حسين ديبان / Jan 02, 2006

لا جديد يذكر ولا شيء يدعو للغرابة فيما ماقاله نائب الرئيس السوري الأسبق عبد الحليم خدام في لقائه مع فضائية العربية، فالشعب السوري بكافة فئاته وشرائحه يعلم حجم الفساد والإفساد الذي وصلت اليه سورية بفضل رموز النظام المتسلط على رقاب السوريين منذ أكثر من أربعين عاما وعلى رأسهم هذا الخدام وأبناؤه الذي يتحدث اليوم عن الفساد وكأنه شريف مكة. إنّ الشعب السوري هو الذي عانى لا غيره من القتل والقمع وغياب الحريات وظلام الزنازين، وقدم خيرة أبنائه ومازال، وكان السيد خدام عنصرا رئيسيا في إنتاج تلك السياسة القمعية.  لا أحد من الشعب السوري ينسى محاضرته الشهيرة في جامعة دمشق التي أجهض من خلالها ربيع دمشق المولود حديثا، متهما أبناء سوريا الأحرار بالعمالة والخيانة، ومحاولة تقسيم الوطن وبأنهم تجاوزوا كل الخطوط الحمر؛ تلك الخطوط الحمر التي لم سوى جرأة أبناء سوريا في الحديث عما تحدث به خدام لفضائية العربية ولكن بدون استثناء شخصه غير الكريم!  

 

لقد سبق وكتبت مقالا بعنوان (من الذي تجاوز الخطوط الحمر يا نائب الرئيس) نشر في عدد من الصحف العربية التي تصدر في استراليا حيث كنت في ذلك الوقت أوائل عام 2001؛ وكان المقال ردا على تلك المحاضرة القمعية الإستئصالية. وها هو السيد خدام يأتي اليوم ليتحفنا بحديث "ليبرالي جدا" عن الديقراطية الغائبة وتمركز السلطات وغياب العدالة الإجتماعية.  إنه آخر شخص في الوطن العربي ـ على الأقل بعد سقوط رموز نظام بغداد ـ يحق له التحدث بهذا المنطق الليبرالي؛ إنه شيخ كار الفساد والمفسدين؛ إنه علي بابا وليس الآخرون سوى التلاميذ الأربعين؛ إنه رمز أصيل من رموز القمع والاضطهاد والتعسف التي لحقت بسوريا وأبنائها.

 

لكن الغريب في الأمر والذي لم يتحدث عنه أحد، هو هذا الدور الفرنسي المشبوه الذي تقوم به السلطات الفرنسية، جاعلة فرنسا مأوى لأمثال هذا اللص القاتل، يسرحون ويمرحون ويتاجرون بالوطنية والأوطان؛ يترفهون بأموال شعوبهم التي نهبوها طيلة تواجدهم في السلطة. هل السلطات الفرنسية حقاً غافلة عما فعله الخدام وأبناؤه ومن قبله رفعت الأسد وأبناؤه وكثير غيرهم من المسؤولين العرب والأفارقة وبقية بلدان العالم الثالث..

 

كيف تقبل السلطات الفرنسية على نفسها أن يعيش على أراضيها وفي حماها قاتل ولص مثل رفعت الأسد، وكيف يقبل الشعب الفرنسي على نفسه أن يستفيد من أموال الشعب السوري المنهوبة والتي تحولت في فرنسا الى استثمارات على شكل فنادق وأنفاق ضخمة ومشاريع سياحية وأموال سائلة يستفيد منها الشعب الفرنسي وبشكل مباشر؟

 

كيف تقبل تلك السلطات ومن خلفها الشعب الفرنسي على انفسهم أن يساهموا في إحضار أبناء هذا الخدام وعائلاتهم ليعيشوا في فرنسا، وهم المسؤولون الأكيدون عن دفن النفايات النووية في الأراضي السورية وما نتج وما سينتج عن ذلك من آثار مدمرة وأمراض خطيرة على أبناء سوريا ستستمرعشرات السنين؟ هذا، دون أن اتهم فرنسا بأنها دولة المنشأ لتلك النفايات لأن دولة المنشأ مازالت مجهولة!

 

إن فرنسا اليوم هي المدانة قبل غيرها، قبل هؤلاء الفاسدين عن جزء رئيسي وكبير مما جرى ويجري، فما كان يجدر بالبنوك الفرنسية أن تكون المكان الذي يضع هؤلاء اللصوص الأموال التي نهبوها من خيرات بلادهم، وهم ـ أي الفرنسيون ـ الذين يفخرون ويتغنون صباح مساء بنظافة اليد الفرنسية وحرصها على خيرات الشعوب ووقوفها الى جانبهم ضد الفاسدين واللصوص. لقد كان على الشعب الفرنسي أن يأبى الاستفادة من تلك الأموال بأي شكل كان، ومنها تلك المليارات الخمس والعشرين التي تتحرك الآن في البنوك الفرنسية والمسجلة بأسماء مسؤولين سوريين مازالوا يمارسون مسؤولياتهم حتى اليوم كجزء من النظام السوري الفاسد، وهذه هي الحقيقة التي ذكرها خبير فرنسي قبل اسبوعين.

 

كان على فرنسا ألا تشوه صورتها وسمعتها من خلال تأمين الأمن والأمان لهؤلاء القتلة واللصوص وعائلاتهم، وهي ان فعلت ـ ولازالت تفعل ـ ذلك فلن تكون الا بمنزلة حامي اللصوص والقتلة.

 

ان المفروض والواجب على فرنسا انسانيا وأخلاقيا أن تتوقف عن استقبالها وترحيبها بهؤلاء، وعلى البنوك الفرنسية أن ترفض أن تكون حاضنا لأموال الشعوب المنهوبة، وأن تستفيد من عوائد تلك الأموال. وعلى فرنسا قبل ذلك كله، أن تجمد الأموال الحالية وأن تضع رموز الفساد والاجرام المتواجدين على أراضيها تحت الرقابة المشددة، ريثما تتغير الأمور في البلدان التي قدموا منها باتجاه اقامة أنظمة ديمقراطية يسودها القانون ويكون فيها الشعب هو مركز السلطات. آنذاك سيكون من واجب الحكومة الفرنسية أن تعيد تلك الأموال ليستفيد منها أصحابها الحقيقيون، وأن تقوم بتسليم اللصوص المجرمين لتتم محاكمتهم عما اقترفته ايديهم بحق شعوبهم

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط