دمشق مستعدة للمفاوضات
د. أكرم شلغين / Feb 11, 2005

من يلقي نظرة سريعة على العناوين الإخبارية هذه الأيام سيظن للوهلة الأولى أن الصحف تبدو وكأنها تقع في خطأ ما فيما يخص خبراً معيناً تعيد نشره يومياً سهواً أو أن هذه الصحف تنسى تجديد مواقعها أو ما إلى ذلك، فخبر أن "دمشق مستعدة للمفاوضات مع إسرائيل من نقطة الصفر وبدون أي شروط" هو الأكثر تواجداً في أخبار هذه الأيام، ولكن عندما نقرأ ما تحت العناوين ندرك أنه وإن كان فحوى الخبر ومضمونه قديم وواحد إلا أن رسائل النظام السوري هي التي تتجدد وتتعدد وتتكرر. ففي ما هو مأخوذ من صحيفة معاريف الإسرائيلية نقرأ عن رغبة النظام السوري المذكورة منقولة لإسرائيل عبر وزير عربي لبلد مجاور، وفي اليوم التالي نقرأ تصريح وزير الخارجية المصري أن سوريا جاهزة للمفاوضات من نقطة الصفر، وفي اليوم الثالث تتكرر نفس الرغبة عبر مبعوث الأمم المتحدة وفي اليوم الرابع عبر موفد الإتحاد الأوربي....ورسائل الرغبة هذه ستتكرر في المستقبل، كما أنها تتكرر وبإلحاح منذ زمن.

أن تصل رسائل النظام السوري إلى أمام أعين عمياء وتقع كلماته على آذان صماء ويبدو حالهم كمن وقف بمفرده ينادي بأعلى صوته فلا ترده استجابة وإنما يسمع فقط صدى صوته وكلماته تترد وتعاد مراراً فيصرخ من جديد فهذا أمر وأما ما يهدف إليه النظام من وراء هذه الرسائل فهو أمر آخر. لا يختلف اثنان على أن تاريخ ونهج النظام السوري وما يقوم به لا تنبعث من أرضية التفكير بالوطن والمواطن والدولة والمؤسسات وإنما كبرى مشاغل النظام تنحصر في كيفية محافظة رموزه وعوائلهم ومحسوبياتهم على الواقع الراهن من حيث احتكارهم للمواقع السلطوية وسيطرتهم على القوة والقرار سياسياً واقتصادياً. و كما لاحظ العديد، فإن دعوة النظام السوري اليومية إسرائيل للمفاوضات من الصفر وبدون شروط تندرج ضمن نفس إطار وغاية النظام في المحافظة على مواقعه في السلطة انطلاقاً من الاعتقاد أن المفاوضات مع إسرائيل ستحفز الولايات المتحدة الأمريكية لمكافأة النظام السوري بدلا من الضغوط التي تمارسها عليه. إزاء هذه الذهنية وهذه الدوافع التي تدمغ النداء للمفاوضات، يبدو حال النظام السوري مثيراً للسخرية إذ لا يزال هذا النظام يتجاهل أن الزمن قد تغير أو، بنفس الوقت، ربما لأن فهمه السياسي أصبح قاصراً أو بالأحرى متخلفاً لدرجة أنه لم يعد يستوعب ماذا يحصل في العالم أو حتى في الوسط القريب من حوله حين يعتقد بسريان مفعول أسلوب المناورة أو نهج المقايضة الذي اتبعهما طيلة العقود الماضية من جهة وحين لا يدرك لماذا لا تستجيب إسرائيل لنداءاته من جهة أخرى.

لا شك أن الشعب السوري يتمنى أن يقرأ أن النظام يطلق ولو مرة واحدة نداء للمفاوضات إلى الشعب السوري (بغض النظر عن الشروط ونقطة الصفر) أو يطلق ما فيه مسعى لمراضاة هذا الشعب الصامت على القمع والقهر والفساد والدمار العام الذي سببه وجود النظام العفن في سوريا.

أما المهزلة التاريخية الحقيقية فهي توجه النظام السوري بنداء استغاثة للخارج كي يستمر في حكم الداخل. نسميها مهزلة ليس فقط بسبب الفارق الجذري بين النظام السوري وبين من يدير دفة الحكم في العالم المتمدن، حيث أن من يقود في بلدان العالم يريد رضاء الشعب الناخب ولهذا يتوجه بنداءاته ووعوده وتوسله إلى الشعب في الداخل أما نظام البعث الأسدي – والموجود أساساً في الحكم بشكل غير شرعي- فبالعكس يتوجه للخارج للبقاء في مكانه متجاهلاً الداخل والشعب السوري ومطالبه واحتياجاته، بل أيضاً وأكثر نظراً لأن نداء استنجاد النظام السوري للخارج، الذي قد يساعده بالاستمرار في الحكم، تتوجه - وياللمفارقة العجيبة - تحديداً لإسرائيل. في الوقت الذي يتوجه فيه النظام السوري إلى الخارج للبقاء في موقعه وقوته يستمر صمت المثقفين والمعارضين السوريين الذين يخونهم النظام السوري ويتهمهم بالقبض من السفارات الأجنبية ويحرمهم من لقمة العيش ويسجنهم ويقتلهم كيفما يشاء دون حسيب أو رقيب. ويستمر خوف هؤلاء المثقفين إن هم قالوا قولاً يسبب في إخراجهم من دائرة الصفة "الوطنية" التي رسمها بشار الأسد وفاروق الشرع.

من جانبنا، كسوريين عانينا ونعاني الكثير من هذا النظام الغاصب اللاشرعي، نتمنى أن لا يحظى الأسد ونظامه على ما يريد من إسرائيل وذكرناه أعلاه. وكي لا يفهمنا أحد بأننا ضد السلام نقول: على العكس تماماً نحن مع ومن أنصار السلام العادل والدائم، ولكننا ضد نظام البعث الأسدي الذي لا يريد السلام إلا بالشكل الذي تستفيد منه العوائل الحاكمة والحواشي المتنفذة في سوريا. وكل ما نتمناه هنا على المعارضة والمثقفين السوريين – بهذا الخصوص- هو أن يستفيدوا من هذا الظرف التاريخي حيث النظام السوري يواجه الضغوط، وكذلك ألا يقع السوريون ومثقفيهم ومعارضتهم بنفس الخطأ الذي وقع فيه الكثير من المثقفين المصريين الذين أجهروا بمواقفهم من أنهم ضد التطبيع مع إسرائيل وأعلنوا عداوتهم لها وأنهم ضد الإمبريالية وضد وضد...، الأمر الذي ضخمته آلة حسني مبارك الإعلامية لتقول لمالكي مفاتيح القوة الكونية وصناع القرار في العالم أن نظام حسني مبارك هو الأفضل في مصر والضابط الوحيد للشعب المصري ومثقفيه والذين هم إما قوميون أو إسلاميون أو يساريون معادون للسلام وللعالم مما أتاح لحسني مبارك ونظامه إطلاق اليد بأريحية تامة ضد شعبه فراح يسجن ويستلب وينكل بالمثقفين المصريين أمام صمت وتجاهل العالم. ونفس الشيء في سوريا فيما لو استطاع النظام ترتيب أموره مع أمريكا وإسرائيل فسيبدو أنه المحب الوحيد للسلام في سوريا وسيصور اليسار –استناداً إلى تصريحاته- على أنه يكره إسرائيل وأمريكا واليمين الإسلامي إرهابي. لعل من مهازل التاريخ والسياسة أن تندد دول العالم في الأيام الماضية (بما فيها فرنسا والولايات المتحدة) بجمهورية توغو (Togo) في غرب إفريقيا وتهددها بالعقوبات لأن الرئاسة فيها ورثها الابن من أبيه، أما في البلدان العربية فيورث الحكام الرئاسة لأولادهم أمام صمت ورضا العالم الذي لديه تصور أن هؤلاء الحكام وأولادهم ينفردون بحبهم للسلام ومتحضرون ويقتربون من الغرب بعكس الشعوب التي يحكمونها.

من حقنا كسوريين أن نعري مزاعم النظام السوري أنه محب للسلام وأنه وجوده ضروري لضبط الشعب السوري، ومن حقنا أن نسمع صوتنا للعالم عن القهر الذي نعيش فيه، وبموازاة فضح نظام البعث الأسدي، من حقنا نحن السوريون أن نقدم أنفسنا للعالم بأننا لسنا عنصريون ولسنا ضد السلام وليس لنا كراهية تجاه الشعوب الأخرى وكل ما نطلبه هو أن نكون جزء من الأسرة الإنسانية الدولية نعيش بأمان وسلام بعيداً عن استعباد النظام الطاغي اللاشرعي الذي يتحكم بسوريا وشعبها ومقدراتها.

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط