محمود كرم / Apr 19, 2006

شخصياً لا أستطيع أن أفهم الولع الإيراني المحموم لامتلاك السلاح النووي إلا ضمن سياقاته الثورية المشبعة بالاعتداد النرجسي للهوية الدينية والمسكونة بهواجس القوة، وللتدليل على تثبيت تلك السياقات في المخيال الفلسفي الإيراني الديني كان أن تم الإعلان عن دخول إيران النادي النووي على لسان الرئيس (أحمدي نجاد) المتحمس جداً لمشروعه الحُلم وفق كرنفال ديني مبهرج صاحبه ابهار في المؤثرات الدينية، حيث تزامن الاعلان عنه مع مولد الرسول، وأقيم في مدينة مشهد التي لها قدسيتها التراثية والدينية في الفكر الشيعي، ووسط أجواء مفعمة بنشوة الانتماء الديني والحلم القومي الوطني. وربما أراد (نجاد) والحكم الديني المسيطر هناك في إيران توجيه رسالة معينة خاصة إلى مريديهم في العالم، وفي ذات الوقت توجيه نفس الرسالة المحددة إلى كل الذين يعارضون مضي ايران في مسألة السلاح النووي، مفادها أن ما فعلته ايران الجمهورية الإسلامية في هذا المضمار هو تتويج للحلم الديني الثوري المبني على أحلام القوة والهيبة والمنعة  ..

 

وبطبيعة الحال هناك قراءات سياسية عديدة  للمشهد النووي الايراني، ولكني لا أريد الخوض في متاهاتها المختلفة، فكما أعتقد إن هناك جانباً مهماً ذو صبغة دينية شديدة الوضوح في هذا المجال، ويعتبر مكوناً أساسياً في سعي ايران لامتلاك السلاح النووي والاعلان عنه والتصميم عليه ..

 

وكما هو واضح أن ايران الاسلامية ترتكز في فكرها الديني على مرجعية دينية تتمثل في (ولاية الفقيه) والتي تعني في أحد أهم أسباب قوتها ونفوذها على أن تكون لولي الفقيه سلطة مطلقة، وحسب التعبير الفقهي لها أن يكون ولي الفقيه مبسوط اليد، أي أن يمتلك أسباب القوة الكاملة من حيث المال والموارد الطبيعية والسلاح وغيره ما يجعله في مقام ولي الفقيه المبسوط اليد وقائماً بالتالي بمهمات هذا المنصب بكل جدارة واستحقاق، وانطلاقاً من ذلك ولتدعيم سلطة ولاية الفقيه بأسباب القوة الكاملة (المنيعة) كان أنِ اتجه الحكم الديني في ايران نحو التركيز على المشروع النووي وتطويره ليحقق لمكانة ولي الفقيه في ايران وفي العالم قوةً مضاعفة وسلطة معززة بقوة السلاح. وبما أن ايران تجد نفسها دائماً في موقع التصدي لسياسات أمريكا (الشيطان الأكبر) وتجد نفسها المدافع الأول عن حقوق (المستضعفين) في العالم الإسلامي، وعلاوة على ذلك كما هو واضح أن ايران مسكونة بالأيديولوجية الدينية التي ترى أن العالم ينقسم إلى معسكرين (الايمان والكفر)، وبما إنها مدافعة عن معسكر الايمان ومفوضة من السماء بذلك حسب اعتقاداتها الدينية التي لا تقبل الجدال والتشكيك فيها، فإنها تبعاً لذلك تجد نفسها مسئولة مسئولية سماوية تفويضية بمحاربة قوى الكفر والامبرالية في العالم، وعتادها في هذه الحرب (المقدسة) امتلاك القوة النووية التي تجعلها على المستوى السياسي والعقائدي والفكري أن تتوفر لديها أسباب المواجهة العلنية الصريحة مع تلك الدول التي تريد شراً بايران الاسلامية وبالمسلمين. وقد يبدو منطقياً بالنسبة لايران على المستوى الشعبي والقومي وبالنسبة لجمهور المسلمين الذين يجدون فيها القوة الاسلامية الناهضة التي ستهزم لا محالة أمريكا ودول الغرب وتعيد لهم أمجاد الاسلام الأول، أن يتولى (أحمدي نجاد) الرئيس الثوري العنيد تطوير المشروع النووي والمضي فيه بكل قوة وبسالة وشجاعة، ويعلن على الملأ دخول ايران النادي النووي خاصةً بعد تلكؤ وتردد الرئيسين السابقين (رفسنجاني وخاتمي) من قبله في المضي حثيثاً نحو تنفيذ برنامج السلاح النووي، وخضوعهما بالتالي لضغوط المجتمع الدولي. بينما يبرهن (نجاد) منذ توليه مقاليد الرئاسة على شجاعة وبسالة واقدام في التصميم على المشروع النووي وتحدي قوى (الاستكبار) العالمي وإظهار ايران كقوة عسكرية (اسلامية) على المسرح العالمي، وما قامت به ايران مؤخراً يصب في تعزيز هذا الاتجاه من حيث قيامها باستعراض عسكري ضخم تم في شهر فبراير الماضي وتبعته بالمناورات الحربية في مضيق هرمز والاعلان عن امتلاكها اسرع صاروخ بحري في العالم، وفوق هذا وذاك تصريحات نجاد الثورية العقائدية الملهبة لحماس الجمهور الاسلامي في كل مكان من العالم المتضمنة محو اسرائيل من العالم. فكل تلك الظواهر والاستعراضات قد خلقت من (نجاد) الرئيس الأقوى والأشجع والأصلح لتحقيق أحلام القوة والمنعة والهيبة لمعسكر الايمان في مواجهة معسكر الكفر، وهذا الأمر يعني لإيران الاسلامية الكثير على مستوى التحشيد التعبوي للذات الدينية، والذي سيتوج الحلم الديني بأسباب وأحلام القوة، ولن يتنازل (نجاد) عن مواقفه المتصلبة في هذا الاتجاه لأنه استطاع أن يثبت لكل العالم قوة (الاسلام) الراهنة في مواجهة قوى الكفر والظلال، وستبقى ايران الدينية مدفوعة بهذا الحلم، وقد لا أبالغ إذا قلت أن امتلاك السلاح النووي يعتبره القادة الدينيون في ايران تمهيداً لخروج (المهدي) الإمام الغائب ..!!

 

وربما من السذاجة ما يردده القادة الدينيون في إيران وبقية أتباعهم في العالم العربي والإسلامي من أن امتلاك الجمهورية الإسلامية للسلاح النووي والمضي في عمليات تخصيب اليورانيوم قد أضاف قوةً لإيران من حيث اعتلائها العرش النووي ودخول ناديه بجدارة، ولا أدري كيف يفكر هؤلاء الذين يجدون في دولة تصرف الملايين من الدولارات على بناء المشروع النووي وتغفل في المقابل بناء الفرد الإيراني إنها مثال لدولة الحق والقوة، دون أن يفكروا ما الذي سيضيفه النووي للجمهورية الإسلامية في الوقت الذي تغرق بالتخلف والماضوية ومساوئ الفقر وانعدام الحريات والتطاول على حقوق الإنسان والتسلط الديني على الأفراد وغياب التعددية السياسية والفكرية..

 

الدول المستبدة المحكومة بعقلية المؤسسة الدينية التي تتلقى التفويض الكامل من السماء ومن سلطة ولي الفقيه لا تعير اهتماماً يذكر للإنسان، وتستهين بكرامته وحقه الكامل في التمتع بالحياة وتسلبه أبسط حقوقه في الاختيار والعيش بحرية كما يريد ويشاء، وترديه في مشاريع الموت المجانية والمغامرات الخاسرة ..

 

كاتب كويتي  tloo1@hotmail.com

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط