د. أكرم شلغين / Nov 21, 2004

لا ندري إن كان حافظ الأسد قرأ ماكيافيللي أم لا! ولكننا متأكدين من أن أبرز أوجه طريقته في الحكم هي الترجمة المفرطة في التطرف للنصيحة الماكيافيللية (للأمير) التي تشدد على أنه "أكثر أماناً للقائد أن يخافه الناس من أن يحبونه". وبالفعل، عمل الأسد على زرع الخوف في قلوب الناس.. وخافه الناس. لا بهمِّ محبة المواطنين له بل بالقلق على كرسيه تعامل الأسد مع السوريين؛ لا بعقلية الوطني الخادم لقضايا الشعب والوطن والدولة بل بذهنية المهووس في أمنه وهيمنته وسيطرته حكم الأسد سورية، ولعل الوصف الأدق لفهم الأسد ومؤرقاته يأتي من رفيقه السابق حمود الشوفي الذي عرفه عن قرب وخلص أن "نظرة الأسد للأمور لم تكن نظرة رجل دولة بل كانت نظرة رجل أمن". نظر الأسد بعين الشك والريبة للجميع ظناً منه أن كل فرد سوري رهين عين الطريقة التي يفكر بها هو نفسه (أي الأسد) و أن كل سوري بنظر حافظ الأسد يتحين الفرصة ليتآمر وينقض على الأسد منتزعاً منه كرسي الحكم، وبالمقابل عاش السوري في أجواء الخوف من أن يسلك ما يجعله مثار الشك أو أن يُغضب أجهزة أمن الأسد الداشرة التي تخطف وتخفي وتقتل وتروع وتنكل في غياب القانون وانعدام الحد الأدنى للعلاقات الإنسانية والأخلاقية. هندس الأسد سورية لتصبح بلد المخابرات وبلد ملثمي الليالي المدججين بالسلاح وبلد المافيات المنفلتة من عقالها لتمارس القتل هواية والتنكيل والترويع رياضة، ولتكون سورية بلد القتل والسجن والحرمان والقمع. بنهج القتل حكم الأسد وبجو الإرهاب والرعب والخوف من القتل والسجن والإخفاء عاش، ويعيش، السوري. بذهنيته الغارقة في الشك، كره الأسد السوريين وحقد عليهم .. وكرهه السوريون بدورهم لحكمه الذي استلب منهم كل مقومات المواطنة والشروط الإنسانية؛ هكذا،لأنه حول سوريا إلى بلد القمع الوحشي والإرهاب، بلد المحسوبيات، وبلد عائلة الأسد وزبانيتها.. كرهه السوريون ويأسوا في أمنيات الخلاص منه.
وإذ لا تخامرنا أدنى درجات الشك في مصداقية ووطنية أي سوري ـ بالرغم من الضبابية التي وجد نفسه مرغماً وسطها، ومعرفتنا أن الوطنية ليست شهادة يوزعها نظام البعث والأسد على هذا وذاك، إضافة إلى تيقننا من أن السوري لا يحتاج لمن يذكره بأن السلطة الحاكمة في البلد لا تمثل سورية الشعب والوطن، فإننا نقدر أن حجم المعاناة التي يعيشها السوري منذ عقود في ظل هذا النظام أعاقت تموضع هموم السوري في مسارها اللازم على الصعيد الفردي وكذلك الاجتماعي السياسي، وجعلتها ـ بدلاًـ تتقنى باتجاه واحد تتمحور ماهيته في كيفية الخلاص الذاتي.
كان لا بد من هذه المقدمة السريعة لنستهل مذكرين بالهوة هائلة العمق والعرض التي تفصل بين الهموم متعددة الوجوه لشعب سورية، وعلى أكثر من صعيد وطنياً وإنسانياً، وبين ما يأسر لب من يحكم سوريا من هواجس حول كيفية الاستمرار في الحكم. وفي جلبنا واقع الاختلاف الجذري بين مآسي وهموم السوري وما يتطلع إليه وبين قلق حكام سوريا إلى دائرة الضوء فإننا نود أيضاً التركيز على أن الصورة الإحتفالية(ceremonial) المحضة التي رسمها النظام الحاكم في دمشق عن سوريا "الوطن" و"الصمود" لا تقارب الواقع ولا تمت إليه بأية صلة. وسواء أدرك حماة وحفظة النظام السوري ذلك أم لا فإن من يصرخ بصوت عال ـ مجبراً بالطبع ـ "بالروح بالدم نفديك يا حافظ" (واليوم "... يا بشار") فإنه في أعماقه وصميم قلبه ينتظر بصبر، أو بدون صبر، اليوم الذي يستطيع به أن يتجه إلى أية بقعة من بقاع العالم ليأتوي بها كـ"إنسان" هرباً من حافظ (وبشار) ومن مخابرات حافظ وبشار ومن "سورية البعث والأسد" ككل؟ وأن من يكتب بقلمه مرغماً عن "التعامل الأخلاقي والحضاري" لأجهزة الأمن "خاصة بعد مجيء الرئيس الدكتور بشار الأسد" وأننا "بوجود الدكتور بشار الأسد نكتب وننشر" فإن قلبه مثل فمه ينادي ويستصرخ الضمير لمن يسمعه في العالم ويساعده فقط على العيش في أي مكان كمواطن "من الدرجة الخامسة عشرة" حيث يستطيع "البحث" و"النشر" بحرية، وأن الجندي السوري المضطهد والمظلوم والمحروم يقف في الجبهة عند سماعه صوت الطيران الإسرائيلي محلقاً في الأعالي فيرفع رأسه نحو السماء ويداه مبسوطتان جانباً ليقول: ربي ألهمهم أن يصبوا ما لديهم من نيران على حافظ (واليوم بشار) ومن حوله أو علينا لتريحنا منه ومن حكمه ومن سورياه؟ بل وكم جندي سمعنا أنه حزم بندقيته بكتفه أو رماها أرضاًُ ثم رفع يديه عالياً فوق رأسه وركض هارباً باتجاه "العدو" ناشداً النجاة بعد أن ذاق علقم الجور والظلم في سورية حافظ الأسد (وجعبتنا لا تخلو من الأمثلة بالأرقام والأسماء التي لن نوردها هنا احتراماً لأهالي وأسر هؤلاء ولاعتبارات أخرى).
لا بد من التنويه أيضاً أن تنويهنا الوارد أعلاه لا ينبعث حصراً من رغبتنا في القول إن طغيان نظام الأسد جعل اهتمام الفرد السوري مكرساً في البحث عن سبل الخلاص ليس أكثر، بل وأيضاً للإشارة السريعة أن كلمة "سورية" اليوم لا يستدل منها على جسم واحد متجانس متماسك في قوامه الخارجي وبنيته الداخلية وإنما تدل ـ من بين ما تدل عليه ـ على شعب مضطهد، مقموع، مهمش، محروم، مستبعد، مهان في جهة، وفي جهة أخرى يقبع رؤساء عصابات (حكام) متربعون على عرش السلطة والمال والرخاء ويحكمون بالحديد والنار. التباعد المتضاد قطرياً بين هموم السوري وبين ما يأسر حكامه من هواجس يضع أمامنا الموضوع المتداول هذه الأيام بكثرة وهو "سورية" و"الضغوط الخارجية" مقابل"الثوابت" وماذا أعد ويعد النظام الحاكم لما يسميه "الصمود". وفيما نخصص مقالة اليوم للكلام عن إعداد النظام السوري في "الصمود" فإننا سنفرد مقالاً آخر لمسألة الضغوط الأمريكية أو الغربية ـ كما يحلو للبعض تسميتهاـ على سوريا.
لنتخيل لبرهة أن شخصاً ما يروج بفخر أنه سيشارك في سباق الماراتون القادم فإننا تالياً بديهياً نتوقع منه إعداداً جسدياً (ونفسياً) للسباق المذكور. فإن لمسنا وخبرنا أنه حقاً يستعد بالشكل المطلوب للسباق فستكون عواطفنا معه ونشجعه وسنفرح ونصفق له إن كانت نتائجه إيجابية لأنه يستحق ما سعى إليه، وإن كانت نتيجته في السباق سلبية فستكون عواطفنا أيضاً معه لأنه عمل واستعد قدر مستطاعه بل ونشجعه على المحاولة في المرات القادمة وندعمه قدر طاقاتنا. أما أن يفعل هذا الشخص عكس ما يقول: كأن يزاول كل ما يتناقض مع هدفه المزعوم (مثل أن ينعدم تمرينه ويخمل، ينمي عادة السهر الطويل، يفرط في الشرب، يدخن، يتبع نظام غذائي ضار لمن يستعد للسباق.. إلخ) فإن أحداً لن يصدقه أنه سيدخل في سباق... ومن حق الجميع أن يسخروا منه بل وأن يتشمتوا بخسارته المهينة إن تجرأ وذهب إلى الماراتون. لعل السيناريو الأخير (الترويج للسباق كلامياً والعمل على خسارة السباق فعلياً) هو حال النظام الحاكم في سوريا الذي يتكلم ليلاً نهاراً عن "الثوابت الوطنية والقومية" وعن "الصمود" في وجه، و"التصدي" لـ،"الضغوط الخارجية" بينما هو في الواقع يستمر في نهجه الذي يمارسه منذ عقود في تفريغ الوطن والمواطن من الحد الأدنى لمقومات "الصمود" المطلوبة ليس أمام الضغوط الخارجية فحسب وإنما أيضاً حيال ما يخول بقاء سوريا وطناً أو بلداً متماسكاً بسكانه.
عند الكلام عن النظام السوري والصمود والثوابت الوطنية والقومية والإعداد المناسب يبرز إلى المقدمة السؤال عما إذا كان حقاً هناك من يصدق هذه الأقاويل إذ أن "الثوابت والوطنية والقومية" ليست شعارات وإنما ممارسة! وما يهمنا ليس الألفاظ والأقوال بل الأفعال. كما أن مجرد قول: "نحن" لا نتنازل عن الجولان لا يمنح السلطة الحاكمة صفات الوطنية والقومية والتمسك بالثوابت، لأنه لا يترافق مع فعل. مشكلة الشعب السوري ليست في هذا الشعار (وبديهي أن تكون لغة الشعب أنه لا تَنازلَ عن الجولان) ولكن مشكلة السوري تكمن مع من يطلق هذا الشعار، مع من يملك القوة والقرار للعمل على عدم التنازل عن الجولان، ولا بد أن أي سوري يتمنى لو أنه يستطيع الصراخ بصوت عال في وجه حكام دمشق أن لا يتحفونا بالشعارات الفارغة ويتاجروا بالجولان وأن يتفضلوا للنضال والتحرير فالجبهة موجودة...! لكننا في سوريا نعرف وطنية وقومية البعث بعد التجربة والخبرة، فعلاقة البعث بالتحرير وبالوطن وبالأرض والشعب معروفة بدءاً من حزيران 67 ومروراً بالسجل الأحدث الحافل بالذل والتخاذل. وفي حال تصديقنا أن الثوابت هي مجرد إطلاق شعارات نبدو وكأننا نهزأ من أنفسنا فهذه الشعارات الجوفاء معدة، من بين ما ترمي إليه، للاستهلاك المحلي، والنظام السوري مضطر لهذه الشعارات لأنه بإسقاطها سيخسر آخر ذرائع استمراره واستبداده بالشعب السوري. مشكلتنا الحقيقية كسوريين، في هذا الخصوص كما قلنا، ليست (كلياً ـ إذا صح التعبير) في الشعارات التي يطلقها الحكام في سوريا بل أكثر في ما يأتي بعد هذه الشعارات، وفي عدم وضع هذه الشعارات حيز التنفيذ، بل وإن المشكلة تكبر عندما نرى أن من يطلق هذه الشعارات يعمل بما يتناقض كلياً مع هذه الشعارات. ما يجري على أرض الواقع في سوريا وما يتعرض له السوري الوطني حقاً لن يغير منه شيئاً الكلام عن "الثوابت" و"الوطنية" و"القومية" على مدار الساعة والسنين والعقود.
لا ندري كيف يمكن تصديق أقاويل النظام السوري ونحن نلمس أن القول يتناقض تماماً مع الفعل؟ يتكلمون عن الصمود ويعدون فعلياً للهزيمة. كنا نسمع طيلة العقود عن بناء الجيش لتحقيق التوازن الإستراتيجي مع "العدو"، وإذا بالنظام يخزن الأسلحة التي كانت تتدفق في فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي من الإتحاد السوفييتي في مخازن سرايا الدفاع أولاً ثم تحولت تلك الأسلحة إلى مخازن ما يسمى الآن بالحرس الجمهوري وكلاهما (السرايا والحرس) وجدا لمهمة واحدة هي حماية النظام عسكرياً من الخطر "الداخلي". بنفس الوقت الذي كانت فيه الأسلحة الحديثة تخصص للسرايا والحرس كان، وما زال، الجيش النظامي لا يحوز إلا على الأسلحة المنسقة التي لا تصلح لأكثر من العرض في متاحف عسكرية عن أسلحة الماضي. من يملك السلاح في سوريا إذاً ليس جيش مهمته الدفاع عن الوطن وحمايته واسترداد أراضيه بل إن من يملك السلاح هو الأداة القمعية المرفوعة فوق رؤوس السوريين. وكما هو معروف لم تتحرك تلك الآلة العسكرية إلا وجه الداخل حصراً. ونيران أسلحة "التوازن الاستراتيجي" لم تصب إلا على السوريين (في حماه) بينما امتنعت حتى عن الرد عندما ضربت إسرائيل في العمق السوري. ليس زائداً أن نتذكر هنا كيف أن اسم هذه الأدوات القمعية (سرايا الدفاع من قبل وحرس جمهوري وحراس قصر اليوم) يقترن بالمال والسرقة والرشوة والتهريب والتجارة والمخدرات.
إذا كان نظام البعث (والقومجيين عامة) قد أعزا فشل تجسيد شعارات الماضي من أن "المعركة" تتطلب العمل الدؤوب على "خلق التوازن الإستراتيجي مع العدو الإسرائيلي" على أرض الواقع إلى تآمر "الصهيونية والامبريالية العالمية والرجعية العربية وفلول الإقطاع" والدعم الغربي اللا محدود لإسرائيل فإن ذلك لا يعفيهم من الإجابة عن السؤال الأهم بالمقابل: "ماذا فعلتم؟!" وإذا كانت أقاويل الماضي "أو الشعارات" قد تحولت من الكلام عن "المعركة الحتمية مع العدو" إلى الكلام عن "السلام كخيار استراتيجي مع إسرائيل" فماذا ستقولون للسوري الذي يعيش نفس الظروف سواء تكلمتم عن الحرب أم عن السلم؟ هذا إن لم تشعروا أن عليكم الإجابة عن سؤال أين أنتم من الحرب ومن السلم؟ لم نختر هؤلاء ليكونوا قادتنا في الحرب ولم نختارهم ليمثلوننا في الكلام عن السلم.. وعلى أي أساس يحكموننا ؟
ولنبق في موضوع جيش "الصمود والتصدي" الذي أعده، ويعده، نظام الأسد وشركاه لنقول إن المراقب لعملية تدريب الجيش النظامي ـ إذا كان لا يزال بوسعنا استخدام هذه التسمية ـ لن تخامره أدنى درجات الشك أن هذا الجيش يُدرب لا من أجل "الصمود والتصدي" والوقوف بوجه "العدو" بل يُدرب ويُعد من أجل أن تكون طلقته الأولى على من يدربه، على "العدو الأقرب والمباشر"، ليس فقط بسبب استلاب إنسانية الإنسان في سوريا بل وأيضاً بسبب ما يرى المرء حوله من علاقات ومحسوبيات وانتماءات تضيق أكثر وأكثر مما نستطيع الكلام عنه هنا.
كلنا يعرف كيف أن نظام البعث والأسد يروج داخلياً ـ لأغراضه الخاصةـ أنه لا يوجد حتى قطع تبديل للمعدات العسكرية، ويرمي، بين ما يرمي إليه، إلى تبرير عجزه العسكري وجبنه وتخاذله. ولكن إن ذهبنا قليلاً مع كذب النظام السوري وقوله إن الظروف الدولية وانهيار الاتحاد السوفييتي دفعت إلى العجز العسكري والفشل في إعداد الجيش القوي المجهز مادياً (عتادياً) ومعنوياً بما هو مناسب، فإننا لن نستطيع أن نذهب أبعد لأن النظام فشل أيضاً في المواقع الأخرى التي من شأنها بناء الوطن القوي والمحصن. ندرك أن تاريخ العالم (والحديث منه بشكل خاص) أثبت أن بناء الأوطان القوية الصامدة لا يتوقف عند حدود امتلاك ترسانات الأسلحة (الأمثلة الأهم هنا اليابان المقصوفة بالذري وألمانيا المدمرة بعد الحرب العالمية الثانية ومواقعهما على الساحة الدولية)، بل والأهم أيضاً في بناء الأوطان القوية المنيعة هو بناء المواطن المحصن أولاً وأخيراً والتلازم العضوي مع بناء الوطن تقانياً، اقتصادياً، معرفياً، وإنسانياً. وهذا يترجم على أرض الواقع بمجموعة ممارسات أولية مترافقة من أهمها العمل على إحلال الديمقراطية بدلاً من العمل بقانون الطوارئ؛ بحماية المواطن قانونياً وليس بخنقه؛ بجعل المواطن يشعر أنه يعيش في وطن يحتضنه وليس في سجن يقيده؛ ويترجم كذلك بالتعامل مع السوري ليس من زاوية أن السوري يجب أن يفرح إن كان طليقاً ولا يحتج أنه سجين. الفرد (والشعب) المسلوب الكرامة والسيادة والحرية لا يمكن أن يكون صامداً.
إذ كان هناك من لا يزال يعتقد أن للنظام الحاكم في دمشق نوايا وطنية ولكن الظروف الدولية أكبر مما يستطيع النظام التصدي لها، إذا كان من يظن أن النظام السوري يتحلى بالحد الأدنى من المواصفات الوطنية فلا يسعنا هنا إلا أن نسأله هنا: ما هي الوطنية إذن؟ وأين هي ممارسات النظام السوري من الوطنية؟ هل الوطنية تترجم باستبعاد وتهجير المواطن القادر على المساهمة ببناء وطن قوي متماسك؟ هل الوطنية والقومية تعني تهجير وتشريد الكوادر والأدمغة السورية؟ هل الوطنية والقومية تعني أن لا تكاد زاوية من أصقاع العالم تخلو من الوفير من الكفاءات السورية العالية التي أجبرت على الفرار في حين أن الوطن بأمس الحاجة إليها؟ هل هو حكم وطني أو قومي أو أنه "يتمسك بالثوابت" من يهجر المواطنين ويفرغ البلد من طاقاته؟ هل تعني الوطنية ذلك؟ في حقيقة الأمر، لا يمكن تصنيف ممارسة النظام السوري هنا إلا باللاوطنية واللا قومية من حيث أنها لا تخدم إلا أعداء الوطنية والقومية. لنتأمل الفارق في هذا الخصوص بين ما يفعله نظام الأسد والبعث وبين ما تنتهجه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، فالأخيرة تقدم كافة المغريات للجامعي والعامل والتقني في أي مكان في العالم لتستقدمه للمشاركة في البناء، وأما النظام السوري ـ كما أسلفنا ـ فيشرد ويسجن ويقيد أعلى الكفاءات السورية. من هو المستفيد الأول ـ إن لم يكن الوحيد ـ من تفريغ سوريا من هذه الكفاءات؟ من يتفوه بتسمية "قلعة الصمود والتصدي" يجب أن يعرف أن القوة لم تعد تعني وجود ترسانات أسلحة في هذا العصر بل تتمثل أكثر بمستويات أخرى اقتصادية، ثقافية، معرفية تقانية، الخ. بالتأكيد، ما كانت إسرائيل لتفعل في سوريا غير مافعله نظام الأسد لتنفيذ ما تريده على المدى الإستراتيجي وبدون حروب عسكرية. فالنظام السوري الحاكم نفذ، وينفذ، تماماً ما هو في مصلحة إسرائيل. وما كنت لأجد غرابة في أن تكون إسرائيل هي من سينادي بالحفاظ على نظام الأسد لو أن دفة الحكم زلت من بين يديه لصالح من يمثل مصالح الوطن والشعب في سوريا!
أين النظام السوري من الوطنية والقومية بعد أن سرقوا البلد ثم استنفذوا طاقاته ويستثمرون الأموال المسروقة من السوريين خارج سوريا (كما فعل ويفعل رفعت الأسد ومصطفى طلاس وعبد الحليم خدام ورامي مخلوف وشاليش وغيرهم)؟ أين هي هذه الوطنية التي يتكلمون عنها والأموال التي سرقها باسل بن حافظ الأسد من سوريا والشعب السوري مازالت مودعة في بنوك الغرب بعد عشر سنوات من مقتله؟
ثم لا أدري كيف يمكن أن نصدق أن النظام السوري مدافع عن القضايا القومية و"آخر معاقل الصمود القومي" ومواقفه من القضية الفلسطينية ومن احتلال العراق ومن دعم المقومة اللبنانية ثابتة!؟ فيما يخص القضية الفلسطينية والفلسطينيين لا نريد أن نتكلم عما هو معروف للجميع ماذا فعل هذا النظام بدءاً من محاولته السيطرة على المقاومة الفلسطينية وتسييرها بالشكل الذي يخدمه ومروراً بتل الزعتر بل نريد أن نسأل هنا ألا يوجد في سجون النظام السوري فلسطينيين (وسوريين) وجرمهم هو الحماس القومي الذي دفعهم إلى محاولة التسلل عبر الجبهة إلى الأراضي المحتلة ويعاقبون على ذلك؟ لن ننس ما فعله النظام السوري بمن ضُبط من سوريين وفلسطينيين أرادوا التسلل إلى لبنان أثناء الاجتياح الإسرائيلي للمقاومة.

عندما يتبجح من ينطق بلسان النظام السوري بأنه لولا الدعم السوري لما تحرر الجنوب اللبناني فإن في ذلك القول افتقاراً إلى الدقة لأسباب عديدة ليس آخرها أن المقاومة اللبنانية بمختلف تلاوينها (بدءاً من الحزب الشيوعي اللبناني ووصولاً إلى حزب الله) هي التي بدأت المقاومة وعملت دائبة على تحرير الجنوب. وإذا كان الأمر كذلك حقاً، فإننا نتساءل، من جانب آخر، عما يعنيه أن يهتم النظام السوري بتحرير الجنوب اللبناني ويدعم ذلك بينما يُبقي الجولان السوري المحتل طي النسيان ويبقى الجولان هو الأهدأ والأكثر أماناً للجندي الإسرائيلي ـ حتى من تل أبيب!؟ وإذا كان البعض سيقول بأن أي حراك في الجولان على غرار ما ساد في جنوب لبنان سيكون له مفعولاً عكسياً (counterproductive) إذ سيقود إلى حرب نظامية نتيجتها معروفة بسبب عدم التكافؤ العسكري بين إسرائيل وسوريا فلا بد من التساؤل ليس فقط عما إذا كان هناك تكافؤاً عسكرياَ بين لبنان وإسرائيل في أي وقت مضى بل وأيضاً فيما إذا كانت مخاوف تحول عمليات مقاومة الاحتلال إلى حرب نظامية شاملة في الحالة اللبنانية موجودة لدى صناع القرار في سوريا!؟ ماذا نستدل من هذه المتناقضات؟ وماذا نفهم من ازدواجية(binary) المعايير في سلوك النظام السوري؟ هل نقرأ في ذلك أن النظام السوري مستعد للمغامرة في لبنان ما دامت نتائج المغامرة هذه لا تزعزع أو تطال أمن النظام السوري في سورية؟ أم أن لبنان لم يكن منذ منتصف سبعينات القرن الماضي إلا ورقة لعب للنظام السوري؟ أم أن هناك ما وراء الكواليس؟!
وعن العراق أعتقد أن الأيام والأشهر ستظهر أكثر ما هو الأهم بالنسبة للنظام السوري وكيف يقيس هذا النظام الأمور. سمعنا رئيس ذلك النظام يتكلم بفخر عن حمايته لأرواح المحتلين في العراق، والآن نسمع عن الدوريات المشتركة مع القوات الأمريكية لمنع التسلل...
في كل الأحوال، لم تكن الوطنية والقومية والثوابت والصمود يوماً تعني لنظام البعث والأسد أكثر من المتاجرة الكلامية لإبقاء سلاح القمع مرفوعاً في وجوهنا تحت ذريعة أو أخرى. ولزاماً علينا على الأقل أن لا نفوت فرصة إلا ونفضح أكاذيب الصمود والوطنية والقومية التي مازال يتفوه نظام البعث والأسد دون أن يندى جبينهم وهم يكذبون.

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط