ما دام توسل "الإصلاح" هو سقف الأحلام
د. أكرم شلغين / Jun 15, 2004

كيف أصبح الذئب كلباً:
من الحكايات الشعبية التي أعاد سردها الروائي السوري حنا مينه على لسان إحدى شخصياته الروائية ( في الياطر) حكاية تحول الذئب إلى كلب. تروي الحكاية عن ذئاب جائعة لم تعثر على ما تأكله في شتاء قاس امتلأت فيه الغابة بالثلوج فهاجمت تلك الذئاب في الليل قصراً كبيراً يقع على طرف الغابة. وللخلاص من عواء الذئاب وإزعاجها، أمر سيد القصر برمي خروف، أكلته الذئاب ومضت. في الليلة التالية عادت الذئاب وهاجت وماجت وعوت تحت سور القصر ومن جديد أمر سيد القصر برمي خروف آخر، أكلته الذئاب وانصرفت. وكررت الذئاب هجومها وتكرر رمي الخراف لها إلى أن تناقصت الخرفان وباتت لن تكفي لسكان القصر إذا ما استمر رميها للذئاب على هذا المنوال فراح سيد القصر يفكر برمي الخدم للذئاب. تمرد الخدم وتحسب سيد القصر لهذا التمرد فأتى بفكرة أن ترمى فضلات الطعام للذئاب. عندما عادت الذئاب في الليل رُميت لها بقايا الطعام فأكلتها وهدأت. في الربيع وبعد ذوبان الثلوج عاد ت مجموعة من الذئاب إلى الغابة لتعتمد على قوتها في البحث عن طعامها بنفسها، ومجموعة أخرى بقيت بالقرب من سور القصر تعيش على ما يرمى إليها من فضلات.. ومع مرور الوقت أصبح متعذراً على مجموعة ذئاب الفضلات أن تعود إلى الغابة من جديد لتسكنها وتقارع وحوشها.. هذه المجموعة لم تعد تزعج القصر بعوائها بل انتظرت رحمة ساكنيه، وهكذا تدجنت تلك المجموعة وأصبحت كلاباً تنتظر الفضلات وتعيش عليها.
***

تنطلق هذه المقالة من اعتبار أن المضي أبعد في تبني أو ترديد أو تصديق شعارات من نوع "الإصلاح" أو "التحديث والتطوير" أو "المصالحة" في سورية، ناهيك عن أنه يخدم بالدرجة الأولى في تمديد عمر النظام السوري القائم، فإنه أيضاً يبقى خارج التفاعل مع الواقع السوري ومتطلباته وتحدياته. النظام السوري الفاشل سياسياً واقتصادياً واجتماعيا ووطنياً وقومياً وإنسانياً، والذي لعب في وقت ليس من حقه في الأساس واستنفذ كل الأزمنة والفرص، غير معني بالإصلاح وغير راغب به، بل إن كبائر أهدافه يتصدرها هم في البقاء في كرسي الحكم والاستمرار في السيطرة على مقدرات سورية والاستبداد بشعبها. وعود الإصلاح ليست أكثر من أقوال لا ولن يترجمها النظام السوري إلى أفعال. النظام القائم حصراً على الفساد والرشوة والمحسوبيات والاستغلال والاستبداد والقمع والإرهاب والقتل لا ينبغي العمل على، ولا يمكن أصلاً، إصلاحه بل يجب نسفه وإعادة يناء الدولة ومؤسساتها على أسس وطنية وديمقراطية. طريق الإصلاح لم ولن يبدأ في سورية بوجود هذا النظام ولهذا لا بد من العمل من أجل التغيير.

الإصلاح والوظيفة التخديرية ( من دروس التاريخ):
لا يبخل التاريخ بتعليمنا أن خطوات "الإصلاح" اتبعت أحياناً بما هو أقرب إلى البراغماتية ولهدف أساسي هو احتواء الصراع و"تجنب الثورات". في إنكلترا القرن التاسع عشر، على سبيل المثال، ارتأت طبقة ملاكي الأراضي ـ المطلقة السيطرة على البرلمان آنذاك ـ أن السبيل الأنجع للحيلولة دون تفاقم الأزمات السياسية الداخلية هو التقدم ببعض الإجراءات الإصلاحية، فكانت النتيجة إعلانات "الإصلاح" المتتالية وعلى فترات متباعدة[1]. في النقاشات البرلمانية التي أدت إلى إعلانات الإصلاح تلك، توصل البرلمانيون إلى قراءة الواقع بدقة: فمن جهة ليس بمقدور الطبقة الحاكمة وأعوانها الاستمرار في المواقع العليا للهرم السياسي والاقتصادي دون الحاجة لعمل وجهد واسترضاء نفس غالبية الناس الذين تتنكر لحقوقهم، ومن جهة أخرى لا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد أن الطبقات المحرومة لن تتحرك من جديد[2] أو تثور على غرار ما كان يعصف بأماكن أخرى من القارة الأوروبية في ذلك العصر الذي كثرت به الثورات. ولهذا قرر البرلمانيون إعطاء بعض الحقوق، وعلى دفعات، للطبقات المسلوبة القوة والقرار كخطوة ذات وظيفة تخديرية. تلك التنازلات الإصلاحية ـ كما لاحظ البرلمانيون في حينها ـ لا تُغير ولا تخل في موازين القوى في المجتمع (لا تضعف قوياً ولا تقوي ضعيفاً)، لكنها تمنح غالبية المواطنين شعوراً بأن مطالبها استجبت وها هي ثمرة المكاسب تتجلى أمامها فتقتنع بها وتهدأ قبل أن تفكر في الإطاحة بالجهاز الحاكم. في طرح إعلاناتها الإصلاحية، لجأت الطبقة الحاكمة إلىالمثقفين لمساعدتها على المناورة لكسب ثقة غالبية أفراد المجتمع فابتدع المثقفون ـ ومعظمهم أبناء الشريحة العليا من الطبقة الوسطى[3]ـ الخطاب المناسب[4] للعب بعواطف الطبقات المحرومة حيث تكرست جهودهم لغرس وتجسيد الانتماء القومي كعامل اجتماعي موحِّد،[5] وهكذا نجحت الجرعات القومية المترافقة مع الإصلاحات الجزئية المعلنة بتسكين الغالبية العظمى من المجتمع وبتمييع الصراع الذي بات مؤكداً في تلك الأوقات بين الطبقة الحاكمة وبين من يعيش في ما وصفها فريدريك إنجلز (عام 1885) بأنها "بركة في اتساع متزايد لبؤس راكد". يفسر المحللون دور مثقفي تلك الفترة أنه نبع من اعتبارين الأول يتعلق بتقارب أيديولوجي قومي بين المثقفين و الطبقة الحاكمة، والثاني اقتناع المثقفين بالاستعداد الذي أبدته الطبقة الحاكمة ـ وإن كان محدوداًـ للانفتاح على الغالبية والإقرار بقوتها وتقديم التنازلات لها.

ليست الغاية حصراً هنا إسقاط هذا المثال التاريخي على واقعنا السوري لنُظهر وكأن التاريخ يعيد نفسه، فإضافة إلى اختلاف المكان والشروط الذاتية والموضوعية بين مثالنا وواقعنا، ندرك جيداً أن التاريخ يتماثل، يتشابه، لكنه لا يتطابق. بل إن ما يعنينا على وجه الدقة من هذا المثال، أمرين: أولهما تعليمي يبين أن الفئة الحاكمة تجد في جرعة"الإصلاح" الحل التسووي الأفضل لتتخلص من أزماتها وتستمر بالمحافظة على مواقعها، والآخر تذكيري بأن الخطاب القومي هو النغمة القديمة/الجديدة للحاكم للعب بعواطف المحكوم.

الإصلاح والواقع السوري:
مفردة الإصلاح، بمدلولها المعجمي، تعني إعادة تشكيل(Re-form)، وتفهم بسياق استخدامها، بشكل عام، على أنها إزالة الممارسات اللاديمقراطية وغير النزيهة والفاسدة من الحياة العامة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً. انطلاقاً من أن الإصلاح، بالمدلول والممارسة، يفترض عدم إلغاء القائم أو نفيه كلياً وإنما يهدف إلى تصليحه (Reparation) يبرز إلى المقدمة السؤال عما إذا كانت هناك حقاً من مستندات ملموسة تسوغ الاعتقاد أن المنشود في سورية هو "الإصلاح" وأن هدفنا أولاً هو المحافظة على تكوين النظام القائم والسعي إلى إصلاحه من حيث أنه معني، قابل لــ ، وراغب في الإصلاح حقاً أم أن أفق النظام السوري بهذا الشأن لا يتخطى الشعارات الجوفاء دون تحديد لأدوات أو سرعة أو زمان للإصلاح! أم أن المتطلب لسورية هو التغيير (Change) الذي يقتضي العمل على نسف بنى النظام التسلطي وما يرتبط بالنظام واستبدالهم بما يتناسب واحتياجات البلد وتحديات الواقع السياسية والاقتصادية! والسؤال الأكثر أهمية تاليا عما إذا كان الخروج من هذا الواقع الحالي يعني الطلب الخجول إلى السلطة الحاكمة في سورية (علها تستجيب!) بالقيام ببعض الإجراءات التجميلية! أم أنه آن الأوان للالتفات إلى الشعب بطاقاته وإرادته والارتكاز عليه ـ وبنفس الوقت مساندته ـ كراغب أساسي بالتغيير ومستفيد رئيسي منه عندما يتحقق!
في واقعنا السوري يتجسد المثال الواضح لنظام لا شرعي: أتى بانقلاب، ويحكم بقانون الطواريء، يحكم بالحديد والنار مشرعناً لنفسه كل ما يريد ويوجه التهم والتخوين لكل من يتجرأ بالمساءلة أو التبرم، مستبداً وكامّاً لأفواه الجميع على مدى العقود، بحجة أو بأخرى أو من دونها. وبالرغم من تغير الظروف الدولية وانهيار حلفاء هذا النظام ومسانديه في الكتلة الشرقية، وتهاوي الأنظمة الديكتاتورية المشابهة في العالم مازال النظام السوري يحكم بنفس الطريقة القديمة. ما زالت صيغة التعامل مع الفرد تتسم بالإرهاب والتأديب والإذلال؛ ما زالت أجهزة الأمن تُحضر وتختطف وتعتقل أي شخص وفي أي وقت كان بدون أي سبب أو تهمة أو مذكرة قضائية. ما زال السوري يُقتل في "ظروف غامضة"[6]. ما زالت سلطة الأمن وأجهزته تحل محل القانون وتحكم السيطرة على كل من وما في البلد، مازالت السلطة العسكرية المخابراتية تعطي أوامرها لحزب البعث بتعيين هذا في العمل وطرد ذاك منه، مازال النظام ينكص واجباته وينفض يديه من الإلتزام بقضايا الشعب، مازالت أماكن العمل والمناصب في سورية محجوزة وفقاً لعلاقات وأقنية خاصة تستند إلى علاقات القربى والعشائرية والولاءات والمحسوبيات والتبعية للمسؤولين والمتنفذين وأبنائهم ومحيطهم وليس على الكفاءات التي يمكن أن تشكل زخماً حقيقياً لبناء المجتمع. وما زالت الكفاءات تحارَب في سورية مما يضطرها إلى الهجرة والبحث عن الوطن في أي مكان آخر من أصقاع العالم والعيش بكرامة فيه. وأما "الانفراج" المزيف ولفترة قصيرة بعد موت حافظ الأسد وتنصيب ابنه فلم يكن رغبة من الطغمة الحاكمة في فتح صفحة جديدة مع الشعب السوري بل لذر الرماد في العيون، لتأمين تنصيب الأسد الثاني بهدوء ولتثبيت أقدام الابن في العرش بدون صوت قد يسمع صداه عالمياً، لتأمين التحول الرسمي بنظام الحكم إلى شكل لا جمهوري ولا ملكي وإنما عائلي أسدي.
من صدق أكاذيب الإصلاح واعتقد أن النظام تغير وأن حكم الابن ليس استمراراً لحكم الأب فقد أخطأ من جديد متجاهلاً الواقع. لا أعتقد أن عاقلاً يصدق أكذوبة الإصلاح في سورية ونحن نرى ما يفعله رموز هذا النظام وأقاربهم وحواشيهم بالأموال العامة في وقت بلغت فيه الديون الخارجية على سورية ما يقارب الـ22 مليار دولار، لا يمكن تصديق أن من تزداد أمواله تكدساً في خارج سورية معنياً بالإصلاح في سورية! لا يمكن أن نصدق أن من يسلب ويستبد موصلاً البلاد وشعبها إلى وضع سياسي واقتصادي مذر معنياً أو مستعداً لخلخلة الوضع الراهن (Status quo). من ينظم ويرعى ويرتب سرقة الأموال العامة غير معني بالإصلاح، من هيأ لمناخ أصبحت به السرقة والرشوة والواسطة والعلاقات المافيوزية سيدة الموقف بل وروج لثقافة ترفع من أسهم اللص المحترف إلى "رجل أعمال ناجح" و"فهلوي" و"بطل" غير معني بالإصلاح. من يرتب ويرعى ويحمي الفساد الذي نصطدم به في كل خطوة وفي كل لحظة لا يمكن التعويل عليه ليقوم بالإصلاح. لقد أصبح أمراً اعتيادياً في دوائر الدولة أن يبق درج الموظف المحسوب على النظام مفتوحاً لوضع الرشاوى به واعتيادياً أكثر أن يطلب الموظف بصوت عال من المراجع الرشوة ويحدد قيمتها لأنها ستذهب بمعظمها لرئيسه. لن ننتهي إن بدأنا بالكلام عما يحدث في الدوائر والمعامل والمستشفيات والمدارس والجامعات من سرقات للأموال العامة واستغلال للناس غير المتنفذين، لن نتكلم عن المؤسسات التي أصبحت مكاناً للابتزاز والنهب والتزوير، أو عن المحاكم التي أصبحت تعج بقضاة يبيعون ضمائرهم و يحكمون لصالح من يدفع أكثر ويحددون المبالغ التي يريدونها في اتفاقات (وصفقات) تحصل ليس سراً خارج المحكمة بل علناً في داخلها.
تزداد قصور اللصوص المشيدة من تعب وعرق ودموع ودم عامة السوريين الذين لا حول لهم ولا قوة ويعيشون في فقر قاتل. لا نحتاج لأكثر من جولة في أي مكان في سورية، في الأماكن العامة، في الأحياء الشعبية أو المصنفة بالأفضل أو الوسط (بالنسبة لسورية طبعاً) للوقوف على الصورة الأصدق للواقع الاقتصادي والسياسي للفرد والمجتمع والمتدهور من سيء إلى أسوأ، لنرى ونعيش هول المأساة حين نصطدم بالفقر والجوع والإكتئاب والبطالة بين صفوف الشباب... ولنرى الحسرة في عيون الأكبر سناً وهم يترحمون على عيشتهم في خمسينات وستينات القرن الماضي؛ ولنرى أين هو السوري من الشروط الصحية والبيئية! ولنرى أن الواقع الصحي هو من السوء الكافي لتصنف سورية بـالبلد رقم 105 إلى110 بالمستوى الصحي ما بين دول العالم.

وماذا بعد كي نتكلم عن إصلاح هذا النظام؟ فضلاً عن نسيان لواء اسكندرون، يتلخص سجل نظام البعث (والأسد) قومياً بإضاعة الجولان. في الوقت الذي تمتلئ به أراضي الجولان بالمستوطنات وتتغير جغرافيتها تدريجياً وتخلق إسرائيل على الأرض واقعاً يصعب تغييره حتى في المقاييس العالمية، يزداد فحش وبطر رموز النظام السوري في البزخ لتمويل مشاريعهم الخاصة والاستعراض الداخلي دون أن يفعل هذا النظام شيئاً من شأنه استعادة الجولان المحتل أو العمل بالحد الأدنى لإبقاء قضيته حية. أما الجيش فقد تحولت مهامه من مؤسسة لحماية البلد إلى جهاز لحماية السلطة الحاكمة والحفاظ عليها. فالضربات الإسرائيلية المتكررة، كان ذلك في لبنان أم في العمق السوري، لم تستدعي تحرك هذا الجيش للرد عليها، والتحركات الوحيدة للدبابات السورية منذ 1973 كانت بالمطلق لحماية النظام السوري وقمع الشعب واستعراض القوة. هذا النظام، الذي فشل في الحرب وفشل في السلم، لن يعود بالجولان إلى سورية، فلا هو قادر على فعل شيء ولا العالم يبغي فعل شيء لسورية في ظل هذا النظام، وما لا يقال صراحة وبالصوت العالي من المنابر الدولية يقال جانبياً في أروقتها، فيكرر، من جهة، أن وجود هضبة الجولان تحت سيطرة نظام ديمقراطي أكثر أماناً للمنطقة وبالتالي للعالم من وجودها تحت سيطرة نظام ديكتاتوري، ومن جهة أخرى يولي العالم اهتماماً ويقيم وزناً لرأي الشعب الذي يعيش في جو ديمقراطي أكثر مما يوليه لمن يسكت على الديكتاتورية. بتبسيط أكثر، نلحظ أن لا أحداً في العالم يعمل جدياً من أجل قضايا السوريين (والعرب عموماً) على اعتبار أن السوري (والعربي) لا يعرف الديمقراطية، يُقاد بالقوة ويفهم بالقوة والقمع هم الوسيلة المثلى لإسكاته، يهلل ويصفق للديكتاتور، قصير الذاكرة، وغيرها من الانطباعات. ومن جانب معاكس لذلك، نلحظ أن الإسرائيلي هو موضع اهتمام العالم على اعتبار أن الإسرائيلي ربي في أجواء الحرية ويعبر عن رأيه دون خوف، وهو ديمقراطي ، وينتخب من يحكمه... وهذا ما برز على الساحة العالمية في كيفية التعامل مع أرييل شارون إذ يُعامل عالمياً على أنه رئيس وزراء منتخب ديمقراطياً، أي يقف وراءه شعب ديمقراطي أراده وليس كسفاح وجزار للفلسطينيين. من هنا، لا نغالي إن قلنا أن وجود هكذا نظام قمعي ديكتاتوري في سورية هو سبب المشكلة القومية وليس وسيلة حلها.
وماذا بقي بعد كي تستمر المراهنات على إصلاح النظام السوري؟ هل يستطيع النظام الاستمرار في التذرع بقضية قومية و بمؤامرات خارجية أمريكية على الوطن بعد أن اعترف أعلى رموزه بالتعامل والتعاون الإستخباراتي مع الولايات المتحدة واستعداده للقيام بأي فعل من شأنه تحسين صورته لديها؟
لنعد مجدداً ونطرح نفس السؤال السابق: كيف لنا أن نقتنع أن هذا النظام الذي أثبتت التجربة فشله وعجزه وإفلاسه الكامل وطنياً وقومياً وإنسانياً يمكن إصلاحه؟ والأسئلة الأخرى التي لا تقل أهمية عن الأول هي حول رغبة هذا النظام بالإصلاح؟ هل يتحمل النظام السوري أن يخرج من جلده التسلطي؟ هل يتحمل رؤية الشعب ينال حقوقه ولو تدريجياً؟ أو هل يريد أن يتصالح مع الشعب؟ لا أعتقد أن هناك من يستطيع التبجح بالجواب بـ "نعم" على هذه الأسئلة ومثيلاتها. فرموز هذا النظام والمنتفعين معهم وصلوا من الغطرسة لدرجة أنهم صدقوا أنفسهم أنهم فوق البشر ويصعب عليهم أن يروا أنفسهم يعيشون مثل بقية البشر ويخضعون للقانون مثل بقية البشر؛ وصلوا من الفساد واللصوصية لدرجة أنهم لا يستطيعون بعدها العيش بنمط آخر؛ وصلوا بنظرتهم أن سورية هي بقرتهم الحلوب ولا يستطيعون أن يروا واقعاً آخر تكون فيه سورية لكل السوريين؛ وصلوا لدرجة أنهم لا يتقبلون أن يسمعوا رأياً آخر غير رأيهم دون أن يسجنوا أو يقتلوا قائله. هذا بالإضافة إلى منبع الذعر الدائم لديهم عما ارتكبوه ويرتكبوه من ممارسات فظيعة وجرائم ومجازر بحق السوريين على اختلاف ألوانهم السياسية وانتماءاتهم، فهم على يقين أن ذلك لن يمر دون حساب عندما يتمكن الشعب من قول كلمته وحكم نفسه. إن الكلام عن انفتاح النظام السوري على الشعب ليس أكثر من هراء. هذا النظام يدرك تماماً أن السير نحو الإصلاح يعني بداية النهاية له... لا تخلو من السذاجة فكرة أن تتخلى السلطة الديكتاتورية في سورية (أو أي مكان آخر في الوطن العربي) عن قوتها وتسلم ببساطة لشعبها أو حتى أن تعترف بحقوقه، والمثال الحي والحاضر أمامنا، لمن يتعظ، هو مثال صدام حسين ونظامه الذي بقي متنكراً لشعبه طيلة هذه السنين ولم يهمه إلا كيف يحكم العراق ويتصرف بمقدراته دون إعارة أدنى اهتمام للوطنيين العراقيين لا في خارج العراق ولا في داخله. وليس استطراداً أن نتذكر المهزلة التاريخية بإعطاء نظام صدام 18 مليون دولار أمريكي لمفتش الأسلحة السابق الأمريكي سكوت ريتر(وهو نفس المفتش الذي تسبب بقصف العراق أواخر عام 98!) لتصوير فيلم يمكن أن يخدم في النهاية مصداقية صدام ونظامه بعدم حيازتهم لأسلحة الدمار، في وسط مناخ كانت أعداداً كبيرة من العراقيين تبيع فيه ما تمتلكه (وبعضهم وفقاً للأنباء في تلك الفترة باع من دمه أو باع كليته...) من أجل المقدرة على تأمين قوتها. في نفس الوقت الذي كان فيه صدام حسين يبدي استعداده لفعل أي شيء يطلبه الأمريكان منه كان يهدد فيه المعارضة التي مدت يدها مراراً وتكراراً له بقطع اللسان. وفي المحصلة النهائية فضّل نظام صدام حسين أن تكون نهايته على يد الأجنبي على أن يتصالح مع شعبه، فضّل أن يسلم البلد للاحتلال الأجنبي على أن يسلمها للشعب العراقي، والبقية معروفة...فلندرك نحن في سورية مرة أخرى أن من يتمسك بالسلطة بهذا الشكل لا يمكن التعويل أنه سيتخلى من تلقاء نفسه وببساطة عن قوته ومصدرها.

من لا يتعظ من التاريخ، ومن لا يقرأ الواقع بدقة، ومن لا يعتبر أن الاستمرار في حبس معتقلي الرأي والضمير ورفدهم بجدد (أكثم نعيسة وغيره) ويحاول التخويف والاستدعاء العشوائي (الأمثلة الأحدث عبد الرزاق عيد وجهاد نصرة وغيرهم) فإنه يتجاهل أوليات السياسة. من يرى أن المخرج الوحيد هو "الإصلاح" فقد نسي أو تناسى الوسائل الأنفع في حالة سورية، نسي أن المطلوب هو "التغيير" ونسي وسائل النضال، ونسي ما يسمى بـ "العصيان المدني" و "التمرد" وإعداد الجماهير للقيام بـ"الثورة البيضاء". ومن بات لا يرى سبيلاً للخلاص في سورية إلا من خلال السلطة الحاكمة وبالطلب الخجول إليها بالإصلاح فإنه نسي الشعب ومقدراته، من ينتظر إصلاحاً يأتي من النظام القمعي الديكتاتوري فقد تعب من العمل وبات يستجدي السلطة للنظر بحاله، ومن ينتظر رحمة النظام السوري فقد تدجن كما في الحكاية التي بدأنا بها وأصبح يستجدي منتظراً الفضلات الإصلاحية!
أما نحن السوريون، أما آن لنا أن نتعلم أن جدية النظام السوري في الكلام عن الإصلاح تشبه جديته القديمة/الجديدة بمحاربة الفساد؟ أما آن لنا أن نزدري من يحاول العبث بعقولنا بأن ملاحقة الفساد تعني إرسال الشرطة لتصادر عربة بائع الخضار لأن الأخير يضع عربته في "مكان غير مرخص" بينما يُعطي عقد التاكسي الجوي ـ مثل بقية العقود الدسمة ـ لرامي مخلوف (ابن خال الرئيس الإصلاحي) الذي لا يقترن اسمه بالنزاهة؟ أما آن لنا أن نفضح ونتوعد من يستغلون نفوذهم ومناصبهم في سرقة البلد بأننا سنسترد أموال سورية ولو من أولاد هؤلاء وأحفادهم؟ أما آن لنا أن نتوقف عن التصفيق لمن يسرق البلد ونسميه إصلاحي؟ أما آن لنا أن نسمي الأشياء بمسمياتها؟ أما آن لنا أن نتحرك بدلاً من "نتفرج" على سرقة البلد ونستعرض ضياعه أمام أعيننا!؟ أما آن لنا أن نفكر أن العالم لن يتبنى قضيتنا ما لم نلتف نحن أنفسنا حولها ونتمسك بها وندافع عنها؟ أما آن لنا أن نفكر أن رموز نظام الأسد سيركبون الطائرات ـ عند الشدائد ـ ويغادرون إلى حيث أموالهم متكدسة بعد أن حلبوا سورية واستنزفوها حتى آخر قطرة؟!
نتساءل، ونتساءل، ونتساءل عن:
المعارضة السورية ودورها ومسؤوليتها وواجباتها؟

ولا ندري ما يجعل المعارضة تستكين للواقع دون أن تحاول التغيير فيه؟ لا ندري ماذا يمنع المعارضة من وضع برنامج سياسي وتعمل على تنفيذه؟ ولا ندري لماذا تميل المعارضة بمختلف تلاوينها على التركيز على النقاط التي تختلف عليها فيما بينها بدلاً من أن تتحالف ـ ولو تكتيكياً ـ على قاعدة ما تجتمع عليه؟ لا ندري لماذا لم يعني النداء للاعتصام أمام مجلس الشعب في آذار الماضي ضد العمل بقانون الطواريء شيئاً لأحزاب التجمع (وبشكل خاص للحزب الشيوعي ـ المكتب السياسي كحزب وليس لبعض الأفراد منه)؟ أو ماذا يمنع من تضافر الجهود والتنسيق الأوسع بين صفوف المعارضة في الداخل والخارج لإبقاء مطالب الشعب السوري العادلة في العيش بحرية وكرامة قضية حية؟ لماذا لا يسلط الضوء على ما يجري من انتهاكات يومية في داخل سورية؟ على السرقات والصفقات المشبوهة؟ وعلى فضح ممارسات السلطة؟ على جمع قصص أبناء شعبنا وتحضيرها لتقدم إلى محاكم العدل الدولية عاجلاً أم آجلاً؟ على توجيه رسائل إلى الهيئات الدولية من قبل المعارضة يوضح فيها ممارسات النظام السوري؟ وهنا تقع المسؤولية على المعارضة في الخارج بتوصيل صوتنا إلى الهيئات الدولية كي لا يشعر هذا النظام أنه بأمان أو أن رموزه يستطيعون التحرك بحرية دون مطاردة أصواتنا لنقطع الطريق على النماذج السلطوية التي تنشط في الخارج (أمثال بثينة شعبان وعماد مصطفى) وتذكير العالم بأن نشاطاتهم لا علاقة لها بمراكزهم المعلنة، يجب أن يفهم هؤلاء أننا لن ندعهم يستبدون بنا إلى الأبد، يجب أن يعرف رموز النظام السوري وكل من يشاركه بالجريمة أننا سنعمل كي لا يكون لهم ولأولادهم وأحفادهم ملاذاً آمناً في أي بقعة من العالم. لن ينفع مع السلطة الاستبدادية المطالبة الخجولة بحقوقنا، بل ينفع أكثر التظاهر أمام السفارات السورية في الخارج والتعاون لتحشيد الناس أمام السفارات السورية في الخارج وتسليم رسائل لوزارات الخارجية في الدول التي تستضيفها.
نعود ونتساءل أين هي المعارضة الآن من قضايا الشعب ومما يجري في الحياة السياسية اليومية في سورية؟
من المؤسف أن المعارضة لا تطور آليات ووسائل عملها السياسي النضالي! وإن كان الهدف الأول هو إسقاط النظام، فإن أحداً لا يطالب المعارضة برفع شعارات هي غير قادرة على تبنيها وترجمتها على أرض الواقع. ولا نعتبرها بطولة أن ننتحر أو نسترخص أنفسنا ونقدمها للنظام الطاغي بطرح الشعارات التي لا قدرة لنا على السير بها ضمن ظروفنا وطاقاتنا وإمكانياتنا ومن شأنها أن تقدمنا لقمة سائغة للنظام الجزار.. إنما المطلوب من المعارضة السورية معرفة نبض الشارع السوري والتجاوب معه والعمل على جعله فاعلاً في الحياة السياسية، والسوريون لن يبخلوا بالعطاء! من المؤلم حقاً أن الناس تبتعد عن المعارضة كما تبتعد عن النظام المستبد! ومن الغريب أن يكون الناس متقدمين بفهمهم للواقع السوري على المعارضة! ما هو تعليل المعارضة للشرخ القائم بينها وبين الشارع؟ وبماذا تفسر المعارضة عجزها أمام الناس عن تبني قضايا الناس؟ عندما نرى، على سبيل المثال، في حلب من يقوم سراً برمي المناشير عن الفساد في مختلف دوائر الدولة، وفي اللاذقية من يكتب مناشير (يوميات الحاصودي) يفضح بها الفساد والرشاوى في محاكم اللاذقية ويعطي بالأسماء والأرقام ما يجري، وعن فضيحة المحافظ بإعطاء العقود لفواز الأسد نتساءل أين هي المعارضة من أوجاع الناس؟ فبدلاً من تبني المعارضة لهذه الأصوات وتأطيرها وتجميعها لتصبح تياراً منظماًً قوياً، نجد أن الأحزاب المعارضة تتجاهل تلك الأصوات محبطة إياها لتنتهي أصواتاً فردية تتكلم لنفسها وتسمع نفسها فقط، ويؤول تعبيرها إلى تنفيس احتقان ليس أكثر! تتناسى المعارضة أن الناس تتعاطف مع، وتلتف حول الفريق الذي يبدي مصداقية في تبني قضاياها. من الغرابة حقاً أن تتجاهل المعارضة صوت الشارع وتلتفت إلى صوت السلطة وتردده في أقاويل مثل: "الإصلاح يأتي من الداخل"، "لا نستقوي بالخارج"، "لا نريد فرض الديمقراطية علينا" وما شابهها... ولكن ما يتناساه هؤلاء هو أن نظام الأسد يرمي بالأقاويل ذاتها إلى الاستهلاك المحلي حصراً وفي الواقع يسعى في ذات الوقت لكسب الرضا الأمريكي بأي شكل كان. أما خطاب المعارضة هذا فلا يتوانى النظام السوري عن توظيفه ليقول للأمريكان أن النظام القائم هو الأفضل لهم وبديله معاد لأمريكا، وليوضح هذا النظام أن المعارضة السورية تفضل قمع النظام السوري على وعود الأمريكان بالديمقراطية. أليس حرياً بالمعارضة أن تدرس أبعاد شعاراتها وأين توظف هذه الشعارات؟ نعم، كلنا ضد الأمريكان وسنعمل ما بوسعنا كي لا ينتهي بلدنا إلى الدمار ولكننا ضد نظام الأسد أيضاً ولا نريد أن يستمر هذا النظام في حكمنا إلى ما لا نهاية، والأهم من ذلك أننا لا نريد أن يكون وجود هذا النظام ذريعة للأمريكان للتدخل ببلدنا كما حصل في العراق. ليس هدفنا المحافظة على نظام الأسد الجملوكي ولا نريد إسداء النصح له لتجميل نفسه وإعادة إنتاجها وتسويقها، بل نريد أن نبني بلدنا ودولتنا على أسس ديمقراطية بعيداً عن الاعتبارات الضيقة، نريد سوريا لكل السوريين، وما هدمه نظام البعث والأسد في أربعة عقود يحتاج ـ مهما ركضنا ـ لا بأقل من أربعة عقود لإعادة بنائه.


[1]
دعيت "Reform Bill" ونفذت وفقاً للوضع العام في كل فترة: الأول عام 1832 والثاني 1867 ومن ثم الثالث مابين 1884 ـ 85.
[2]
في عام 1819 قمعت الحكومة البريطانية الجماهير المطالبة بالإصلاح وأدت المصادمات إلى وقوع قتلى بين الناس فيما أصبح يعرف بـ "بيترلو" Peterloo، نسبة إلى حقول St. Peter بمانشستر التسمية التي تأتي من التضاد الهازيء من النصر الأوربي في "ووترلو" Waterloo عام 1815 والذي أنهى الهيمنة الفرنسية على القارة الأوربية وكان بداية تغييرات سياسية هامة في أوربا.
[3]
من أمثال: Matthew Arnold, Thomas Carlyle, John Ruskin وغيرهم.
[4]
انظر F. J. C. Hearnshaw (ed.), The Social and Political Ideas of some Representative Thinkers of the Victorian Age: A Series of Lectures Delivered at King s College University of London During the Session 1931-32 (London, Bombay, Sidney: George G. Harrap & Co. LTD, 1933).

[5]
انظرDonald & Elliot Morrison, Changing Britain 1850-1979(UK: Pulse Publications, 1991) .
Peter Stansky (ed.), The Victorian Revolution: Government and Society in
Victoria s Britain (USA: A Division of Franklin Watts, Inc., 1973.

[6]
المثال الأحدث هو مقتل قاسم محمد حامد من المالكية.

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط