عمران سلمان / Mar 31, 2007

قطر "الجزيرة" تنتقد العالم كله وتعجز عن تحمل آراء مواطنيها

 

قطر التي تملك قناة الجزيرة صاحبة شعار "الرأي والرأي الآخر"، والتي تستضيف على مدار العام مؤتمرات وندوات الحوار بين الأديان والطوائف المختلفة، لم تتحمل رأيا مخالفا من مواطن قطري كتب ينتقد بعض الممارسات الخاطئة في قناة الجزيرة ويتحدث عن الإصلاح الإداري ومحاربة الفساد وتحصين المؤسسات الوطنية بالكفاءات المؤهلة.

 

في بداية شهر مارس/آذار 2007 قامت الحكومة القطرية بتجريد الإعلامي والكاتب الصحفي ذي التوجهات الليبرالية د. أحمد عبد الملك من وظيفته مستشارا في المجلس الوطني للثقافة والفنون.

 

وفي 18 من الشهر نفسه قامت بمنعه من الكتابة في صحيفة الراية القطرية، ومنع نشر أي مقالات تحتج على هذا القرار، حيث  فوجئت الكاتبة القطرية نورة أل سعد برفض جريدة الراية نشر مقال كتبته تضامنا مع الدكتور عبد الملك. وطرح المقال تساؤلات حول عدم  قانونية إحالة الدكتور عبد الملك دون أسباب إلى البند المذكور تمهيداً للتقاعد.

 

أسباب انزعاج الحكومة القطرية

الحكومة القطرية لم تقدم أية أسباب في الحالتين، التجريد من المنصب والمنع من نشر المقالات، لكن الأوساط القريبة من عبد الملك ترجح أن تكون المقالات الأخيرة التي نشرها في الصحف القطرية هي السبب.

 

ففي 5/2/2007 كتب عبد الملك مقالا في صحيفة الراية القطرية بعنوان "القطريون يحتاجون إلى كفيل للدخول إلى جزرهم" يتساءل فيه عن سبب إستبعاد القطريين من العمل في قناة الجزيرة.

 

ورغم أنه لم يذكر القناة بالاسم، لكنه اشار إليها بوضوح، حيث يقول : "القطريون مسموح لهم بالتجوال في جزرهم الطبيعية وعلى كافة ترابهم الوطني دون جواز سفر، ودون الحاجة إلى كفيل أجنبي يختم لهم أوراقهم الثبوتية، لأن التجوال داخل الوطن أمر من أمور المواطنة والسيادة..  لكننا نحتاج إلى كفيل عندما نريد دخول إحدى الجزر الجديدة التي أوجدتها الدولة منذ العام 1996!".

 

ويورد عبد الملك حالة "فتاة قطرية كانت تعمل في قناة الجزيرة لفترة تقارب العشر سنوات.. وقد أثبتت وجودها ونجاحها.. ضايقتها إحدى العاملات العربيات، وأجبرتها على الاستقالة، وقد حاولت مقابلة المدير العام للقناة لمدة تزيد على الثلاثة شهور دون جدوى"، ويضيف أن " فقائمقام الجزيرة الذي انتفخ لدرجة الغرور لم يسمح وقته الثمين لسماع قضية ظلم وقعت على موظفة في نطاق حكمه العادل والوضاح".

 

كما يذكر الكاتب القطري حالة أخرى عن "مجموعة من الشباب القطريين اشتكوا ضد مدير أحدى القنوات التابعة للجزيرة (الجزيرة الرياضية)، بأنه يحابي البعض العربي، ويضايق القطريين. وظهر الموضوع في وسائل الإعلام. لكن الوضع استمر كما هو ضمن قوانين الجزيرة".

   

 وينهي عبد الملك مقاله بالمطالبة بلجنة تقصي الحقائق لدراسة أوضاع القطريين في شبكة قناة الجزيرة قائلا: "نحن نحتاج إلى لجنة تقصي الحقائق في أمر معاملة القطري داخل جزره المحتلة! نعم نحن نحتاج إلي فتح ملف قضية الجزر ونتحدث بصراحة العلم وعلم الصراحة، حول طبيعة إدارة هذه الجزر التي بدأت روائح خبيثة تخرج منها.. وتؤثر على كامل البيئة في الدولة".

 

وفي مقال آخر بعنوان "أموال النفط والعبث الفضائي" نشر في 22 فبراير، تسائل أحمد عبد الملك عن سبب إنفاق الأموال الطائلة من عائدات النفط على بعض الفضائيات الخليجية (في إشارة إلى قناة الجزيرة الاكثر صرفا وبذخا)، ويضيف "أما الإشكالية الكبرى في الفضائيات فهي الصرف غير المحدود على البرامج، فلقد استقطبت بعض الفضائيات العربية أصحاب مؤسسات إعلامية في الخارج، وذلك لضرورات مصالحية، حيث فرض هؤلاء أن تكون المواد التي تنتجها شركاتهم مُمولاً رئيسياً لبرامج تلك القنوات، وصارت البرامج والتقارير تترى. فمن تقرير تُدفع لصاحبه ألفا دولار، إلى تقرير تُدفع لصاحبه 5 آلاف يورو".

 

ويقول "فبالله عليكم، كم تقريراً تحتاجه محطة من المحطات في اليوم؟ هل نفترض أنها تحتاج عشرة تقارير - غير إخبارية- وإذا ما ضربنا الـ10 تقارير في 5 آلاف يورو، فإن النتائج ستكون 50 ألف يورو (أي 235.000 ريال) فقط لتقارير عادية جداً عن الحياة والتجميل والأناقة)".

 

ويورد "هل من المعقول أن تفتح خزائن النفط لمثل تلك التقارير لأن موظفاً كبيراً (وافداً) يمتلك شركة إنتاج في عاصمة أوروبية؟ وهل هذا الموظف يمكن أن يكون "فلتة" زمانه، بحيث تتحمل المحطة تكاليف شركته وتمويلها إضافة إلى راتبه الشهري الذي يزيد على رواتب أربعة من أصحاب الخبرة التي لا تقل عن 30 عاماً في مجال الإعلام؟".

 

ويضيف "وعلى الجانب الآخر، ما هو العائد المأمول من صرف كل تلك الأموال؟ هل قامت جهة محايدة بتقييم البث الفضائي لتلك المحطات؟ هل قامت جهة بمتابعة فواتير تلك الشركات التي تضع الرقم الأعلى، وليتم تمرير تلك الفواتير (كرمال عيون صاحب الشركة)!"

 

 وآخر مقال كتبه د. أحمد عبد الملك في صحيفة الراية القطرية كان بعنوان "الكتابة عن الحق.. واجب وطني وغلاسنوست حضاري" ونشر في 1 مارس/ آذار، ونعنقد أنه القشة التي قصمت ظهر البعير مع السلطات القطرية، ففي هذا المقال بدأ باستعراض مواد من ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وقارنها بمواد متطابقة في الدستور القطري، تدعو إلى المساواة وتكافؤ الفرص وحرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة والنشر.

 

وقال معلقا "نلاحظ في كل تلك المواد- الدولية والمحلية- ما يدعم حق الإنسان في العمل دون تمييز .. وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص، وأن يتم استغلال ثروات البلاد الطبيعية الاستغلال الأمثل، ..  وكفالة حرية الرأي وحرية الصحافة .. فتناول قضايا الفساد الإداري من الواجبات الأساسية لكل صاحب قلم، وأن الأقلام المداحة لا تكسب احترام القارىء على الدوام، وهي أقلام لا تفيد المجتمع، بل إن مثل هذه الأقلام تسيء إلى المجتمع وإلى الحكومة".

 

وأضاف محرضا رؤساء تحرير الصحف القطرية على التضحية بمناصبهم في سبيل قول الحقيقة "الغلاسنوست تقتضي أن تكون الصحافة أكثر تعبيراً عن قضايا المجتمع، وأن يتفهم القائمون على الصحافة دور الصحافة الأسمى، ويدعمون ضميرهم المهني.. وإن طار بعضهم- فكم من رؤساء التحرير طاروا لأنهم أصحاب مواقف، ورفضوا تأجير أقلامهم لطوارق الليل! فَلْيَطُرْ ثلاثة أو أربعة أو ستة، المهم أن يتوالى إبراز الحقيقة وتقوم الصحافة بواجبها الأساسي في تنوير المجتمع وخدمة الصالح العام. والذين يطيرون بكرامتهم خير ألف مرة لهم ولذويهم، من الذين يبقون صاغرين للهاتف الأحمر الذي يهددهم بالقذف خارج المكتب المطهم!!".

 

وقال عبد الملك موجها حديثه للحكومة "إن إيقاف مقال هنا، أو تكبيل رأي هناك، لن يوقف كرة الثلج من التدحرج، ولن يحد من كشف زيف الممارسات الخاطئة، أو قيام مؤسسة أو أكثر بالإجتراء على حقوق المواطنين، أو القفز فوق القوانين في غفلة من التاريخ، أو إهتياج بالنشوة أو الانتصار المرحلي المؤقت".

 

الرأي والرأي الآخر!؟

ورغم جدية وحساسية القضايا التي أثارها زميلنا د. أحمد عبدالملك، إلا أنها لا تعادل شيئا إذا قيست بحجم النقد والضرب تحت الحزام الذي تمارسه قطر وقناة الجزيرة ضد الحكومات العربية والاجنبية.

 

ومع ذلك لم تتحمل الحكومة القطرية، انتقاداته وسارعت إلى إسكات صوته، رغم أنه لم يفعل سوى ممارسة حقه الطبيعي بموجب الدستور القطري والقوانين الدولية .. وبالطبع لم تبث قناة الجزيرة هذا الخبر الذي لو حدث في أي مكان آخر في العالم لوجدت من يكتب تقريرا عنه.

 

إن السؤال الذي نعيد طرحه هنا هو لماذا عجزت الحكومة القطرية عن تحمل رأي عبد الملك، وهل يعني ذلك زيف الشعار الذي ترفعه قناة الجزيرة "الرأي والرأي الآخر"، أم أن هذا الشعار مقصود به الخارج فقط؛ وهو لا ينطبق على الداخل القطري؟

 

إن مصداقية الحرية التي تمارسها وسائل الإعلام هي في مدى قدرتها على معالجة وتناول القضايا الداخلية بالأساس، وليس الاكتفاء بمهاجمة الدول الأخرى، ومعاقبة الكتاب والمثقفين القطريين على  آرائهم ومواقفهم، من شأنها أن تشكك فحسب في صدقية الشعارات المرفوعة. 

________________

عمران سلمان، رئيس تحرير موقع آفاق 

editor@aafaq.org

اقرأ أيضا

لماذا أوضاع القطريين في "جزيرتهم" بائسة مثل أحوال "الهنود الحُمر"؟

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط