د. أكرم شلغين / Jun 11, 2005

في ذاكرتي (مثل غالبية أهل بلدي) صورٌ لمشاهد مريعة لم ولن تمحوها السنين. ذات يوم عاصف، في الجانب الشرقي من الساحة الرئيسية لمدينتنا الصغيرة رأيت وغيري مجموعة ترتدي اللباس المدني إلا أنها مسلحة بالكلاشنيكوفات والمسدسات تقتحم الكشك الصغير لبائع فلافل، وبحركات تشابه بعنفها ما يمكن أن تجهد أفلام العنف لتصنعه سحب اثنان من المجموعة رجلاً من الداخل أقدر أنه ربما كان في بداية الستينات من عمره وقتها، متوسط الطول، يميل قليلاً إلى البدانة، أسمر الوجه قمة رأسه خالية تماماً من الشعر ويظهر امتداد اللون الأسمر فيها. عندما أصبح البائع خارج الكشك انهالت المجموعة عليه بالضرب وسقط الرجل أرضاً بسهولة أمام ضرب وركل هؤلاء الذين تابعوا رفسه وهو ينادي: "أبوس أقدامكم يا أولادي قولي لي ماذا فعلت!؟" ثم صرخ أحد المسلحين وهو يرفس بطن بائع الفلافل: "ولك ياعرص يا منيك.. تارك صورة الرئيس ممزقة وما بتلزقها..!"

 

نظرات عنصر "الأمن" وحركاته  دلت البائع، وكل من توقف ليعرف ما هو الأمر، إلى مكان الصورة حيث كانت معلقة على حائط قديم من الحجر القطع بالقرب من كشك الفلافل ومن الواضح أن الرياح مزقتها من زاويتها اليمينية السفلى حيث كانت الصورة ملصقة من زواياها الأربعة قبل أن تفعل الرياح فعلتها.  صرخ عنصر أمن آخر وهو يرفس ذلك المنحوس المبطوح أرضاً "ياخرا هذا ربك، هذا نبيك! كيف بتصللي لربك!؟ هيك بدك تصللي له وتعبده..!" قال الرجل بصوت متحشرج "إنه ربي وولي نعمتي وأنتم ربي.. اسمحوا لي فقط أن أبوس أحذيتكم لأنني لم أنتبه أن الهوا مزق الصورة"  ثم حرك جسده قليلاً محاولاً مد رأسه لتقبيل حذاء عنصر المخابرات إلا أن قدم ذلك العنصر أوقفت محاولته برفسة على قفا الرأس جعلت الوجه يرتطم بالأرض بقوة.. صرخ عنصر آخر "الصورة لازم تتلزق هاللحظة وكل لحظة بدي أمرق من هون وياويلك مني يا جوز القحبة.."  رفع بائع الفلافل رأسه وقد بدأ الدم يتدفق من أنفه والجراح شوهت خده الأيمن، ثم قال "الرئيس ربي" عندها فتح أحد  المتفرجين حقيبته  ـ وهو طالب في المرحلة الثانوية، كما تدل ملابسه ـ وأخرج شريطاً لاصقاً شفافاً وقال: "سيدي سيدي أنا معي تلزيق.." إلا أن أحد عناصر الأمن صرخ به: "سيلصقها هالأخو الشرموطة هدا.." ثم أكال ضربة من نهاية الكلاشينكوف إلى رأس الرجل وتدفق الدم من ذلك الرأس.. كنا بالعشرات نراقب ما يحصل دون أن يجرؤ أحد على فعل أو قول أي شيء، كان واضحاً أن عناصر الأمن أرادونا أن نراقب ما يجري كعرض للعضلات والقوة ودرس لكل المارة وليس فقط للبائع.

 

مرة أخرى كنت مسافراً من بلدتنا إلى العاصمة بإحدى وسائط النقل العام التي كانت تعرف بباصات الـ "هوب هوب الاسم الذي يأتي من حقيقة أن هذه الباصات تتوقف بلا ناظم زماني أو مكاني إلا هذه اللفظة (هوب هوب هوب) التي يطلقها "معاون الباص" أي المرافق للتوقف. من المعروف أن من محاسن هذه الوسائط هي أن المسافرلا يحتاج إلى الحجز مسبقاً.  بمقابل المحاسن هناك مساوئ منها التوقف المتكرر وكذلك عدم توفر الشروط المناسبة في داخل الباص فلا تدفئة شتاء ولا تكييف صيفاً، كذلك السوية المتدنية للمقاعد فقد يكون المقعد بلا مسند ظهر مرة ومرات أخرى يكون المقعد رث الجلد أو ممزق الفرش.  والحالة الأخيرة هي ما وجدها أحد المسافرين الذي كان آخرالصاعدين إلى الباص ولم يجد شاغراً من المقاعد إلا مكاناًً لم يختره أحد ممن وصلوا قبله إلى الباص: المقعد مهترئ وزال عنه الجلد والإسفنج وبقيت القطع المعدنية الصدئة فوق الخشب. وضع المسافر جريدة كان يحملها على المقعد ليتحاشى الجلوس على القطع المعدنية الناتئة.  تحرك الباص مع صعود هذا الراكب الأخير وبعد عدة كيلومترات لخروج الباص من المدينة أوقفته "دورية أمن" مسلحة صعد ثلاثة منها إلى الباص وطلبوا رؤية هويات المسافرين الشخصية وبدؤوا بتفتيش الحقائب والنظر تحت المقاعد. المسافر الذي كان آخر الصاعدين إلى الباص وقف وأبرزهويته الشخصية مثل بقية المسافرين امتثالاً لطلب أحد هؤلاء "الأمن" الذي انتزع الجريدة المطوية عن المقعد وفتحها مقلباً باحثاً عن صفحة الغلاف والتي كانت تحمل بالطبع صورة كبيرة للرئيس، دون سؤال وجواب بدأ "عنصرالأمن" بإحالة الصفعات إلى وجه المسافر وتعالت الشتائم بأقبح ما يكون.. وبأعلى صوته صرخ: "هذا ربك يا ابن الكلب..".  أنزل اثنان من "الأمن" المسافر وجريدته من الباص وتابعوا ضربه على الأرض والثالث تابع تفتيشنا بدقة وبعد أن انتهى نزل من الباص وبقينا نراقب الضرب الوحشي لبضع دقائق بعدها أشار أحد أفراد الدورية للسائق بالتحرك.  تابع الباص تحركه بدون ذلك الراكب الأخير.  لم يجرؤ أي من الركاب على السؤال عن أي شيء أو إذا ما كان أحد المسافرين يعرف هوية المسافر الذي أُُُخذ! تابعنا السفر بمقت وكمد وقهر دون أن  نتكلم أو نسمع طيلة السفرة سوى صوت المعاون "هوب هوب طالعه" لإصعاد راكب أو "هوب هوب نزلو.. وشك لا أدام"  لإنزال راكب وتذكيره بأن يكون وجهه للأمام أثناء النزول.

 

بائع الفلافل والمسافر لم يفعلا شيئاً يستدعي ما حصل لهما ولكنهما اختيرا لتلقين الدروس لعموم المارة والمسافرين في الخوف من  قوة وجبروت النظام. ما حصل لبائع الفلافل وللمسافر يذكر بما كان يطبق على المجرمين والعصاة  ـ بمقاييس القرون الغابرة ـ وقبل ولادة السجون في أوربا، حيث كانت تتم محاسبتهم في العلن وعلى مرأى من  الجمهور المدعي خصيصاً لمشاهدة عملية "المعاقبة" في تفاصيلها وفي ما يطبق من عنف على جسد "المجرم" إذ يكمن في ذلك درساً للجمهور مفاده أن من يعترض على، أو يحاول الخروج عن، إملاءات الفئة الحاكمة المهيمنة سيلاقي نفس الإجراءات الإقتصاصية منه. مع خطوات إعادة تنظيم وترسيم "القوة" في أوروبا القرن الثامن عشر تطورت  أشكال عملية المحاسبة حيث بدأت تحصل في الخفاء داخل السجون بدلاً من المسرحة العلنية لها، ومن ثم استهدف عقل المرء بدلاً من جسده (ميشيل فوكو)، وبالتدريج انتقلت العملية من التطويع القسري القهري للأفراد ـ وللمجتمع ـ لتأخذ شكلاً آخراً يتمثل في ابتداع معايير ونظم ونواميس اجتماعية تتمثل بمجموعة المفاهيم والنظم مثل المسموح والمحظور، الإستواء والشذوذ، المرغوب والمنفر بل وأخرى من نوع ما هو الصح وما هو الخطأ في الثقافة الإجتماعية السائدة والخطاب الأيديولوجي المتعلق بكل مفهوم. الدور الرئيسي في زرع وإرساء وتجسيد الثقافة السائدة أنيط بأجهزة الدولة الأيديولوجية، التربوية وغيرها: مدارس، محاكم، موسسات دينية الخ.. (لويس ألتيسير).

              
وإن كان التشابه كبيراً بين ما تمارسه الأنظمة التسلطية العربية الآن وما مورس في القرون الوسطى في أوربا إلا أن المسلكية القمعية في منطقتنا مستقاة إلى حد كبير
مما ساد في أنظمة الكتلة الشرقية قبل انهيارها، مع التذكير بأن العقلية العالمثالثية، القومجية، المتزمتة بحكم تشكيلتها وخصوصيتها في منطقتنا جعلتها أشد فظاعة.        

تمثل صورة واسم "الرئيس" لدى الأنظمة الإستبدادية الرمز الأساسي في زرع وإرساء وتجسيد ثقافة الخوف عادة ولهذا تعمل الأنظمة هذه على جعل الرئيس دائم الحضور.  لاصورة إلا صورته، ولا صوت إلا صوته، في المدرسة والجامعة والمؤسسة والمعمل والحقل و في البيت.  في الجامع والكنيسة، في الولادات وفي الوفيات يجب أن يُشعر بهيبته ويُتابع الدعاء له، كذلك الجانب الأكبر في المناهج التربوية مكرس للكلام عنه، تعطل المؤسسات والمدارس والجامعات بعيد انقلابه العسكري وتخصص أيام ما قبل وما بعد ذكرى الإنقلاب للإحتفال والزينة والبزخ. في الأيام العادية  تقتصر مظاهر الحياة على ما يتعلق بتمجيد وتخليد الحاكم الطاغي فالرسام يرسم صورته، والنحات يصنع التماثيل له، والشاعر ينظم الأغاني والأناشيد له والملحن يجد في تلحينها، والرياضي يذهب إلى المبارزة وحب "القائد" مزروع في صدره وبعد النزال يُطرح أرضاً ثم يستفيق بعد غيبوبة قصيرة فيبدأ بالهذيان وينطق بما حفظ  فيهدي ذلك "الفوز" العظيم  إلى "الرياضي الأول" الأب القائد.  لنتذكرمجدداًً أن تعظيم صورة القائد ومواصفاته ليست فريدة في العالم والأمثلة كثيرة (الستالينية، وغيرها في الكتلة الشرقية، وفي عراق صدام حسين وغيرهم عبر التاريخ) ولكنها تتفاوت بين نظام وآخر.

 

عند ذكر اسم بلد ما في العالم يتبادر إلينا على الفور حقائق، نقاط، وعلامات ما مقترنة باسم البلد المذكور: تاريخية، جغرافية، جيولوجية، علمية، فنية، ثقافية، حضارية الخ ، أما في هذا البلد العربي فاسم البلد يتكافأ حصراً مع اسم وصورة حاكمه، حيث التاريخ والجغرافيا والعلوم والفنون برمتها مختزلة إلى اسم وصورة  وشخص الدكتاتور: إنه التاريخ والتاريخ هو؛ إنه الوطن والوطن هو؛ إنه العالِم الأول ـ بل الوحيد، إنه المثقف، المفكر، الملهم، الطبيب، الفنان، القانوني، المهندس، البطل، المغوار، الرياضي، السياسي، الدبلوماسي، الحكيم، الفيلسوف، الفذ، الشامخ، المجد و..و.. وتكاثرت الألقاب وانتفخ معها اسم الدكتاتور حتى غدا فوق البشر وبات أزلام النظام يأمرون "الجماهير" التي حُشدت لـ"البيعة" أن تصرخ عاليا: "يا الله حلك حلك/  خللي حافظ محلك"!

 

في داخل البلد، الويل لمن  يتجرأ على مساءلة ما يجري بصوت ينتقل أبعد من فمه. وأما في العالم الغربي، فالجميع يقهقه بسخرية ويتعامل مع هذا البلد العربي على أنه ذلك الفرد المؤله، وفي حقيقة الأمر كان هناك مصلحة للبعض ممن يملكون مفاتيح القوة الكونية بوجود مثل هذا الرب المقدس في هذه البقعة من العالم. لنذكر أنفسنا بأنه فقط في حالات معينة، أهمها الحروب، (مثلما حصل في عراق صدام حسين)  تبدأ صورة البلد المركبة في صورة واسطورة الدكتاتور في التفكيك ليأخذ البلد حجمه الطبيعي المغيب طيلة عقود ويظهرالمواطن الذي غُيب لعقود. في مثل هذه الحالة،  يصبح البلد أناساً  ُيستهدفون وبناءً تحتياً ينسف، يصبح جسراً، معملاً، مدرسة، ملجأً، متحفاً، شجرة الخ..

 

من يقودنا إذاً يتمتع بصفات فوق بشرية حتى ليصعب على البعض من الأجيال أن تتخيل الرئيس خارج ما تصوره الوسائط التي تديرها آلة السلطة.  في حين أن الكلام عن الرئيس في هذه المنطقة يجب أن يكون حصراً للتمجيد بمنجزات حامي العرب والعروبة، ببطل قلعة الصمود والتصدي وبفضائل ذلك المقدس نجد في دول العالم أن من انتخب لفترة محددة ليقود في بلده هو من البشر وليس فوقها ويخضع لها وليس العكس.  في الولايات المتحدة الأمريكية نجد بيل كلينتون يُتهم ويُساءل ومثله جورج بوش يُسأل حتى عن ماضيه، وفي بريطانيا يمشي الناس بشعارات تحرف اسم  بلير إلى لايَر  Liar (أي الكذاب) ويُواجه بلير بذلك مباشرة، ويكافأ المصور الذي استرق لقطة للملكة إليزابيث وسبابتها في فتحة أنفها، وفي ألمانيا يرشق المصطافون جارهم المستشارهلموت كول بالبندورة والبيض أثناء قضاء عطلته عندما تغضبهم سياسته ويتشابك معهم بالأيدي، وفي فرنسا لا ينجو رؤساؤها وساستها من المساءلة. كما هو معروف لا يوجد لأي من هؤلاء صور في الأماكن العامة ولا تماثيل في الساحات والطرق برغم كل ما يقدمه هؤلاء لبلدانهم وأوطانهم. وهؤلاء يخافون محاسبة شعبهم الأخلاقية والمحاسبة القانونية إن قصروا أو حادوا في أدائهم. فالمواطن في البلدان الديمقراطية هو القوي، المحصن بقوة القانون التي تقدس مواطنيته ومن هنا تأتي ثقة الفرد بنفسه وبوطنه لأنه متحرر من الخوف.


أما عندنا فثقة الفرد بنفسه ضعيفة أو معدومة في ظل ثقافة الخوف، الفرد متلقن منفعل وليس فاعلاً، يعيش ليومه والإنجاز العظيم لديه يكمن في عدم إغضاب السلطة بحقيقة وجوده حياً يمشي ويأكل وينظرويتنفس ضمن مملكتها الخاصة. هذا ما وصل إليه الفرد في منطقتنا بفضل دروس النظام التسلطي من نوعية تلك التي بدأت بها. 

وكما يرى معظم المثقفين في منطقتنا أن إشراك الفرد بصورة فاعلة في قضايا بلاده هي ضرورة ملحة لسلامة الوطن والمواطن لا بد من الخروج بالفرد من دوامة الخوف. لا بد من التوضيح بأن الخطوط الحمر المرسومة واهية ويمكن تجاوزها وإزالتها ببعض الشجاعة. لا بد من التركيز على عزة الفرد وكرامته وقيمتها الإنسانية. ولتهيئة الناس إلى النزول إلى الشارع للتظاهر من أجل مصالحها والتعبير عن رأيها لا بد من البدء بتفكيك ثقافة الخوف، ولتفكيك ثقافة الخوف لا بد من نسف معالمها وتفكيك وإتلاف خيوطها واحداً بعد الآخر: فالحاكم ليس فوق البشر وإنما.. لا بد من التساؤل (ولاحقاً اختبار) من سيقف بوحه الناس ومطالبها المشروعة في التنفس والحرية والتعبير عن الرأي والمشاركة السياسية! بمعنى آخر، لإعادة الثقة بالنفس للناس حيث سلبت منهم عبر ثقافة الخوف لا بد من طرق التابوات.

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط