د. أكرم شلغين / Nov 20, 2008

في خبر لافت، نقلته إحدى الصحف العربية التي تصدر من لندن، أن نيل المسلسل التليفزيوني السوري "أيام الولدنة" (حكم البابا كتابة، مأمون البني إخراجاً، باسم ياخور ودريد لحام و... تمثيلاً) على خمس جوائز في مهرجان القاهرة للإعلام أثار سجالاً حاداً "كاد ينذر بأزمة... إذ هدد الوفد السوري الرسمي الذي يمثل الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون في سورية بالانسحاب من المهرجان، إذا حصل مسلسل ’أيام الولدنة’ على أية جائزة..." وسبب ذلك هو "خلفية المضمون السياسي والانتقادي الحاد الذي تضمنه المسلسل" وفقاً لما جاء في كلام رئيس الوفد السوري، ومن معه، إلى المهرجان. واللافت أكثر هو أن مشاورات واتصالات وشخصيات تتمتع بـ"حس وطني" أوقفت "المعركة الإعلامية" المحتدمة. اعتماداً على هذا الخبر، تناسيت سلّمَ أولوياتي وبدأت بالبحث عن مقاطع من المسلسل على الانترنت فوجدت ضالتي، ووجدت في مواقعَ إليكترونية متحمسة للخبر ما تعتبره الأجدر بالعرض من المسلسل المذكور. وخلاصة ما شاهدته من حلقة من ذلك المسلسل أن مسؤولاً مخابراتياً (أو أمنياً) من الدرجة الثانية (باسم ياخور في المسلسل) يحاول تعلم لعبة الشطرنج، إلا أن مقدراته تبدو أصغر من استيعاب لعبة بهذا الشكل وقواعدها، لعبة تحتاج لصبر وتفكير بالاحتمالات وتوقع ما هو غير متوقع، وفي الحقيقة يبدو أنه ليس فقط بالعاجز عن تعلم ألف باء اللعبة (إذ لا كتاب تعليم الشطرنج ينفعه، ولا مجموعة الجلادين والسجانين من حوله تعرفها...) بل أيضاً لايستطيع حتى نطق تسميتها بالشكل الصحيح [فيقول: سطرنج مستبدلاً الشين بالسين ومضيفاً (ما يشبه "الصوت المركزي المتحرك Schwa") بين الصوت الذي يدل عليه حرف النون والصوت الذي يليه ويدل عليه الجيم في الكلمة]، ما يراد منه إثارة "ضحك" المشاهد لهذه الكوميديا السياسية، وكذلك استخدام اللهجة الجبلية التي ينطق بها معظم العاملين في الأجهزة الأمنية. ونتيجة صعوبة تعلم المسؤول الأمني يقرر، في النهاية، أن هذه اللعبة مغرضة وقد وضعها الاستعمار والأعداء أو "المعارضة" إلخ ... ويذهب لرئيسه في هرم الفرع الأمني (والذي يتربع على قمته في المسلسل دريد لحام) ليشرح له ما توصل إليه من معرفة للعبة المغرضة وما في كامنها من تخريب لأسس التفكير السائدة في المجتمع ، فيتفاجأ رئيسه الأمني ويلوم نفسه على حث مرؤوسه لتعلم لعبة تحتاج لأكبر من إمكانيات الأخير العقلية.  بكلام آخر، يخبرنا المسلسل بشكل غير مباشر أن مدارك ومستويات الطاقم الأمني تتنوع حتى ضمن نفس الفرع الأمني، فهناك رئيس الفرع المتنور والذي يفهم ويعي وأما العناصر الأمنية الأقل أهمية منه فهي من تمثل بؤرة الجهل والتخلف وتحارب العلم حين لا تفلح به حتى ولو كان ذلك في لعبة شطرنج وتعتبره خطراً عليها. هذه هي الخلاصة لحلقة من مسلسل كوميدي أثار "السجال" و"احتدام المعركة" وأزعج ممثلي النظام السوري لأنه نال خمس جوائز من مهرجان القاهرة.

 

في الواقع، لا أستطيع أن أتبين إن كان الوفد الرسمي السوري إلى المهرجان "يمثل" ، ولأسبابه، مصطنعاً السجال! وإن كان ذلك هو الواقع حقاً فإنه بذلك يثبت تمرساً خاصاً على قدر عال من التعقيد في حرف النظر عن صلب الموضوع، أم أنه (أي الوفد "الرسمي" السوري) فعلاً على درجة عالية من الغباء إلى حد أنه لايعرف ماذا يخدمه! لأن المسلسل المذكور يستحق ضعف تلك الجوائز لا من مهرجان القاهرة فحسب بل من حكام دمشق أنفسهم نظراً لمحتواه الأيديولوجي وما يخدمهم كشريحة أو كطبقة سياسية حاكمة.  وهذا ما سنبحث به في السطور القادمة.

 


لو أخذنا برؤية لويس ألثيسير (وكذلك إي بي تومسون، وما ليباند وغيرهم من المفكرين...) من أن الأيديولوجيا السائدة، في المجتمع الطبقي، هي أي "خطاب" أو "لغة" أو "ممارسة عملية" تشرعن للتوضع الطبقي القائم وتدافع عنه في المجتمع، فإن ذلك سيقودنا لا محالة إلى المشكلة الصعبة في قراءة العمل الأدبي أو (العمل الفني) بصفته شكل من أشكال "الخطاب" من حيث محتواه الأيديولوجي. لا نأتي بالجديد حين نتطرق للعلاقة ما بين "العمل الأدبي أو الفني" و"السياسة"، وندرك أن سلعة الأقوال من نوع: الأدب من أجل الأدب أو "الفن من أجل الفن" لم يعد لها الكثير من الشارين في عصرنا، إلا أن ما يجب أن يشغلنا حقاً هو طبيعة العلاقة ما بين العمل الأدبي أو الفني والمؤسسة السياسية.

  

يمكن تصنيف العمل (الأدبي أو الفني) تحت واحد من ثلاثة أنواع وفقاً لموقعه وعلاقته بالأيديولوجيا المهيمنة الممأسسة: أولاً، ذلك الذي يدافع بقوة عن الأيديولوجيا ويعيد إنتاجها بأشكال وأنماط متعددة، ثُانياً، ذلك الذي يعارضها ويتحداها عبر خطاب هدام (subversive discourse) ويخالف خطوطها وخرائطها السياسية، والثالث، ذلك الذي يبدو وكأنه يعارض الأيديولوجيا السائدة إلا أنه، بشكل أو بآخر، لايستطيع الإفلات من نفس الأيديولوجيا التي يزعم مناوءتها وذلك عبر ما يسمى سياسياً بالاحتواء (containment). وقد شكلت التصنيفات الثلاثة، آنفة الذكر، أحد أهم محاور النقاش في العقد الأخير من القرن العشرين بين نزعتين نقديتين واحدة بريطانية وتدعى "المادية الثقافية"، كانت قد بدأت مع المفكر الماركسي الراحل ريموند ويليامز (وتابع بها من بعده كل من تيري إيغلتون، جوناثان دوليمور، آلان سينفيلد وغيرهم) والأخرى أمريكية وتدعى "التاريخانية الجديدة" (ومن روادها ستيفن جرينبلات، لويس مونتروز ، جانيت آدلمان...) حيث رست النقاشات المختصة بهذا الجانب على تناول الخط الأيديولوجي للأعمال الأدبية وطبيعة الدور الذي تلعبه: الهدم أم الاحتواء (subversion, containment). ففي حين ركزت المادية الثقافية على أن ما "يحتسب" أيديولوجياً للعمل الأدبي أو الفني هو تجاوزه للخطوط السائدة وانتهاكه أو طرقه للمحرمات، كان للتاريخانية الجديدة رأياً آخر وهو أن الأمور تقاس بنتائجها، أي أن ما يحتسب حقاً هو خاتمة العمل وليس كل ما يدور قبلها (حتى ولو كانت الخاتمة قد قُسرت اعتباطياً على أن تناقض معظم ما ورد في العمل ما قبلها وذلك لأسباب براغماتية بحتة). هذا ما سنأتي إليه عند عودتنا إلى المسلسل السوري المذكور أعلاه. يتعقد الموضوع، بشكل خاص، عندما يأتي الأمر إلى المشاهد ونظرية التلقي ( Reception Theoryمن روادها: فولفجانج إيزر، روبرت ياوس) إذ أن الدور الأيديولوجي للعمل يقاس أيضاً بمدى، ونوعية، تأثيره على المشاهد أو المتلقي. وتكمن الصعوبة بالتحديد لأن التلقي يعتمد ليس فقط على نوعية العمل المقدّم تمثيلاً بل أيضاً على التركيب النفسي الاجتماعي للمشاهد نفسه (لن نفصّل أكثر هنا).

 

عملاً بهذه المقدمة المكثفة جداً لتعقيدات علاقة العمل الفني أو الأدبي بالسياسة نعود لنطرح بعض القضايا الهامة المتعلقة بتلك الحلقة من المسلسل السوري حاصد الجوائز بحدة انتقاده ولخلفيته السياسية النقدية ـ كما قيل. نعم، إن ما يقدمه المسلسل بمعظمه هو تصوير لمأساة ابتلاء السوريين بأجهزة أمنية طواقمها مجموعة جهلة هو نحت فني للواقع السوري [مع تباين ضئيل (nuance) تحدده حقيقة أنه يبقى عملاً أدبياً (Genre) أو فنياً]، إلا أن ما ينفي أو يلغي ويبطل وبحدة هذا الخط النقدي في النهاية هو: أولاً، تقديم المأساة (التراجيديا) على شكل ملهاة (كوميديا) بحيث يشاهد المرء معاناته على شكل مزحة وهو يضحك فيتلاشى العزم في ميدان الضحك، وبالتالي يلعب العمل الفني هنا دوراً أيديولوجياً أقرب ما يكون إلى ما يسمى بــ"تنفيس الاحتقان"، ليس من زائد القول هنا أن معظم النكات السياسية كانت تصدر بالتحديد من فروع الأمن في سوريا ولم يكن بمأمن منها لاموظفاً أمنياً ولا وزيراً ولا رئيس وزراء ـ ما دام رمز السلطة بمنأى عنها؛ ينتفي الخط النقدي المعترض أو المعارض ثانياً، حين يدرك المشاهد أن ما به معاناته ليس إلا نتيجة ممارسات تأتي من بعض الجهلة في فرع الأمن... وأما المسؤول الأمني "الكبير" (دريد لحام في المسلسل) فهو متنور وبعيد عما يجري... وقد يقول قائل إن الدور الإيجابي للمسؤول الأمني الكبير قد صُمّم على هذا الشكل ضماناً للسلامة (أي لاعتبارات براغماتية تتعلق بالواقع الأمني في سوريا)... إلا أن ذلك الدور يتناغم في الحقيقة ـ سواء أدرك البعض ذلك وأقر به أم لا ـ مع ما كانت أجهزة الأمن السورية سبّاقة في الترويج له منذ السنوات الأولى للأسد الأب من أن الممارسات الغلط هي دوماً من نتاج الصغار وأما الكبير فهو لايدري بتفاصيلها (مع العلم أن المثل الشعبي يصح وبدقة في الحالة السورية وهو أن "الخط الأعوج من الثور الكبير"). والسؤال الجدير بالطرح، وفي بالغ الأهمية، خلاصة، هو حول التأثير الأيديولوجي للعمل الفني: هل يضحك المشاهد بعد رؤيته أم أن العمل قد حرضه إلى درجة استعداده للمشاركة بعمل ما أو لعب دور يبحث جاداَ في تغيير الواقع!؟ ربما تلعب الكوميديا السياسية دوراً إيجابياً في البلدان الديمقراطية التي تحدد حكامها صناديق الاقتراع وأما في البلدان العربية فأعتقد أن الضحك يلعب دوراً سلبياً في تفاعلنا مع قضايانا الجادة.



المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط