د. أكرم شلغين / Jan 23, 2005

المتتبع لعلاقة الولايات المتحدة الأمريكية بنظام الأسد يدرك أنها اتسمت على العموم بمقايضات ومساومات تدور وراء الكواليس. وغالباً ما عبرت الإدارات الأمريكية المتعاقبة عن حد ما من الرضا عن أداء حافظ الأسد، ففي الماضي وصفته بالرجل الذي يَحترم كلمته ويفي بوعوده مستندة بذلك إلى تنفيذ التزامه بعدم تحريك ساكن على جبهة الجولان بعد اتفاقية فصل القوات عام 74، ولاحقاً وصفته بالرجل الذي "حدد خياراته الاستراتيجية" بعد مشاركته في التحالف الذي قادته أمريكا في حرب الخليج الثانية عام 91. في مرحلة ما بعد انهيار الكتلة الشرقية حيث أصبح العالم أحادي القطب والولايات المتحدة القوة الكونية الوحيدة بلا منازع لم يعد هناك قيمة لدور حافظ الأسد ولم تعد الولايات المتحدة مضطرة لمراعاة نماذج على شاكلة حافظ الأسد ونظامه، لكنها بنفس الوقت لم تر في الأخير إلا "أنسب الموجودين" لها محلياً على ساحته الإقليمية. تعاملت أمريكا مع هذا الأمر بغاية الدقة والخبرة، فاستمرت في تسخير حافظ الأسد ونظامه عند اللزوم دون أن تمنحه شرف لقب "الصديق" الذي طالما طمح الأسد للحصول عليه بل ودون أن تمنحه الأمان المطلق لقاء تعاونه في السر والعلن والماضي والحاضر وإنما جعلته يقدم كل ما لديه لاهثاً وراء هدف واحد هو شطب اسم نظامه من قائمة الأنظمة "الإرهابية" أو التي "ترعى الإرهاب".
لا بد لكل من رأى وجه الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون على شاشة التلفزة عند لحظة ورود خبر موت حافظ إليه أن يكون قد لاحظ كيف تغيرت تعابيره وكأنها تقول "ليس الآن" أو "مات هذا قبل أن نحصل منه على كل ما نريد". كذلك، لا شك أن من قرأ ورأى وسمع تعليقات وتحليلات وآراء كبار المسؤولين والمحللين الأمريكيين (والغربيين عامة) في تلك الفترة أن يكون قد ميز نقطتين: ثانيتهما هي الحرص على استمرار سياسة حافظ الأسد على الصعيد الخارجي، الأمر الذي وضحته وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت لبشار الأسد في دمشق وهي تترأس وفد بلادها لحضور جنازة الأسد الأب، عندها لم نسمع ولم نقرأ من تكلم عن السياسة الداخلية وحقوق الإنسان في سوريا ولا عن الانفتاح على الشعب السوري وإعادة حريته المُستَلبة. وأما النقطة الأولى فهي الحرص على التوريث السلس لكرسي الحكم في سوريا إلى الأسد الابن. وهنا أورد على سبيل المثال لا الحصر ما صرح به ريتشارد مورفي (سفير أمريكي سابق في سوريا) تلفزيونياً من مدح ونصح، فقد أشاد بخبرة بشار الأسد بالإنترنت والمعلوماتية، وبأن الأخير قد رَبي في الغرب، وهو مفتون بالموسيقا الغربية و"البوب" خاصة ويعشق أغاني فيل كولينز. ثم يتابع مورفي بأن على بشار الأسد التمسك تحديداً باللواء علي أصلان لتثبيت أقدامه ولتعزيز موقعه! بعبارة مختصرة، وبصرف النظر عن اقتناع مورفي وغيره بدقة ما وُصِف به بشار الأسد حينذاك، لم يكن للأمريكان رغبة في رؤية نظام آخر مجهول بالنسبة لهم فلم يمانعوا في الإبقاء على طينة نظام حافظ الأسد في سوريا.
***
في عالم ما سُمي "بعد 11 سبتمبر"، ومنذ أسقط الأمريكان نظام البعث في العراق والجميع يترقب وينتظر مصير نظيره السوري خاصة بعد تصديق قانون محاسبة سوريا أمريكياً ووضع مسألة التدخل العسكري والأمني السوري في لبنان على طاولة الأمم المتحدة ومشاركة فرنسا بلا مواربة الضغط ومن ثم صدور القرار 1559. تكثر تحليلات المثقفين وتتنوع بين مُقتنع بأن الإدارة الأمريكية جادة في ما توجهه للنظام السوري من رسائل تحذير وإنذار إلى حدّ أن مسألة إزاحة النظام السوري هي مسألة وقت ليس أكثر وبين من يشكك في أن ما تسمى بالضغوط الأمريكية ستترجم حقاً إلى خطوات عملية من شأنها الإطاحة بالنظام السوري. وإزاء هذا الوضع تزداد الضبابية في تحديد موقف مناسب لدى الكثير من المثقفين السوريين والمعارضة (سنأتي إلى ذلك أسفلاً).
استناداً إلى التاريخ والواقع، يتعذر التكهن بدقة لسيناريو محتمل عن الصيغة الأمريكية التي ستحدد مستقبل النظام السوري. والصعوبة هنا لا تنبع فقط من حقيقة كون الصلات الأمريكية ما زالت مستمرة مع النظام السوري من حجم الزيارات التي يقوم بها أعضاء في الكونغرس أو مساعد وزير ـ وإن كانت تلك الزيارات بمطلقها تبغي الإملاء لا الود ـ بل وأيضاً لأن الإدارة الأمريكية، في الواقع، لم تتعامل، حتى وقت قريب، كأنها ستستغني عن كافة خدمات النظام السوري الأمنية (ولا الأخير جرؤ على التهرب من تنفيذ مطالب الأولى طبعاً). كذلك، عندما نفكر أن خارطة المنطقة السياسية التي باشرت الولايات المتحدة برسمها بعد 11 سبتمبر لن تتسع في بقعة حساسة منها لنظام تصنفه أمريكا أساساً بالإرهابي، المارق، واللا شرعي، فإننا سرعان ما نتوقف لنراجع طبيعة تطاير (volatility) معالم التصنيف الأمريكي للأنظمة العربية مستقين ترددنا من واقع التحول في التوصيف الأمريكي للنظام الليبي والعلاقة معه، فتصنيف القذافي انتقل من "الإرهابي"، "الدموي"، "الكلب المسعور"، إلخ.. ليصبح "الرجل القادم من البرد" والذي "يمكن الشروع ببزنس معه" فتتهافت الوفود الأمريكية (والأوربية بأعلى المستويات) إلى خيمة "رجل الدولة" القذافي لإبرام الاتفاقيات وعقد الصفقات. وتنفتح الأبواب التي كانت موصدة سابقاً بوجه النظام الليبي.
في كل الأحوال، الإشارات التي تُلتقط من تعامل الإدارات الأمريكية مع الأنظمة العربية ـ ومنها السوري، ليست جديدة، وتشير، فيما تشير إليه، إلى أن أمريكا معنية بالدرجة الأولى بما يقدمه الحكام العرب لها من خدمات ورعاية لمصالحها الاستراتيجية، وليس تحديداً بأداء أياً منهم داخل بلده. من هنا يصبح مبرراً أن يفكر البعض أنه ليس من المستبعد إعداد سيناريو للنظام السوري على غرار الليبي، مع تعديلات منسجمة. ومما يجعل ذلك الأمر قابلاً للتصديق ليس فقط لأن النموذج العراقي باهظ الأثمان لأمريكا دون أن يأتي بالمطلوب تماماً بل أيضاً لأن خيارات البديل للنظام السوري، أو بالأحرى تصورات عن مرحلة ما بعد نظام البعث الأسدي، لا تدعو الأمريكان إلى التفاؤل، فالبديل المحتمل ليست تماماً ما يبحثون عنه ولهذا يتابعون مع أحلى الأمرّين (less evil) مع إبقاء الضغط عليه.
سياسة الولايات المتحدة تجاه المنطقة وأنظمتها تثير في أذهان المثقفين الكثير من الأسئلة المعقدة، حيث هناك نموذجان أو معياران للتعامل الأمريكي مع الأنظمة العربية: العراقي و الليبي. قد يقول قائل إن الخلاص من نظام صدام مهمة كبيرة لم يكن بمقدور العراقيين بمفردهم القيام بها على المدى المنظور، فيقول آخر إن القذافي لم يكن بنظر الأمريكان أقل دموية من صدام بل وإن ضلوع نظام الأخير في الإرهاب لأمر ثابت للأمريكان ونتائج أعماله الإرهابية طالت أرواح أمريكيين! وهناك من يتساءل هل هي تصفية حسابات من جانب الأمريكان عندما لم يقبلوا بأقل من إسقاط النظام العراقي برغم كل ما أبداه الأخير من استماتة لتنفيذ كل المطالب الأمريكية في حين أن نظام القذافي نجح في إسكات الأمريكان لقاء إذعانه للمطالب!؟ ويحق التساؤل، كيف يمكن تصديق أن أمريكا تبغي دمقرطة المنطقة وبناء "الشرق الأوسط الكبير" إذا كان أداؤها في العراق لا يبشر بذلك؟ وربما يعتقد ثالث ورابع أن الأمريكان منذ دخولهم العراق لم يكن بمقدورهم أداءً أفضل في البناء والعمل لإرساء أسس الديمقراطية نتيجة المعوقات التي فرضها واقع ما يسمونه العصيان والتمرد (insurgency) أو ما يصفه البعض من العرب بالمقاومة! فهل كنا سنرى خطواتاً أفضل وأسرع فيما لو لم تكن هناك معوقات!؟ وربما يعود رابع للقول القديم/الجديد بأننا كعرب لن نحظى بالديمقراطية لأننا محكومين بـ"لعنة البترول" الموجود في المنطقة! وربما يطمئننا خامس أن التغيير قادم والديمقراطية لا بد منها ولكن ليس بأقل من ربع قرن لأن هناك مسائل بنيوية يتعذر الخوض بها أو تجسيدها بين عشية وضحاها!...!
في كل الأحوال، وإزاء واقع المعيارين الأمريكيين في التعامل مع الأنظمة العربية، ينشغل كثير من المراقبين والمحللين بمعرفة ماذا يريد الأمريكان من النظام السوري! هل هي مجموعة مطالب أمريكية قابلة للتكاثر والانتفاخ وفقاً للمقتضيات التي تراها أمريكا مثل التوقف عن دعم "الإرهاب"، التعاون الحثيث في الحملة العالمية ضد الإرهاب، مراقبة وضبط الحدود مع العراق، عقد اتفاقية سلام مع إسرائيل،..إلخ؟ إلاّ أن تفحص هذه البنود يثير التساؤل عن ما هوالأكثر الذي يمكن للنظام السوري أن يفعله! ففي موضوع التعاون في الحملة ضد الإرهاب قدم النظام السوري طواعية ـ ويقدم بتباهي ـ الخدمات والمعلومات التي بحوزته عن التنظيمات الإسلامية التي تستهدفها الولايات المتحدة، وقد حجّم عمل مكاتب سائر المنظمات الفلسطينية وليس فقط "حماس" و"الجهاد" في دمشق منذ بدأت محادثات شيبرردزتاون قبل موت حافظ الأسد، ويرسل الرسائل واحدة تلو الأخرى لإسرائيل لاستئناف"المفاوضات" بدون شروط، ويُسيّر الدوريات المشتركة على الحدود العراقية للحماية من المتسللين، ناهيك عن أن المراقب لما يجري في داخل سورية عن قرب يدرك بدون شك أن أصدقاء أمريكا ضمن البعث والسلطة والمروجون للأمركة يحتلون مناصب حساسة ويتحكمون بدقائق الأمور عامة. تبقى النقطة الوحيدة التي تُربك النظام السوري حقاً هي مسألة الانسحاب العسكري والأمني السوري من لبنان، فالنظام يخشى خسارة ما يعتقد أنه بناه وأرساه في لبنان، بل ومهتم بلبنان أكثر مما يسعى لاستعادة الجولان. ويبدو أن النظام السوري الذي دخل لبنان عام 76 بإشارات أمريكية (ودولية عامة) لا يريد أن يستوعب أن قواعد اللعب تغيرت وأن دوره انتهى وعليه الانسحاب، وإنما يتصرف وكأن الزمن توقف في منتصف سبعينات القرن الماضي وأنه سيحظى بمراعاة أمريكية شبيهة بتلك التي حظي بها أيام الحرب الباردة، ومازال يعتقد أنه بالإمكان إيجاد صيغة تعامل مع الأمريكان تقوم على تقديم الخدمات السورية مقابل غض الطرف الأمريكي. والمضحك في هذا الموضوع أن النظام السوري لا يدرك بُعده الفعلي على الساحة الدولية سياسياً (واقتصادياً) فعندما يقول بشار الأسد لريتشارد أرميتاج مؤخراً بأن له مصالح في لبنان مثلما لأمريكا يذكره أرميتاج بأسلوب دبلوماسي بحجمه الحقيقي وأبعاده و يفهمه أن النظام السوري ليس بموقع يخوله من المقارنة!
في كل الأحوال، وبانتظار معرفة ماذا يريد الأمريكان من النظام السوري وما هو المزيد الذي يمكن للأخير تقديمه، تتبلور لدى السوريين عدة نقاط من أهمها أن النظام الحاكم في دمشق لم ولن يغير من نهجه حيال الشعب السوري مهما كان حجم الضغوط الخارجية عليه. ويتضح للسوريين أنهم ليسوا موضع اهتمام لا النظام الحاكم ولا الأمريكان. وفي الواقع كلّ يغني لليلاه، فالتشكيل الحاكم في سوريا يسعى للبقاء في موقعه والإبقاء على سيطرته الداخلية وبأية أثمان كانت حتى ولو تاجر بسوريا وشعبها، والأمريكان يريدون التغيير وفقاً لمتطلبات ما يسمى بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية، وأما الشعب السوري فيريد الخلاص من القمع والإرهاب والنظام الديكتاتوري والعيش الحر بكرامة... بالتأكيد هناك التقاء مصلحة للشعب السوري مع المصلحة الأمريكية في نقطة تغيير أو إسقاط النظام القائم، أما ما يأتي بعد ذلك فهذا أمر آخر ويتطلب المعالجة المناسبة في حينه.
إزاء الخوف الذي يعيشه النظام السوري على مستقبله يلعب، وبكل وقاحة عبر أبواقه الداخلية، بعواطف الشعب السوري والمثقفين والمعارضة من أن الوطن مهدد وأن القادم أخطر من سايكس بيكو وغير ذلك من أقاويل، أسميها بالوقحة عندما تصبغ الطغمة الحاكمة "محنتها" على أنها "قضية وطن" أولاً، وثانياً لأن ممارسات النظام جعلتنا غير قادرين على التمييز فيما إذا كنا نعيش في وطن أم في سجن! بل وغدونا منذ عقود نتساءل ما هو الوطن؟ وأين الوطن!؟ ونسأل من يقول "إن الوطن مهدد" عما إذا كان الوطن والنظام في نفس القارب! إننا نتساءل بماذا وبمن سنتمسك؟ هل سنتمسك بقانون الطوارئ "الوطني"؟ أم بالوجه "الوطني" للسرقة والرشوة والقمع والإرهاب والتعذيب والتشريد والتنكيل والتجويع؟ أم نريد الإحتفاظ بالمخابرات الوطنية؟ أم أنهم يعتقدون أننا نريد التبارك من "الوطني" الذي يستمر في سجن معتقلي الرأي؟ أم هل سيقاتل الشعب السوري للمحافظة على من قام بالمجازر وذبح عشرات الآلاف من السوريين؟ حين سُجن السوري وشُرّد وحُرم من لقمة العيش لعدم توفر "الموافقة الأمنية" كان الوطن لمجموعة محددة وحدها وعندما تضغط أمريكا على النظام القمعي يريدون السوري أن يتحمل عنهم بحجة أن الوطن مهدد! هل غير النظام من سياسته الداخلية وتعاطيه معنا كي يتجرأ بالكلام عن تهديد الخارج له؟ هل تساءل طغاة دمشق عن سبب أو معنى أن ينتظر السوري الخلاص منهم حتى ولو على يد من كان يصنفهم أمس بالأعداء؟ بالتأكيد لن يتساءلوا لأنهم يرون أنفسكم آلهة في داخل سوريا ولا يعنيهم أن يتساءلوا عن أحوال "الرعاع" من السوريين.
يُخطئ المثقفون والمعارضة في سورية إذا اعتقدوا أن رفضهم التدخل الخارجي سيجعل النظام التسلطي يكافئهم ويسند إليهم دوراً سياسياً. بل يغدو من الحكمة للمثقفين والمعارضين وعموم المضطَهَدين والمقموعين من قبل النظام السوري الاستفادة قدر الإمكان من الظرف العالمي حيث النظام السوري موضوع حالياً تحت المراقبة الغربية والمجهر الأمريكي. يحق للمعارضة السورية والمثقفين السوريين وضع تصوراتهم عن السياسة الخارجية في عالم اليوم ويحق لهم إقامة علاقات سياسية علنية وواضحة مع أحزاب وقوى غربية بناء على مصالح الشعوب. ديناميكية التاريخ تقتضي تحديد التناقضات دون إلغاء للثانوي منها بسبب الرئيسي. ولا بد من التذكير والتأكيد أن من داس على تماثيل صدام كان يفعل ذلك احتفاءً بنهاية فترة وليس تهليلاً بقدوم المحتل. وكي لا يفهمنا أحد خطأ فنحن لا نتطلع إلى العنف في سوريا .. ولكن إذا كان لا بد منه فذلك اختبار لنا كسوريين، والاختبار الأكبر هو بناء بلد القانون والديمقراطية وكرامة الإنسان على أنقاض ما هدمه ويهدمه النظام الحاكم وحده.
وأخيراً، مهما قيل عن الضغوط على النظام السوري في هذا الوقت، يبدو أننا أمام طريق أطول مما نتصوره لأن المؤشرات تدل على أن الضغوط الأمريكية الحقيقية ستتجه نحو إيران وليس نحو النظام السوري، كما ويرجح بعض المراقبين أن سوريا لن تكون هدفاً عسكرياً لأمريكا لأن النظام الحاكم بها يتجاوب من وجهة النظر الأمريكية ـ كما وضح أرميتاج عقب زيارته مؤخراً لدمشق .

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط