محمود كرم / Jul 16, 2007

حسناً، الحرب الآن يا سيد حسن نصر الله أصبحت مفتوحة كما أعلنتها مدوية صريحة، فكم من الضحايا والدماء والأرواح والخسائر تريد أن يدفعها شعبكَ وبلدكَ لبنان لكي تُشبع بها غرورك السياسي ونرجسيتك الدينية وسلطتك المقدسة، وتعلن بعدها أنكَ انتصرت وهزمت إسرائيل وحررت الأسرى واعدت القدس ووعدكَ (الصادق) اقتربتَ من تنفيذه كاملاً بمباركة نورانية إلهية من إيران ومباركة عروبية متنرجسة من سوريا..

 

الزرقاويون في حماس يهللون لك يا سيد حسن نصر الله، والبعثيون في سوريا يصفقون لك، والمعممون في إيران يقودنكَ إلى المجد والنصر المؤزر، والصدريون في العراق يكبرون لك، والقوميون في الفضائيات يلعلعون بأعلى حناجرهم لك والإخوانيون في مصر يؤيدونك، وزد على تلك التوليفة (الرهيبة) مجموعة من الكويتيين المجانين من أنصارك ومحبيك وأتباعك يرفعون صورك (البهية) عالياً ويهتفون باسمك في الشوارع والمسيرات ومنهم مَن هو نائب في البرلمان دون أي اكتراث للحس الوطني والمسئولية السياسية..

 

فماذا تريد أكثر من هذا يا سيد حسن، المجاميع الغوغائية والأمة الخائبة تقف معك، وتؤازرك في كل مغامرة وفي كل شعار وفي كل مرحلة، ويريدون منك أن تثأر لكرامتهم المفقودة وتحرق إسرئيل عن بكرة أبيها وتدفع بشعبكَ المثخن بجراحات الحرب الأهلية والأوضاع السيئة في أتون النار والحروب المدمرة..

 

استبشر خيراً يا سيد حسن نصر الله، فمع كل صاروخ كاتيوشا تسقطها على شمال إسرائيل، ستجد التهاليل تنطلق من أرض العرب بالنصر الأكيد لك ولحزبك المقدس، ومع كل قذيفة تطلقها إسرائيل على رؤوس شعبك ستجد العرب والمسلمين يهتفون منتصرين منتشين : قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار..

 

أعرفُ جيداً كم هي أمتنا مولعة ومفتونة بحفنة من قادة الإسلام السياسي، الذين يجيدون ارتكاب الحماقات والكوارث فقط، ويعشقون المغامرات الكبرى ومتيمون بالشعارات حد الهوس، ويمجدون الموت المجاني ويعبثون بإنسانية الإنسان، ولا يعرفون العيش إلا بين التوترات ولهب النيران وعتاد الخطب الصوتية، ومغرمون أبداً ودائماً بحماسيات التراث البلاغي العكاظي، ومهووسون باستحضار البلاغيات الشعرية والمنبرية والدينية اللاهبة للمشاعر والعواطف..

 

وقودهم دائماً في الحروب الخاسرة والرهانات الفاشلة الشعوب المغيّبة الهتافة الراضية لاستبدادهم الديني وشهوانيتهم التسلطية، مادام أولئك القادة والملهمون من السماء يأخذونهم سريعاً إلى جنات الخلد والنعيم الأبدي وأحضان الحور العين..

 

لم تعد هناك كلمة دخلت قاموس العهر الثقافي والابتذال السلوكي ككلمة (المقاومة)، ومن قبل كانت (الشهادة) هي الأخرى الجسر الذي امتطاه الكثيرون من أرباب القتل والتفجير وحولوها إلى مفردة تتسكع عارية متهتكة متفسخة في دروب أعمالهم الإجرامية التفجيرية حتى أسبغوا على الزرقاوي وبقية المجرمين لقب شهيد الأمة..

 

الآن قواعد اللعبة تغيرت كما صرحت بذلك يا سيد حسن نصر الله، ولكن كيف تغيرت ومَن استطاع أن يغيرها ومَن يدفع بها نحو التغيير، ومَن بالتالي عليه أن يخضع لشروط تغيّر اللعبة، أنتَ أم شعبك وبلدك، أم العاملون عند ولاية الفقيه في إيران، أم سدنة الحكم البعثي في سوريا، أم الإسرائيليون الذين راقت لهم هذه اللعبة التي أوجدتها أنتَ وجعلتها تتراقص بين أيديهم..

 

كل ما في الأمر يا سيد حسن إنها لعبة، كما اشتهيتها ورغبت فيها، ولعبة مسلية لكل الأطراف، وكل فريق أصبح يستمتع بهذه اللعبة، ولكن مَن سيخرج خاسراً من هذه اللعبة ومَن سيعلن انتصاره في نهاية المطاف..

وكيف تريد أن تكون نهاية المطاف يا سيد حسن، أفي تتوجيكَ بطلاً جديداً لهذه الأمة بعد بطلها الأوحد عبد الناصر، أم في تتويج حلمكَ الديني بنهاية إسرائيل أم بأخذكَ لشعبكَ إلى هاوية الدمار والموت، أم بالعمر الذي يجب أن يفنيه اللبناني ما بين دمار وتعمير في كل مرة..

 

نعرفُ جيداً أن أفضل استثمار في السياسة هو الاستثمار بالقضية الفلسطينية ومَن يبرع جيداً في هذا المضمار ينال قدراً أكبر من التصفيق والهتاف والتمجيد، وفي مقابل هذا الاستثمار كانت الشعوب تدفع كثيراً من مستقبلها وتنميتها واقتصادها لكي يبقى القائد والرمز والسيد وآية الله في مقدمة المنافحين عن (شرف) الأمة، وكم واحد منذ نصف قرن عَرِف جيداً كيف يستثمر في هذه القضية، وكلما كان الاستثمار يتأسس على البعد الديني كانت عوائده أعلى، ولن يكون حسن نصر الله آخرهم وليس بالتأكيد أولهم..

 

وفي وضع أليم على كل محبٍ للبنان، يعلن فؤاد السنيورة أن لبنان أصبح بلداً منكوباً، يا سيادة الرئيس أنتَ تعرف أن لبنان منكوب بمن، أليس بأمراء الحرب وبزعامات المافيا السياسية وبالقادة الدينيين وبشرعيتها المستباحة وبالأجندات المعدة سلفاً في سوريا وإيران..

محمود كرم، كاتب كويتي  tloo1@hotmail.com

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط