سهيل أحمد بهجت / Mar 26, 2010

حقيقة كان تقدم البعث وأزلامه في الانتخابات الأخيرة وبقيادة عضو القيادة القومية أياد علاوي صدمة حقيقية للمشهد السياسي العراقي، خصوصا وأن قائمته تضم وجوها بعثية لا تبتسم أبدا منذ إسقاط البعث مثل عدنان الجنابي ونبيل محمد سليم وسلمان الجميلي الذي عزّى الإرهابيين بمقتل الزرقاوي المجرم، ومهما قيل عن التزوير فالأرجح أن ما تم التلاعب به لا يمكن أن يخل كثيرا بموازين القوى بين هذه الكتل والأحزاب، لكن هنا وجدتني مهتما بأسباب ضعف الائتلافين الذين يقودهما المالكي والحكيم، فطوال السنوات الماضية طغى الخطاب الدّيني على مجمل لغة الائتلاف العراقي وفي وقتٍ كان المواطن العراقي ـ في الجنوب على وجه الخصوص ـ يعاني من الفاقة والحرمان والافتقار للخدمات والحياة الكريمة، كان قادة الائتلاف مشغولين بأوهام الخطاب الإسلامي وخرافة الأمة الإسلامية و"تحرير فلسطين" و"القدس" ومحاسبة مثال الآلوسي بسبب زيارته لإسرائيل، كل هذه المواقف صبّت في صالح الخطاب البعثي الذي يتبنى ذات المصطلحات من قبيل "مقاومة الاحتلال والاستعمار" و"هوية العراق العربية" وأن العراق ـ جزء من أمة عربية.. إلخ


هذه الانتخابات أظهرت لنا بوضوح لا يقبل الشك أن السياسات المتناقضة وضبابية الخطاب الائتلافي هي التي أدت إلى تصاعد كتلة بعثية لا شك في انتمائها العنصري والطائفي، فالمجلس الإسلامي الأعلى وبدلا من أن يقوم بتجديد وتغيير قيادته وبرامجه، أبقى السلطة في يد آل الحكيم وعلى نحو وراثي، ونحن في مجتمع يعاني من داء التوريث منذ أيام بني أمية، رغم أن هذا المجلس كان فيه من الشخصيات من تمتلك الكفاءة والثقافة والخبرة، لكن ما العمل مع عشاق الكرسي؟

 

من جانب آخر، وجدنا الجعفري يسارع إلى إنشاء تيار الإصلاح ـ برئاسته ـ لأنه لم يتحمل قيام حزب الدعوة باختيار المالكي رئيسا، ولو أنه بقي في حزبه لكانت تلك سابقة ممتازة في العمل الديمقراطي وفي عراق عرف عن أغلب أحزابه أنها "عائلية وراثية"، لكن ما العمل والكل يعشق الكرسي؟


هذان الائتلافان دولة القانون والعراقي الموحد لا يزالان يعيشان خطاب التناقضات، فهما يكرهان البعث في العنوان ولكن في المضمون يعيشان ذات المضمون الدّيني وعقد الصراع والكراهية والانتماءات الدينية والقومية، إن البعث لا يمكن أن يموت ما لم نقم بتجفيف موارده من أنهار الخطاب الإجرامي والعنصري، فالارتماء في أحضان الجامعة العربية والإسلامية، هاتان المنظمتان المعروفتان بدفاعها عن الأنظمة الدكتاتورية، والتوجه إلى عقد تحالفات هنا وهناك في دول الإقليم التي هي في الغالب طائفية وعنصرية، لن يخدم العراق بالتأكيد، وعلى الائتلافين التخلص من عقدة الشعور بالنقص، فكلما اتهم المصريون والأردنيون والسعوديون شيعة العراق بأنهم ـ تبعية إيرانية ـ سارع المالكي والحكيم في رحلات مكوكية إلى هذه الدول شخصيا أو بالنيابة و كلما اتهمتهم دول الجوار السنية والشيعية بأنهم "عملاء المحتلين"!!

 

زاد هؤلاء في خطاب الكراهية تجاه الغرب وأمريكا تحديدا لأجل عيون الملك عبد الله السعودي وأبو سفيان الخامنئي ومن لفّ لفهم، بالتالي يبقى العراق يعيش هاجس الانتماء، وها هو علاوي وجلاوزته قد بدأوا بالفعل في نفخ النار القومية والطائفية عبر عقدة الانتماء القومي للعراق وكذب من زعم أن علاوي عراقي وطني، بل هو بعثي فاشي طائفي أموي، ولا زلنا نتذكر كيف ترحّم أياد علاوي رئيس الوفاق على مؤسس البعث عفلق على قناة العربية فقال: "ميشيل عفلق الله يرحمه".. وهنا لست أعني أنني ضد الترحم على إخوتنا المسيحيين واليهود وسائر الأديان، بل ضد الترحم على مؤسس حزب دمّر العراق وجلب له الهلاك، وكلنا يتذكر كيف رفع علاوي يده مشيرا للطائرة الأمريكية ـ كان يخطب رئيسا للوزراء ـ فقال: هذولة الأصدقاء.". وعندما سقط من الحكم وفي مشهد مكرر ـ طائرة أمريكية تطير وهو يخطب ـ قال: شوفوا.. حتى كلام ما نقدر نحجي.."!! شخصية كهذه مهووسة بالسلطة ويقيس كل شيء بمقياس الكرسي ويصبح فيه الأمريكي ـ وهو المحرر الذي لا ريب فيه ـ يصبح محررا أو محتلا حسب المصلحة العلاوية الضيقة، هو خطر حقيقي يهدد الديمقراطية العراقية بلا شك.


Email: sohel_writer72@yahoo.com
Web: www.sohel-writer.i8.com

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط