عمران سلمان / Jul 04, 2007

الليبرالية كما تعرفها القواميس هي مذهب أو حركة وعي اجتماعي سياسي داخل المجتمع، تهدف لتحرير الانسان كفرد وكجماعة من القيود السلطوية (السياسية والاقتصادية والثقافية، والخطاب الديني - وليس النص الديني).

الليبرالية أيضا مذهب سياسي واقتصادي معاً، ففي السياسة تعني تلك الفلسفة التي تقوم على استقلال الفرد والتزام الحريات الشخصية وحماية الحريات السياسية والمدنية وتأييد النظم الديمقراطية البرلمانية والإصلاحات الاجتماعية.

وأما في الاقتصاد فتعني تلك النظرية التي تؤكد على الحرية الفردية الكاملة وتقوم على المنافسة الحرة.

والليبرالية فلسفة تروج لمجتمع مفتوح قائم على التسامح، والتجارة الحرة، وحكومة يقيد صلاحيتها الدستور، واحترام الفرد. وتستمد أفكارها من شعوب وثقافات وأديان مختلفة.

*****

سألت ذات مرة عن مصطلح "الليبراليون العرب الجدد"، من هم وما هي أهدافهم؟

وكان جوابي في البداية أنه لا وجود لمثل هذا المصطلح في الاساس، أوبالأحرى من الخطأ إطلاق هذه التسمية.

فربما كان بعض الليبراليين قد أطلقوها في البداية عن حسن نية  لكن سرعان ما تلقفها أعداؤهم وراحوا ينفخون فيها. والهدف كان محاولة خلق تماهي مزعوم بين "الليبراليون الجدد"، و"المحافظون الجدد" في الولايات المتحدة.

وايا يكن رأينا في مصطلح "المحافظين الجدد" نفسه، وهو باعتقادي أيضا مصطلح مغلوط، لكن ما يهمنا هنا هو إجلاء صورة "الليبراليين العرب".

*****

يطلق مصطلح "الليبراليون العرب" اليوم على طيف واسع من المثقفين أو المشتغلين بالكتابة، من دون الاهتمام بالفروقات الجوهرية فيما بينهم. فهناك من ينتمي إلى اليمين، ومن ينتمي إلى اليسار. هناك قوميون وإسلاميون، وهناك من يرى إمكانية المزاوجة بين الدين والديمقراطية مثلا، وهناك من لا يرى اية إمكانية لذلك.

هناك من يعتبر الانظمة العربية هي السبب الرئيسي لتخلف مجتمعاتنا وهناك من يرى أن الجماعات الدينية هي السبب.

هناك من يدعو إلى إصلاح الدين، وهناك من لا يرى أي فائدة في ذلك.

إن ما يجمع هؤلاء (وقد تعمدت عدم ذكر الأسماء) هو أمران: النقد الواضح للحالة الراهنة للمجتمعات العربية، والثاني هو أنهم يريدون نهضة مجتمعاتهم. 

لكن لا يوجد اتفاق حول طبيعة النقد ولا حول طبيعة هذه النهضة.

وحتى فيما يتعلق بالموقف من السياسة الدولية، هناك من يؤمنون بضرورة التدخل الخارجي لمساعدة الشعوب العربية في مواجهة أنظمتها، وهناك من يعتبر ذلك ضارا ومرفوضا.

لذلك فإن جمع هؤلاء في سلة واحدة بالقول إن كلهم "ليبراليون" هو فعل يجافي الحقيقة والواقع.

*****

يمكن القول إذن إن استخدام مصطلح "الليبراليون" نفسه يبدو إشكاليا في الحالة العربية، وهو لباس فضفاض إلى أبعد الحدود، وأحيانا نستخدمه من باب المجاز وليس من باب التوصيف الدقيق.

الواقع إن جزءا لا بأس به ممن يصنفون على أنهم "ليبراليون"، يقعون ضمن واحدة أو أكثر من الخانات التالية: دعاة تنوير، دعاة نهضة، دعاة إصلاح، نقاد اجتماعيون وسياسيون .. الخ.

أعلم أن هذا الطرح قد لا يرضي الشغوفين بالتسميات والألقاب، كما أنه يعارض الطبيعة البشرية التي تميل للتصنيف. ولكن رأيي أنه من المهم إطلاق الأوصاف الصحيحة، لخلق وعي حقيقي، ومنضبط.

*****

من المهم التمييز هنا أيضا فيما يتعلق بالمنطقة العربية، بين الحركة الليبرالية الأولي التي ارتبطت تاريخيا بالنهضة العربية وتشكل الدول الوطنية بعد مرحلة الاستعمار، وبين الليبرالية الحالية.

الليبرالية تلك كانت تقوم على فكرة الحرية السياسية والاقتصاية، وكان لها أحزاب ونفوذ سياسي واجتماعي واقتصادي.

هذه الليبرالية ماتت تقريبا، مع الانقلابات العسكرية التي عرفتها المنطقة، سواء في مصر أو سوريا او العراق أوغيرها.

أما الليبرالية العربية الحالية فهي مختلفة إلى حد كبير عن تلك، إنها أقرب إلى فكر الإصلاح والنقد السياسي منها إلى الليبرالية الكلاسيكية، وهي تدين بصورة أساسية إلى الظروف الدولية التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة.    

*****

ما أردت قوله في هذه العجالة، هو أن مصطلح "الليبراليون العرب الجدد"، مغرض، قصد به تشويه سمعة الليبراليين، من جانب خصومهم، وحري بهم أن يكونوا أول من يرفض ذلك. فالحقيقة هي أنه لا يوجد ليبراليون قدماء أو جدد، فإما أن تكون ليبرالي أو لا تكون.

كما أن اصطلاح "الليبراليون العرب" نفسه بات يطلق على جمع مختلف من المثقفين والكتاب، ولذلك أيضا من المفيد التحفظ أو الاقتصاد في استخدام هذا المصطلح.

=============

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط