنا وتراثنا إلى عائلة الديكتاتور بل وتمتد أيضاً لتنال السمعة والمكانة الأكاديمية لجامعتكم.

 

إنني متأكد من أن معلوماتكم وفيرة عن تاريخ سوريا القديم، ولكنني لا أعرف مدى إلمامكم بما آلت إليه سوريا الآن أو ماذا يحدث بها في الوقت الحاضر! ودافعي في هذا التساؤل مشروع إذ لا يعقل أن تكون مؤسسة أكاديمية على اطلاع بما يجري في سورية وتتخذ مثل قراركم المذكور أعلاه. لا أريد لكم مكروهاً ولا أريدكم أن تصابوا بالغثيان والذهول ولهذا لن أتحدث بأي تفصيل عن جرائم النظام السوري الذي يلقى حفاوتكم ، بل أقول إن كل ما عليكم هو الرجوع إلى تقارير منظمات حقوق الإنسان العالمية والعربية للتعرف على جزء يسير من ممارسات وأساليب النظام السوري في المجازر الجماعية والقتل والتعذيب والتدمير والتنكيل والتهجير والحرمان والاعتقال السياسي حتى للأطفال. عشرات الآلاف من السوريين قتلوا على أيدي نظام الأسد في حماه وحلب ودمشق واللاذقية وجسر الشغور وغيرها من المدن السورية، لا نرى تفسيراً لتكريمكم للنظام السوري عن التاريخ والحضارات القديمة وقد أراق دماء عشرات الآلاف من السوريين في تدمر التي أصبحت في ظل نظام الأسد مرتبطة في أذهان السوريين والعرب بسجنها سيء الصيت وبالدم والغدر وليس بتاريخها.

نريد أن نذكركم أننا خلافكم لا نستطيع التعبير عن آرائنا ولا نستطيع انتخاب حكامنا، فأنتم ـ وبغض النظر عما إذا كنتم صوتم لبيرلسكوني أم لا ! ـ لديكم رئيس وزراء منتخب. أما نحن فلم ننتخب زوج من تكرمونها وتلقبونها بـ"السيدة الأولى" (كما هو مكتوب في موقعكم على الإنترنت). هل تعرفون أن الفستان الذي تلبسه أسماء الأخرس مغمس بدم ودموع الملايين من السوريين؟ هل تعرفون أن الضحكة التي ترونها على وجه أسماء الأخرس موجودة على أنقاض الدمار والخراب والحزن والبكاء والحرمان في بيوت السوريين؟ هل تعرفون أن ضحكتها قائمة على سرقة الابتسامة من عيون أطفال بلادي؟ لا أدري إن كنتم تعرفون عدد المهجرين من السوريين في الخارج؟ لا نعتقد أنكم تريدون أن تروا مزيداً من جثث المهاجرين السوريين الفارين من البطش والقمع وقد حملها البحر لتطفو على شواطئكم وتذكركم بالنتائج المباشرة وغير المباشرة لعملكم بتشجيع الديكتاتورية في سورية؟ لعل هذه الجثث تستحثكم لما يجب على الإنسان أن يفعله لأخيه الإنسان المظلوم والمضطهد في العالم؟

لو أن جهة سياسية إيطالية ما أرادت أن تكرم النظام السوري لما أعطينا للخبر هذا الإهتمام، بالرغم من مضاضته لنا، ولكننا لا نستطيع إلا أن نعبر عن استيائنا عندما يأتي ذلك من مؤسسة أكاديمية. نتمنى أن تبقى السمة الأكاديمية والبحث العلمي هي المسيطرة على سمعة جامعتكم بدلاً من أن تتلطخ بتوزيع شهادات الدكتوراه الفخرية المدموغة بطابع سياسي على زوجة وكنة الديكتاتور (وربما أم الديكتاتور القادم إذا استمر دعمكم المادي والمعنوي للنظام السوري!). إن هذا الحدث حسب قناعتنا لا يليق بكم وبجامعتكم، بل أكثر إننا نستغرب أن تمنح مؤسستكم الأكاديمية شهادة دكتوراه لأسماء الأسد في الوقت الذي يهجر به النظام السوري زملاءكم الأكاديميين من سورية ويسجن فيه نظام الأسد زميل لكم في عالم الأكاديميا هو البروفيسور عارف دليلة بسبب رأيه ضارباً عرض الحائط بكل القيم الإنسانية والحقوقية!

انظروا http://www.rezgar.com/camp/i.asp؟id=24

عندما منحت أكثر من جامعة في أوربا شهادة الدكتوراه الفخرية لنيلسون مانديلا اعتمرنا جميعاً الفرح أن المؤسسات الأكاديمية في أوربا محبة للسلام والحرية وضد الفصل والتفرقة والتمييز... ولكن أسألكم كيف كان العالم سيستقبل الحدث لو أن الشهادة ذهبت لمهندسي نظام الأبارتايد  apartheid  

أنتم لا تعرفون كم هو ثقيل وقع مثل هذا الخبر على السوري ولا تعرفون المقاربات والمفارقات التي تدور في أذهاننا جراء قراركم هذا، وردة فعل السوري على هذا الخبر هي ليست أقل صدمة من ردة فعل الإيطالي ـ والأوربي بشكل عام ـ فيما لو منحت جائزة السلام لأدولف هتلر.

كنا نتمنى عدم المضي بتنفيذ هذا الحدث احتراماً إن لم يكن لعشرين مليون سوري فليكن للقيم التي تمثلها المؤسسات الأكاديمية في إيطاليا، احتراماً لسمعتكم. الديكتاتور سيرحل و سوريا ستبقى ، الأسد وعائلته سيقتلعون عاجلاً أم آجلاً وستبقى عشرات الملايين من السوريين الذين اضطهدوا على يد من تمنحونهم هذه الشهادة، وستبقى فعلتكم هذه لطخة في سمعة جامعتكم و لن يغتفرها لكم التاريخ ولا الأجيال.
مع الأمنيات.

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط