عمران سلمان / Apr 06, 2007

زارت المتحدثة باسم مجلس النواب الأمريكي الديمقراطية نانسي بيلوسي يوم الأربعاء دمشق وأجرت محادثات مع الرئيس السوري بشار الأسد. بيلوسي لخصت أسباب زيارتها إلى سوريا بالتالي:

 

ـ لفت نظر الرئيس بشار الأسد "بقلقنا بشأن المقاتلين الذين يعبرون الحدود العراقية السورية من أجل الحاق الضرر بالشعب العراقي وجنودنا."

 

ـ "اجتماعنا مع الرئيس مكننا من نقل رسالة من رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت تفيد ان اسرائيل مستعدة لاجراء محادثات سلام."

 

ـ "التأكيد للأسد أن من المهم أن تستخدم سوريا نفوذها لدى حماس من أجل تعزيز السلام بين الفلسطينيين واسرائيل".

 

وبعد لقائها مع الأسد قالت: إن اقامة حوار مع الزعيم السوري العلماني أمر في مصلحة الولايات المتحدة.

 

واضافت بيلوسي "نحن سعداء جدا من التأكيدات التي حصلنا عليها من الرئيس باستعداده لاستئناف عملية السلام. انه مستعد للدخول في مفاوضات من أجل السلام مع اسرائيل".

 

طبعا فإن أي مراقب لشؤون الشرق الأوسط لن يستطيع أن يأخذ ما تقوله بيلوسي على محمل الجد، وإنما أقصى ما سيستطيعه هو مقاومة نفسه عن الضحك والسقوط على قفاه.

 

والسبب أن ما قالته حضرة النائبة الأمريكية لا وجود له على أرض الواقع.

 

فسوريا لم تعلن أنها ستمنع تدفق الإرهابيين إلى العراق، كما لم تعلن أنها ستغلق مكاتب حماس والجهاد في دمشق وتطرد قادتها. ولوكانت تريد ذلك لفعلته منذ أعوام استجابة للمطالب والضغوط الأمريكية.

لقد كذبت دمشق في السابق على وزير الخارجية السابق كولن باول، ولن يكون مصير المتحدثة باسم مجلس النواب، والتي لا علاقة لها من حيث المبدأ بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة، أفضل.

 

وحتى رسالة السلام التي قالت بيلوسي إنها نقلتها من إسرائيل إلى سوريا، اتضح أنها ليست الرسالة المقصودة، مما اضطر مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت إلى إصدار توضيح يقول فيه إن "اسرائيل مهتمة بالسلام مع سوريا لكن على سوريا أولا ان تتخلى عن طريق الارهاب وتقديم الدعم للجماعات الارهابية".

 

النتيجة الوحيدة التي حققتها بيلوسي من زيارتها إلى دمشق وجلوسها مع الرئيس السوري ومصافحتها إياه، هي ضرب المعارضة الليبرالية في سوريا وإحباط آمال الإصلاحيين في التغيير. فعن طريق فك طوق العزلة عن نظام بشار الأسد تتقدم سوريا خطوات على طريق القمع والاستبداد، وتتأخر مسيرة الإصلاح والديمقراطية.

 

هل هو سر أن النظام السوري يدعم الإرهاب وهو المشتبه فيه الأول في الوقوف وراء اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري وعدد آخر من الصحفيين والسياسيين اللبنانيين؟

وهل هو سر أن النظام السوري، من أشرس الأنظمة وأكثرها قمعية في المنطقة، ولا يتسامح مطلقا مع أي نشاط معارض؟

 

هل نحن بحاجة إلى استعراض تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية والعربية؟

 

ربما لم تعرف بيلوسي، أو تعرف، أنها اثناء زيارتها لدمشق، كان هذا النظام يتفنن في تعذيب المعارضين السوريين، وبينهم كمال اللبواني، مؤسس التجمع الليبرالي الديمقراطي في سوريا. 

 

ففي يوم الخميس 5 أبريل/ نيسان 2007، أصدرت ثماني منظمات حقوقية سورية، عربية وكردية ولجان احياء المجتمع المدني بيانا اتهمت فيه إدارة سجن دمشق المركزي مسؤولية السلامة البدنية والأمان الشخصي للمعارض الليبرالي كمال اللبواني.

 

وجاء في البيان أن إدارة سجن دمشق المركزي "تتعمد جعل ظروف الاعتقال بالنسبة للدكتور كمال اللبواني بالغة السوء، واليوم وإبان زيارة أهله له وجدوه ما زال في زنزانة انفرادية تحت الأرض وبثياب رثة وبدون حذاء وفي ظلام دامس وبمساحة محدودة جداً ترتع فيها القوارض والحشرات وبمرفق صحي معطل يصدر روائح لا تطاق ولا يسمح له بالخروج منها".

 

وأضاف البيان أنه "نتيجة للإهمال الشديد فقد أصيب الدكتور اللبواني بأمراض جلدية (كالجرب) وآثار الدماء النازفة نتيجة الحكة الدائمة مازالت بادية عليه".

 

ماذا كانت جريمة كمال اللبواني؟

خلال الفترة ما بين أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني 2005، قام اللبواني بجولة في أوروبا والولايات المتحدة لحشد التأييد من أجل قضية الديمقراطية في سوريا.

 

في الولايات المتجدة التقى اللبواني بأعضاء في الحكومة الأمريكية والكونغرس وبمنظمة العفو الدولية. وكان متفائلاً بعد هذه اللقاءات بشأن احتمالات التغيير في سوريا. وكان حريصاً في الوقت نفسه على إعلان معارضته لأي عمل عسكري ضد سوريا تتزعمه الولايات المتحدة.

 

ولدى وصوله إلى مطار دمشق في 8 نوفمبر/ تشرين الثاني 2005، اعتقلته السلطات السورية على الفور ونقل إلى المقر الرئيسي للأمن السياسي في دمشق للاستجواب، ثم نقل إلى جهة مجهولة، ولا يزال مغيبا خلف القضبان.

 

وبدلا من أن تطالب السيدة بيلوسي بإطلاق سراحه فورا، ذهبت لمكافأة الجلاد، وأدارت ظهرها للضحية. فهل وقع اللبواني ضحية تصديقه للوعود الأمريكية بدعم الديمقراطية والمطالبين بها؟ 

 

إنا هذا فوق أنه مؤلم، فهو معيب إلى أبعد الحدود.

 

لكن اللوم لا ينصب كله على السيدة بلوسي وحدها، ففي غضون الأربعة اشهر الماضية حج إلى دمشق أكثر من عشرة نواب أمريكيين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي واجتمعوا مع الاسد، كان آخرهم الجمهوري داريل عيسى عضو لجنة المخابرات في مجلس النواب.

 

والله وحده يعلم ما الذي كان هؤلاء يريدونه من حاكم دمشق، لكن المؤكد أن دعم الإصلاح والديمقراطية في سوريا لم يكن على جدول أعمالهم.

 

مع أن اي مراقب لا بد أن يستغرب أصلا كيف يمكن لممثلين منتخبين من الشعب الأمريكي المحب للحرية والإنسانية والمتمسك بالديمقراطية، أن يتعاطوا مع نظام ديكتاتوري من الطراز الأول؟

يمكن أن يقبل ذلك من الحكومة الأمريكية، لكن ليس من النواب.

 

ولابد لفصول هذه التراجيديا من نهاية مناسبة. فقد أصدر مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير) بيانا بمناسبة جولة المتحدثة باسم مجلس النواب نانسي بيلوسي في الشرق الأوسط، اشاد فيه بزيارتها لسوريا ولقاءها مع بشار الأسد ووصف ذلك بأنه مهم وبناء.

 

وقال البيان إن "زيارة بيلوسي للشرق الأوسط هي خطوة حيوية من أجل تحسين صورة أمريكا في العالم وبناء علاقات أفضل مع بلدان مهمة في المنطقة المضطربة".

 

وأشار بيان كير خصوصا إلى زيارة يبلوسي للجامع الأموي في دمشق، باعتباره "سوف يساهم في تشجيع التفاهم المتبادل بين الغرب والمسلمين والذي عن طريقه يمكن خفض التطرف والانقاسامات الدينية".

هل يوجد تعديا على الحقيقة أكثر من ذلك؟

 

ولأن "كير" وغيرها من المنظمات الإسلامية في الولايات المتحدة، نصبت نفسها متحدثة باسم المسلمين، وتقول إنها من المدافعين عن الحقوق المدنية، فإن حقوق الإصلاحيين والليبراليين السوريين يبدوا أنها لا تعنيها في شيء، فكل ما يهمها هو رضى حاكم دمشق وغيره من الأنظمة العربية عنها.

 

ورغم كثرة بياناتها بشأن الشرق الأوسط والتي تنتقد فيها بشدة السياسة الخارجية الأمريكية، فإن "كير" لم تصدر يوما بيانا ينتقد الحكومات العربية على معاملتها القمعية لشعوبها أو يتضامن مع المعارضين والإصلاحيين في سوريا والسعودية وغيرها.

________________

* رئيس تحرير موقع آفاق

Omrans80@yahoo.com

 

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط