عمران سلمان / Jan 28, 2007

الاقتتال الحالي بين الفلسطينيين، والبعض يسميه حربا أهلية، هو الثمرة الطبيعية لفوز حركة حماس في الانتخابات الفلسطينية وتشكيلها الحكومة الجديدة في مارس الماضي.

 

فحماس لم تنتقل بفكرها وبرنامجها السياسي من واقع "الحركة" و"الميليشيات المسلحة" إلى فكر الدولة أو الحكومة. إن حماس هنا تشبه حركة فتح خلال الثمانينات. فهذه الأخيرة وقبل اتفاق أوسلو كانت تتصرف بمنطق الميليشيات أيضا، وكانت شعاراتها وعملها السياسي والعسكري، موجه بالأساس نحو حرب العصابات أو العمل الفدائي.

 

لكن فتح تغيرت بعد اتفاقات السلام مع إسرائيل، وأخذت تكيف نفسها مع الواقع الجديد المتمثل في سيطرتها على الأرض وبناء المؤسسات الفلسطينية، ووجود حكومة وأجهزة أمنية وسياسية، وشريك سياسي إسرائيلي، وأيضا أطراف دولية معنية وملتزمة بإنجاح عملية السلام.

 

ورغم أن حركة فتح هي الأخرى لم تغادر كليا الفكر الميليشياوي وأوهام إزالة إسرائيل، وقد رأينا بعضا منها لدى الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في السنوات الأخيرة، إلا أن فتح أصبحت أكثر نضوجا، خصوصا مع زعامة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وهي قطعت شوطا كبيرا في تحضير نفسها للقبول بإقامة دولة فلسطينية مستقلة.

 

على العكس من ذلك فإن حماس ليست معنية بإقامة دولة فلسطينية في الوقت الراهن، بقدر عنايتها بتوسيع نفوذها السياسي وزيادة قوتها العسكرية في المناطق الفلسطينية إلى أبعد مدى ممكن.

 

حماس تعتبر الدولة الفلسطينية عبئا عليها، لأنها ستقضي على أمتع أحلامها وهو إزالة إسرائيل من الوجود. كما أن إقامة الدولة تستلزم إجراء مفاوضات طويلة ومضنية مع الإسرائيليين ومع المجتمع الدولي. وهو ما يعني أن تضع السلاح جانبا، وأن تخفف من علاقاتها مع المحور الإيراني السوري ومن لف لفه.

 

 لقد كان من السهل على حماس عندما كانت مجرد حركة مسلحة أن تتجاهل موضوع الدولة المستقلة وتعتبر نفسها غير معنية بها، لكنها وقد أصبحت حكومة تمثل جميع الفلسطينيين، فإنها وجدت نفسها أمام واقع جديد ومختلف. 

أصبحت مطالبة بإبداء رأيها في موضوع الدولة وموضوع الاتفاقات السلمية وما يترتب عليها.

 

وحين حاول المجتمع الدولي، أن يرغمها على الاختيار، بين العمل الميليشياوي والعمل السياسي، رفضت حماس وعاندت وأخذت تناور وتماطل أملا في كسب الوقت، وفرض سيطرتها بواسطة السلاح وقوة الأمر الواقع.

 

وهذا هو سبب فشل جولات الحوار المتعددة مع الرئيس محمود عباس، وسبب الشلل التام الذي يعيشه المجتمع الفلسطيني. 

 

لكن في الأخير لن يصح إلى الصحيح، ومن غير الممكن الهروب من الاستحقاقات المطلوب دفعها،  فحبل المناورات قصير، وهو سرعان ما يضيّق الخناق على أصحابه.

 

لذلك وجدت حماس نفسها أمام ثلاثة خيارات، كان عليها أن تختار واحدا منها:

 

أولا: الاستجابة لمطالب المجتمع الدولي، في نبذ العنف والاعتراف بإسرائيل والاعتراف بالاتفاقات السابقة التي وقعتها السلطة الفلسطينية مع الجانب الإسرائيلي.

 

وهذا الخيار رفضته حركة حماس لأنه يناقض أيديولوجيتها وعقديتها القائمة على تدمير إسرائيل ورمي اليهود في البحر. كما أنها ايديولوجية الحركة الأم التي انبثقت منها حماس وهي حركة الإخوان المسلمين، وكذلك عقيدة الراعي والممول الأول لحماس وهو نظام الملالي في إيران.

 

الخيار الثاني، هو الذهاب إلى انتخابات مبكرة، رئاسية ونيابية، وهو ما رفضته الحركة أيضا، لشعورها بأن الفلسطينيين قد لا يمنحونها أصواتهم كما في السابق، خاصة بعد أن جربوا الوعود الفارغة والشعارات الجوفاء التي أوصلتهم إلى قاع الحضيض من الجوع والمهانة والذل. وأكثر هذه الشعارات طرافة هو ما صرح به رئيس حكومة حماس إسماعيل هنية، بأن الفلسطينيين يستطيعون العيش على الزعتر والزيتون!

ولهذا الشعار أخ غير شقيق أطلقه عمر البشير قائد انقلاب الانقاذ في السودان، ويقول "نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع"!

 

الخيار الثالث، وهو الاستمرار في بناء القوة المسلحة لحماس وتوسيعها، ومن ثم تحجيم وجود حركة فتح في قطاع غزة تحديدا، أملا في أن يتشكل واقع جديد، تبرز معه الحركة كمسيطرة على القطاع والقوة الرئيسية فيه، وبما يجبر الآخرين على التعامل معها وحدها.

 

 ويبدوا أن حماس اختارت منذ البداية الخيار الثالث، وهي تعمل عليه، سواء عبر القوة التنفيذية أو عبر ميليشياتها في كتائب القسام،  وفي سبيل عدم عرقلة خططها، لجأت إلى تكتيك المحادثات مع فتح  حول إنشاء حكومة وحدة طنية، أملا في كسب الوقت، إلى حين تصل إلى مرحلة لا تكون فيها بحاجة إلى التمويه على أهدافها الحقيقية.

 

لكن ما حدث هو أن أوراق هذه اللعبة مكشوفة لدى باقي الفلسطينيين، وهم يعرفون بنوايا حماس، ويرون بأنفسهم الأموال الإيرانية وهي تتدفق على أنصار الحركة، كما يسمعون تصريحات زعمائها وصداها المتردد في بعض الفضائيات العربية ووسائل الإعلام الأخرى التابعة للإخوان المسلمين وللمحور الإيراني السوري.

 

ولذلك لم يكن لهم أن يقفوا مكتوفي الأيدي، فقد سارعت حركة فتح هي الأخرى إلى زيادة حجم قوتها العسكرية، كما سعت إلى توسيع عدد أفراد الحرس الوطني التابع للرئيس الفلسطيني محمود عباس، فضلا عن الاجهزة الامنية الأخرى في غزة.

 

هنا أسقط في يد حماس، ودفعها ذلك إلى تفجير الوضع، أملا في حسمه عسكريا لصالحها. والاقتال الحالي، هو جزء من هذا التوجه، ويتوقع ان يتواصل هذا الاقتتال وتشتد ضراوته في الفترة القادمة.

==========

عمران سلمان، رئيس تحرير آفاق

www.aafaq.org

Omrans80@yahoo.com

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط