وقفة سريعة مع المصاعب
د. أكرم شلغين / Apr 18, 2006

غالباً ما قيل أن ضعف المعارضة في سوريا هو ارتهان علاقة تناسب عكسي مع قوة النظام الحاكم، فضعف المعارضة السورية تقابله قوة النظام. لكن، خلافاً لكل المعايير والأسس والمفاهيم وما قد يكون فيه منطقاً، تبدوهذه العلاقة غير تناوبية من حيث توزع القوة والضعف، فحينما يضعف النظام ـ كما هو الحال الآن ـ لاتتنامى إمكانيات المعارضة بل تبقى على ديمومة ضعفها. وكما أن لهذا الحال أسباباً تجعله يتبلور في ما هو عليه فإن له، بنفس الوقت، انعكاسات تمتد أبعد من مجرد توصيف الواقع؛ وإذ تدور المعارضة في دوامة ضعفها ولا تستطيع التفاعل مع الحاضر ولا تُعد لتكون جزءاً أساسياً في رسم المستقبل، فإنه من الواضح أن صناع القرار في العالم ما زالوا يترددون في اتخاذ القرارات التي من شأنها الإجهاز على النظام السوري لأن الأخير قد يكون بنظر العالم "أهون الشرور" (less evil) مقارنة بعدم توفر البديل الذي يطرح نفسه على أنه الخيار الديمقراطي الذي يطمئن صناع القرار على المستوى الكوني إلى جانب طمأنة شعبه. فالسيناريو الذي ربما يُخيف العالم، مثلما يرعب الشعب السوري، هو غياب البديل الديمقراطي الذي يمكن أن يحل محل النظام السوري، الأمر الذي قد يسمح ـ وفقاً لكل المعطيات، لحالات وقوى غير مرغوبة لتجمع بعضها فتبرز في المقدمة، احتساباً لهذا، من المؤكد أن العالم ليس له معدة لرؤية وضع عشوائي يسمح لقوى إسلاموية في سوريا أكثر جاهزية من غيرها أن تقرصن صوت الجميع في البلد وتنصب نفسها على الشعب وتضع العالم أمام الأمر الواقع.

 

ليس من باب الاستطراد أن نذكر أنفسنا سريعاً بأن النظام السوري، وخلافاً لما هو معروف في العالم الحر الذي تجلس فيه المعارضة جنباً إلى جنب في البرلمان مع من يحكم وتناقش وتدلي بأفكارها وتختلف في رأيها ومن حقها طرحه للتصويت عليه، مازال لا يعترف بشيء اسمه المعارضة في سوريا ويهزأ من المثقفين ويرى أن الشكل الوحيد للحكم هو القائم الذي تحكم به فعلياً أجهزة الأمن وشكلياً الحزب الواحد القائد وحوله مجموعة أشباه أحزاب تتبعه قولا وفعلا وترضى بتنصيبه قائداً في مايسمى بـ"الجبهة الوطنية التقدمية" ولا تعرف، بل وليس بمقدورها، الإختلاف معه أو معارضته.  وإذ تكثر الأسئلة التي يجب أن تطرح بغية الخروج من هذا الحال الذي تغيب فيه المعارضة عن إبراز نفسها كرقمٍ يستقطب الشعب السوري وـ بموازاة ذلك يُعرّف نفسه إلى العالم ليميزه الأخير ويعترف به ـ، نجد أنه من الضروري استعراض الواقع السوري بشكل سريع ومكثف:  

  

إعلان دمشق وجبهة خدام والأخوان

عندما طُرح "إعلان دمشق" تراءى للبعض، ممن عملوا عليه وأعدوا له لمدة أشهر، أنه الخطوة الأهم على طريق إنشاء تحالف فاعل، لكنه في الحقيقة، بالنسبة للكثير من "العلمانيين" و"اليساريين،" كان كطبق عسر الهضم في وجهه الفكري بما تمخض عنه في بعض من فقراته التي تبتعد تماماً عما هو مطلوب للعمل السياسي في سوريا بتركيبها السياسي وكذلك نسيجها الاجتماعي والقومي والديني، بل وذهب البعض إلى حد اعتبار أن الإعلان ولد ميتاً كون الخلل الفكري فيه اقترن بخلل تنظيمي تجسّد في التهميش الواضح لأوسع قطاعات المعارضة، الأمر الذي حدا بالمراقب الحيادي لمساءلة عما إذا كان ذلك الإقصاء مصادفة أم أنه كان مُمنهجاً! 

 

يتمشكل الأمر أكثر حين يذهب الأخوان المسلمون، أحد الأطراف الأساسية في إعلان دمشق، إلى التحالف مع السيد عبد الحليم خدام؛ وتحالفٌ من هذا النوع، لا يمكن أن يمر بدون تفحص أو على الأقل دراسة آثاره على العمل الوطني.  نقول إن الأمر يحتاج لتفحص لأن السيد خدام لم يكن عضواً عادياً أو فخرياً في النظام السوري بل كان، حتى قبل أشهر فقط، أحد أباطرته ـ ليس فقط على المستوى التنظيري بل على المستوى الفعلي أيضاً ـ ولا يمكن لأحد تجاهل أحداث باقية في ذاكرة التاريخ حدثت ولم يكن خدام بعيداً عنها. فحتى قصير الذاكرة  لا يعقل أن يتجاهل أن أول جامع قُصف في مدينة حماه والمصلين بداخله حصل عندما كان السيد خدام محافظاً لحماه، وإن تناسينا مسار خدام وفاعليته على مدى عقود في النظام السوري فإن استعراض تاريخه في السنوات الخمس الأخيرة مع السلطة يجعل اسمه مقترناً بعبارات وبمفردات أطلقها خدام نفسه واستُخدمت بشكل أو بآخر من قبل آلة النظام القمعية لقتل ما سمي بـ"ربيع دمشق".  فهو من نحت مصطلح "الجزأرة" و"الأفغنة" حين طالبت المنتديات بإطلاق الحريات العامة.  فقط متعمد قلب الصورة عقباً على رأس يريد أن يُصور أن خدام انفصل عن النظام السوري بملء إرادته لأن الواقع يشير إلى أن ترتيبات توزيع المناصب والقوة التي لُقّن بها مؤتمر البعث القطري في حزيران الماضي هي التي جعلت من خدام خارج النظام.  ويغالط من يقول إن خدام انفصل عن النظام وانحاز إلى صفوف الشعب، فالفرق كبير جداً بين من يصرح إعلامياً بأنه انحاز إلى صفوف الشعب وبين من ينحاز حقاً إلى صفوف الشعب ويضع جميع ما تحت يديه من إمكانيات مادية على الأقل في خدمة هذا الشعب الذي تنكش نسبة ما منه في القمامة لتعتاش كما وصف السيد خدام نفسه. كما أن حب الانتقام الشخصي وباستخدام من يمكن أن يغرر به لا يمكن أن يصنف على أنه انحياز إلى الشعب.  من ناحية ثانية، لا بد لنا من أن نتأمل سريعاً أن السيد خدام تكلّم في الأشهر الأولى لخروجه من سوريا عن أنه ودع "الرئيس بشار" الأسد بشكل عادي وخرج إلى فرنسا ليكتب مذكراته بهدوء، وبعد أشهر ـ لايعرف ما دار أثناءها مع خدام إلا خدام نفسه ـ أعطى المقابلة الأولى لقناة العربية التي وضّحت أشياء كثيرة منها أنه لا يختلف مع النظام بسبب ممارسة النظام القمعية والاستبدادية في سوريا بل يختلف مع بشار الأسد لأن الأخير رفض النصيحة التي يريد خدام بموجبها أن يحميه ويحمي نظامه (وهذا واضح في كلمات خدام الحرفية حين يقول "قلت له [أي لبشار] جيبو اقطع لو رقبتو [أي رقبة رستم غزاله]" "أنا بدي أحميك" (أي يحمي بشار) فكيف لنا أن نصدق أن من يقول وبلسانه وملء إرادته وحريته أمام العالم أنه يريد أن يحمي رأس النظام أنه أصبح المعارض الأول للنظام الذي يريد حمايته؟ أو أن يمكن أن نقتنع بجدوى العمل معه، ناهيك عن تنصيبه على رأس المعارضة؟  وخدام لم يقطع أيديولوجيا مع النظام الحاكم في دمشق وهذا يتضح في مجمل كلامه عن البعث وعن حافظ الأسد ويرفض الافتراق عن ماضيه حين يتكلم ليس فقط عن البعث بل أيضاً حين يرى أن السياسة الخارجية في عهد حافظ الأسد كانت ناجحة.  هكذا بدأ خطاب السيد خدام في المعارضة وتنامى هذا الخطاب بسرعة ليطرح خدام نفسه بين عشية وضحاها على أنه المؤهَّل لقيادة المعارضة وأنه القادر على إسقاط نظام بشار الأسد.  ليس المقصود هنا التشهير بخدام ولكن هذه الوقفة الخاطفة هي فقط للقول بأن السيد البيانوني، والذي هو أحد أقطاب إعلان دمشق، أخطأ في التحالف وإقامة ما يسمى بجبهة الخلاص مع السيد خدام، فالأخير لا يتصف بشروط المعارضة التي لها أسس واضحة ولا يتمتع بالقوة التي يجب أن تدفع بالسيد البيانوني إلى التحالف معه، خدام خارج السلطة هو ليس أكثر من فرد،  فرد لم يأت إلى صفوف المعارضة بل يسعى لجلب المعارضة إلى صفه وأفقه وطموحاته ـ وقد نجح في استقطاب البيانوني والبعض من المتعاطفين مع الأخير حين أوهمهم أنه يمتلك خيوط تفكيك النظام بينما هو يعتمد، في حقيقة الأمر، على ما ستؤول إليه نتائج التحقيق الدولية في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق وما قد يأتي منها على النظام السوري.  من ناحية ثانية، يتضح أن السيد البيانوني ليس له من يستشير في داخل سوريا ليقول له ماذا يعني اسم خدام بالنسبة للشعب السوري وماذا كان خدام في آلة النظام السوري وإلا لكان أحجم عن مثل هذ التحالف.  أما نتائج هذه العلاقة على المدى البعيد فستُظهر أنها أرجعت المعارضة إلى الوراء، وهذا بدأ يتضح في التململ ضمن حركة الأخوان وفي الانسلاخ الجماعي ضمن المجلس الوطني السوري بسبب المشاركة في التحالف المذكور. وبالتأكيد ستظهر خلافات قادمة ضمن إعلان دمشق فيما لو اكتفى "جماعة" إعلان دمشق بالقول إن موقف السيد البيانوني فردي ولا يمثل الإعلان ولاعلاقة لإعلان دمشق بالسيد خدام، لأن موقفاً كهذا سيعتبر مبطناً ولن يُقنع أحداً، حيث هناك من ينتظر قراراً حاسماً يخيّر الأخوان بين الإعلان أو التحالف مع خدام، أو قراراً يُخرج تنظيم الأخوان من إعلان دمشق لإثبات مصداقية الإعلان، وإلا فستفهم بأن هناك تفاهمات وراء الكواليس بين من صاغوا إعلان دمشق على تبرئة خدام لأسباب يصعب فهمها.  وهناك من يعتبر أنه ليس من حق أحد أن يعطي صك البراءة لأحد وإذا أجازت المعارضة لنفسها الاستثناء بهذا الخصوص فيجب عليها أن لا تكون انتقائية في استثنائها، وإلا فهذا مشروع ضيق الأفق وسيلعب دوراً حاسماً في إلغاء الكثير من الخطوط الحمراء لدى أطراف أخرى في المعارضة وسيمهد لاصطفافات لن تخدم في نهاية المطاف لا المعارضة ولا البلد، لا مرحلياً ولا استراتيجياً.      

 

إشكالية الداخل والخارج

يبدو أن الجدال حول الداخل والخارج يدور، على العموم، بأسئلة بعضها لا مبرر له، وينضوي تحت ما يمكن تسميته بالهرمية السياسية (political hierarchy) حيث يعتقد البعض من معارضة الداخل أنه يجلس على قمته، ويجسم هذا النمط من العلاقة السؤال الذي تركز عليه  أصوات الداخل عمن يحق له أن يلعب هذا الدور أو ذاك بدلا من النظر للأمر على أن كلا من الداخل والخارج له دور يُكمِلُ دور الآخر أو ينسق معه في الحد الأدنى ولا يلغيه.  وضمن هذا الإطار تأتي حساسية الداخل تحديداً حيال كل ما يقال أو يمارس في الخارج، فتارة يبدو الأمر وكأن فلاناً من الداخل يقول "أنا الأساس ولن أقبل أن يتكلم بالشأن السوري غيري وتارة أخرى، يذهب آخر إلى التخويف من السوري الذي في الخارج بالقول إنه لا يؤتمن لأنه يعيش بالخارج ـ وإن كان مرغماً على ذلك ـ وبذلك يكرر خطاب السلطة المتعمد بهذا الخصوص في اتهام الصوت السوري في الخارج والذي لا يقيد نفسه بسقف رسمته السلطة الحاكمة للعمل وللكلام.  ومن باب المفارقة أن نسمع من يأتي من الداخل إلى الخارج ليُسمع السوريين في المغترب هذه النغمة!

  

من ناحية أخرى، تزداد صعوبات الصوت السوري في الخارج وسط المناخ السياسي العالمي والواقع الإقليمي الذي يقود إلى الأذهان الدور الأمريكي في مسألة التغيير في المنطقة. بالرغم من أن عدداً كبيراً من السوريين كان قد تفاءل بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق معتقداً أن أيام الديكتاتوريات في المنطقة أصبحت معدودة إلا أن ذلك التفاؤل اصطدم بواقع شائك في أكثر من جانب: فمن جهة أصبح المشهد العراقي وتقهقراته في مرحلة ما بعد صدام مثالاً يخدم حصراً خطاب الأنظمة العربية لا من أطاح بالنظام الديكتاتوري، ومن جهة أخرى يتضح أن من يستطيع نسج خيوط لعلاقات بين "المعارضة السورية" ـ إذا جاز التعبير ـ والأمريكان، لم يحدد بدقة بعد، إذ أن من يصلح لهذه المهمة يجب أن لا تقتصر معرفته على تاريخ وجغرافية سوريا فحسب، بل ويجب أيضاً أن يكون قد عاش ويعيش آلام شعبها ويشعر بضيمه ويعرف ما يرضيه وما يؤرقه وما هو بحاجة إليه، بموازاة تذكير هذا الشعب بأنه جزء من العالم وليس خارجه.  من هنا، كانت خيبة أمل السوريين كبيرة فالرسالة لم تصل لأن حاملها لم يعرف كيفية إيصالها، الأمر الذي دفع بمن تفاءل في الأساس إلى السؤال عما إذا كانت قضية دمقرطة المنطقة مأخوذة على محمل الجد من قبل الولايات المتحدة (والعالم بأسره) أم أن كل ما يحصل عالمياً بخصوص الوضع السوري ليس إلا من باب التلميح بالعمل مع نواة بديل لتخويف النظام الحاكم بينما بقي العمل الجدي على تكوين البديل الفاعل بعيد المنال؛ وبذلك اقتصر خطاب هؤلاء إلى الحديث عن العلاقة مع العالم على أساس المنفعة المتبادلة بين الشعوب وأن كل شيء يحل بالحوار.  وعلى نقيض المطلوب تماماً، انتعش من جديد خطاب النظام السوري ليكرر أن العالم يتآمر على المنطقة.

 

والمعضلة الحقيقية التي يرفض الكثير الإقرار بها هي أن معظم المهتمين بالعمل السياسي وقضايا الوطن في سوريا هم  كبار ومتوسطي السن وغياب الشباب عن هذا المجال، باستثناء الكرد السوريين لظروف منها أن جدار الخوف لدى الشباب الكرد قد انكسر.  أما في الوسط العربي فجيل الشباب في معظمه غير مهتم بالشأن السياسي ونسبة عالية جداً بينهم تبحث عن حلول فردية، فهذا ينتظر أما هذه السفارة أو تلك محاولاً الهجرة، وذاك ينتظر فرصة ما، والثالث ينتظر الرحمة من المجهول وبدون كوارث وسجون واعتقالات.   

 

مهما كثر الحديث عن الظرف الموضوعي والذاتي في تعثرات المشهد السوري فإن أحداً لا يمكنه أن يتجاهل أن احدى المصاعب الرئيسية للمعارضة هي المالية، فالمنبر الإعلامي التنويري الذي يصل إلى الجميع لا يتواجد بدون تمويل، والتنظيم والحركة والتنقل وكل خطوة بحاجة إلى تمويل وليس ذلك بالأمر السهل تدبيره على من يكاد لا يستطيع تأمين حاجاته اليومية. 

 

أسئلة كثيرة طُرحت من قبل وتفرض نفسها الآن ومنها: هل ما يجعل المعارضة تفقد بوصلتها السياسية وتتخبط هو افتقارها المالي الذي يجعلها تذهب تارة هنا وأخرى هناك؟ أم عجزها السياسي؟ هل وقوف طرف من أطراف المعارضة موقفاً يشتت جهود المعارضة ككل هو ناجم عن ضعف خبرة أم أنه انحياز ممنهج؟ والسؤال الأكبر هو عن اقتراح الحلول لمشاكل المعارضة السورية، لهذا نوضح  أخيراً أننا لا نقصد في تصويرنا للواقع فقط توصيف حالة الضعف التي نحن بها بل أيضاً تشخيص هذه الحالة من أجل معالجتها.

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط