د. أكرم شلغين / Sep 24, 2006

ظهر المدعو فريد الغادري قبل أسبوعين على قناة "الحرة" التلفزيونية مطالباً العلويين في سوريا بترك دمشق و"العودة إلى الجبال" لأن "دمشق،" على حد تعبيره، هي "عاصمة الأمويين وليست عاصمة العلويين"، وألحق الغادري مقابلته بتوزيع عدة مقالات مكتوبة بأسماء مختلفة ولكنها، بلغتها المليئة بالحقد والكراهية والحض على العنف الطائفي، تحمل نفس اللهجة الداعية إلى التطهير الديني، التطهير الإثني في سوريا، حيث توجه "النداء الأخير" للعلويين للتوجه إلى الجبال. وقبل يومين أتبع الغادري ذلك ببيان صادر عما يسمى بـ "حزب الإصلاح" يحدد فيه موعداً أقصاه ما "قبل 8 تشرين الثاني القادم" للعلويين للرحيل عن المدن الرئيسية.


ربما يظن أحدنا أن علينا إهمال ما قاله، وما وزعه، الغادري بذريعة أن الأخير لا في داخل سوريا ولا في خارجها يمثل أحداً، ولأن شعب سوريا ليس طائفياً ولا علاقة له بما يقوله الغادري، ولكن ما أن نتعرف على الأسباب التي دعت الغادري ـ وهو الذي ادعى العلمانية والليبرالية من قبل ـ للجوء إلى هذا الخطاب حتى ندرك أن علينا التعامل مع نداء التطهير آنف الذكر بجدية أكثر. من ناحية ثانية، لا بد أن نميز أننا عندما نعطي جزءاً من وقتنا للخوض بهذا الأمر فإن ذلك لا يعني أننا نعطي قيمة للغادري وإنما ندرس ونحلل الخطاب الذي استقر عليه هذا الشخص، ونظهر موقفنا من لغة تدميرية لا لسوريا ولا لشعب سوريا مصلحة بها. وعندما نجزم بأن لغة الغادري مستوردة ولا علاقة لها بسوريا وبشعبها فإننا نفتقر إلى الدقة في توصيف الواقع السوري لأن هناك بعض الأصوات التي تستخدم اللغة الطائفية، وفي كل الأحوال، إن من يحاول تصوير الشعب السوري وبعده عن النزعات الضيقة والفتن فإنما يتكلم عن نفسه فقط، فالفتن الكامنة ـ والتي سببتها جرائم وممارسات نظام الأسد قبل غيره ـ هي أشبه ما تكون بنار خامدة تحت الرماد تحتاج لتهوية فقط لتنتعش فتهب وتلتهم وتدمر.


فيما يخص الغادري، لا بد من التذكير بأن المعارضة السورية في الداخل والخارج، ولأسباب عديدة منها ذاتية ومنها موضوعية، رفضت الاعتراف بالغادري كمعارض أو اعتبار أنه يمتلك الحد الأدنى من الوعي السياسي أو الثقافي الذي يخوله طرح نفسه كمعارض سوري. فالشخص المذكور اجتهد ليقدم نفسه بشكل ما كشخصية معارضة ولكن سرعان ما تبين من كلامه وسلوكه أنه بعيد عن، بل بالأدق جاهل أيضاً بــ ، تاريخ وجغرافية سوريا وآلام وآمال وطموحات شعبها. فبتزامن مع غزو العراق ظهر الغادري وأراد تقديم نفسه للمعارضه السورية، بشكل أو بآخر، على أنه "جلبي سوريا" إلا أن الفشل كان رفيقه بشكل مستمر. ثم اعتمد سلسلة من التصريحات التي كشفت ضحالته وجهله بألف باء السياسة بل حتى وبموقع سوريا على خارطة العالم، ومن ثم تبين أن أهداف الغادري لا تخرج عن نطاق طموحات في "البزنس السياسي." بكلمات موجزة، ظهرت صورة الغادري الحقيقية وبدا من الضعف بمكان يصعب فيه تقويته حتى ولو وزع صوره مع مسؤول في الإدارة الأمريكية بالآلاف أوعمل حثيثاً ليجلب شتائم الدنيا لنفسه علّ اسمه يزداد تكرراً في محركات بحث الغوغل والياهو، إلخ. وشيئاً فشيئاً بدأ الغادري يظهر بحجمه ووزنه الطبيعي، وانتهى إلى ما هو عليه كأضحوكة المعارضة ومهرجها للبعض وجََرَباً سياسياً، يجب الابتعاد عنه، للبعض الآخر.


نكثف هنا القول بما يجدر ذكره عن أن الغادري خلال السنوات التي ظهر بها لم يتوان حين أتيحت له الفرصة إعلامياً أو غيرها عن ترداد أنه "علماني" وأنه يريد محاربة الإسلاميين بل وأنه يخاف بشكل خاص من خطورة "التقية". ولم يأل الغادري جهداً في محاولة الاتصال بالمعارضة السورية والاقتراب منها واحتساب نفسه عليها، فعندما ظهر إعلان دمشق حاول وضع توقيعه كمؤيد للإعلان محاولة منه للاتصال بمن يتمثل بهم الإعلان لكنه قوبل بالرفض القاطع، وعندما ظهرت جبهة الخلاص حاول، ومن جديد قوبل بالرفض، وكذلك لم يستطع الغادري، على مستويات متفاوتة، أن يقترب أو يتقرب من المعارضة السورية.


بالطبع، ما لم يدركه الغادري هو السبب الحقيقي في ابتعاد المعارضة السورية عنه والذي أوجزناه في الأعلى بأن المعارضة السورية، وبعكس الغادري، هي من صلب الشعب السوري وتحاول أن تتشارك معه في الهموم والآمال. بالتأكيد، الحركة الوطنية السورية لها ما لها من مشاكل وعقد وهموم وعثرات ومصاعب هنا وهناك لكنها في نهاية الأمر، وبعكس الغادري، لها أيضاً ثوابت عندما يأتي الأمر إلى قضايا سوريا وشعب سوريا وهي تعمل قطعاً من أجل الشعب السوري.


وسط هذا الرفض المطلق للغادري كان لا بد له ولمن ينصحه (والأخير إسلاموي متطرف لا علاقة للإسلام بتطرفه يدعى الشيخ عبد الله الحميدي) من التفكير في السبب الذي يؤدي إلى نفور السوريين من "الغادري." لكن، بدلاً من البحث عن السبب الحقيقي وراء الرفض، اعتقد الغادري وناصحه، بشكل خاطئ، أن عدم نجاحه في التقرب من المعارضة السورية هو ابتعاده عن لغة الشارع السوري غير المعلنة وبتكراره لكلمة "علماني" عند توصيف نفسه سابقاً إنما يضع نفسه في قطار آخر لا نية للسوريين بركوبه إذ أن هدف السوريين ـ كما يتردد، حسب فهمه، وعلى أكثر من منبر ـ هو "الخلاص من الحكم العلوي في دمشق"؛ من هنا، جاء توجه الغادري الجديد للتنظيف الإثني من العلويين اعتقاداً منه، وممن نصحه، أنه يتكلم لغة الشارع السوري وأن الناس ستتهافت عليه بأعداد كبيرة.


إذا تركنا الغادري ـ يكرر ما لُقّن به، لنتفحص الخطاب الطائفي، الواصل حد المناداة بالتنظيف الإثني، الذي يستخدمه، نرى أنه لا بد من التمعن بطبيعة النظام الحاكم في دمشق وإلى أي حد يمثل العلويين أو إلى أي حد يتمثل به العلويون، وفيما إذا كان دقيقاً تصنيف النظام الحاكم في سوريا بالحكم العلوي أم أن من يحكم في دمشق ليس إلا تشكيل ديكتاتوري فاسد يضم مختلف الطوائف برئاسة آل الأسد ـ الذي ثاقب أنهم علوين ـ اجتمعت رموزه انطلاقاً من مصالحها الذاتية وتصميمها على سرقة سوريا وقمع شعب سوريا. من هنا، علينا التركيز على أن الديكتاتورية لا تنبع من، ولا تتغذى على، دين أو قومية ولو كان منطق ربط ديكتاتورية ودموية نظام الأسد بعلوية حافظ الأسد ووريثه صائباً لكان هتلر وموسوليني وستالين وبول بوت وصدام حسين قد نهلوا مما يسميه البعض "مجلس الطائفة العلوية" في سوريا.


وإن يكن حافظ الأسد علوياً ولم يأتمن على صمامات أمان حكمه "أمنياً" إلا ضباط العشيرة بل ووصل مع وريثه حداً حصرها في العائلة، فإن قراءة موضوعية لطبيعة النظام السوري توضح أن قوام التشكيل الذي بناه حافظ الأسد وحُكمت وتُحكم به سوريا برئاسة عائلة الأسد منذ عام 1970 يتكون من نماذج تتشاطر فيما بينها بتفاهمات، معلنة كانت أو غير معلنة، وتنحصر أهدافها في السيطرة على القرار السياسي وعلى المقدرات الاقتصادية للبلد، وهذا التشكيل الحاكم في سوريا يشتمل على العلوي وغير العلوي، ولو استعدنا الماضي مثل رؤيتنا للحاضر لوجدنا أن اعتقالات واغتيالات حافظ الأسد لخصومه طالت العلويين قبل غيرهم. نظرياً، أراد حافظ الأسد أن يقول إن حكمه يمثل كافة فئات الشعب السوري فنصّب في هذا المكان أو ذاك مسؤولين من طوائف مختلفة، ولكنه عملياً اختار من كل طائفة من يتوافق ويتشابه معه في ذهنية الاستغلال والقمع والبلطجة، أي أن علاقة من وضعهم حافظ الأسد في دفة الحكم معه من الطائفة السنية وسواها مع طوائفهم تشبه إلى حد كبير علاقة آل الأسد بالطائفة العلوية، بمعنى أن الأسد لا يمثل العلويين إلا بقدر ما مثل السنة عبد الحليم خدام عندما كان نائباً للرئيس أو بمقدار ما مثل، ويمثل، طلاس والشرع ومشارقة وغيرهم ممن يتشاطر مع آل الأسد في الحكم السنة. ولعل تباهي مصطفى طلاس بتوقيعه أوامر إعدام ما معدله مائة وخمسون سورياً في الثمانينات (دير شبيغل 21 شباط 2004) يوضح، من حيث يدري أو لا يدري، من هو وما هو موقعه من النظام، بل ويتماهى طلاس في التحدي (في نفس المقابلة مع دير شبيغل) بقوله: "استخدمنا السلاح لسيطرتنا على السلطة وحافظنا عليها، ولن نتخلى عن السلطة إلا بالسلاح." أما ضمير "نحن" الفاعل المقصود بكلام مصطفى طلاس في "استخدمنا" و"لن نتخلى" فبالتأكيد لايعود للعلويين ولا للسنة ولا للمسيحيين ولا للدروز ولا غيرهم وإنما قطعاً للطغمة الحاكمة برئاسة آل الأسد وحلفائهم من بلطجية سوريا، بمن فيهم طلاس نفسه، كمستفيدين رئيسيين منه. ولا يوجد أدنى شك، أنه لو جيء بقول مصطفى طلاس آنف الذكر دون معرفة قائله ووضع للمناقشة في إحدى غرف البالتوك الإسلامية لسمعنا أكثر من جازم بأن قائله "نصيري" يتمسك بمكاسبه... من يعرف سوريا جيداً وماذا يُمارس بها، يعرف أن عصابات التشكيل الحاكم تزرع الرعب والهلع منذ السبعينات على نفس المستويات في كل مدن وقرى سوريا ويعاني من ذلك العلوي مثل غيره. لهذا يكون من الظلم للعلوي الذي عانى ما يعانيه من نظام الأسد أن يسمع ما يسمعه ويقرأ ما يقرأه هنا وهناك.


نعم، يوجد مشكلة في سوريا اسمها مشكلة الطائفية... وإن هربنا من معالجتها وتعامينا عنها فإننا لا نحلها بذلك، وحرصاً منا على سوريا وشعب سوريا بدون تمييز فيها بين أي كان مهما كانت هويته(ـا) الدينية، أو الإثنية أو السياسية، يتوجب علينا جميعاً الكلام عنها بكل جرأة ووضوح ودراسة إمكانية معالجتها بشكل سليم وتفاديها.
في ثمانينات القرن الماضي كان هناك قتل على الهوية ولا نستطيع محوه من التاريخ مهما تفادينا الكلام عنه، وكان هناك صدام بين السلطة في سوريا وبين الإسلاميين عانى جميع السوريين، بشكل أو بآخر، من نتائجه السلبية وأثره الهدام، ليست نهايته اغتصاب القرار السياسي لتعزيز موقع حافظ الأسد وزمرته. نعم، مرة ثانية نكرر يوجد مشكلة طائفية أسبابها اقتصادية، اجتماعية، سياسية، وتاريخية.

 

نعم، ازداد عدد العلويين بشكل ملحوظ في كل مدن سوريا وليس في دمشق وحدها، وهذا ليس بالأمر غير العادي وفقاً للحركة الديموغرافية للسكان وغيرها، ولكن ذلك لا يعني أن دمشق كانت خالية من العلويين على الإطلاق من قبل. ربما كانت الهوية الدينية لا تعني الكثير للسوريين قبل حكم حافظ الأسد ولهذا لم يلتفت أحد إلى وجود العلوي في دمشق أو في المدن الأخرى. بكل أسف، ونتيجة ربط قمع ودموية حافظ الأسد بهويته الدينية ـ إن كان له هوية دينية في الأساس ـ أصبحت الصورة ضبابية وهناك خلط ما بين سائق التاكسي العلوي في شوارع دمشق وبين الجلاد في فرع فلسطين وغيره، بل وأخطر من ذلك اختلطت الصورة حتى بدأ البعض لا يميز بين السجين عارف دليلة أو فاتح جاموس وبين السّجان الأسد، وأكثر أننا نسمع من منابر إعلامية على الإنترنت، بكل أسف، أن عارف دليلة وفاتح جاموس دبرا "مسرحية سجنهما" بالاتفاق مع "النظام العلوي"!


وكما يعيش معظمنا نفس الهموم السياسية، فإن المشاكل الاقتصادية لا تنحصر في طائفة ما أو في منطقة ما وإنما نعاني منها جميعاً. يبقى أن نذكر مرة أخرى أنه يتوقف علينا وعلى وعينا ونظرتنا للأمور كيفية قراءة ما يجري في سوريا، فهل نركز على أن الأسد وارث الرئاسة، والأسد مورثها كذلك، ديكتاتور لأنه علوي أم أنه يفعل ما يفعله في سوريا حصراً من أجل هدف واحد يتمحور في الحفاظ على السيطرة الكاملة على مقدرات البلد؟ بسبب مشاكل السوريين مع السلطة يتم الخلط ونسمع ما لا يستطيع واحدنا أن يأخذه دائماً بشكل مزاح، يقال الكثير في غرف البالتوك عن العلويين "النصيريين" وهناك من يعد بتوزيع "الصرامي" خصيصاً لضرب كل علوي تقع عليه العين بدون تمييز بعد سقوط النظام السوري، ولكن، فضلاً عما يتركه هذا الخطاب من آثار سلبية، فإنه يقوي، شئنا أم أبينا، من سلطة آل الأسد إذ يجعل الطائفة العلوية بهذا الترهيب والوعيد يصطف قسما منها، حقاً أو باطلاً، وراء آل الأسد كحام لهم من تهديد الاخرين.



كتب أحدهم عما رآه في نابولي بإيطاليا فوصف لصاً محترفاً "نشل كاميرا من حقيبة معلقة على كتف أحد السياح مستبدلا الكاميرا بنفس الوقت بحجر معادل لوزنها". ثم يتابع، "ضبطني النشال وأنا أراقبه لكنه لم يهرب، بل تسمر في مكانه غامزاً بعينه وكأنه يشركني في صنيعه." نورد هذا هنا لكي نذكر أننا إن سكتنا على الخطأ في الخطاب الذي يكرره الغادري، الداعي للتطهير الإثني في سوريا، فإنما نمتثل لرغبة من يريد إشراكنا في جريمته، وبذلك نساهم في تمديد عمر النظام السوري ونتعامى عن كوارث تنتظر سوريا في مرحلة ما بعد نظام الأسد.

ربما كلنا مشغول بالهم الكبير وهو الانتهاء من حكم الأسد لسوريا ولكن ما لا نفكر به هو الهم الأكبر، في الواقع، وهو مرحلة ما بعد الأسد. علينا جميعاً كسوريين أن نضطلع بمسؤولياتنا ونحدد ما هي سوريا التي نريدها!  أنريد سوريا إقصاء وتفتت أم سوريا قوية تضمد جراح الماضي وتتطلع للمستقبل؟ أنريد سوريا المستقبل أن تكون سوريا المواطنة بكل ما تعنيه من حقوق سياسية، اقتصادية إلخ.. أم سوريا البعض وكما يمارس النظام الحالي؟ أنريد سوريا لكل أبنائها أم سوريا اقتتال وتشتت ومشاكل لا أحد يدرك أين ستقود!؟ أنريد محاكمة رموز نظام الأسد وكل من شارك بالقتل وكل من ابتلت يده بدم الشعب السوري ومن سرق الشعب السوري أم نساعد هؤلاء ليركبوا طائراتهم ليعيشوا حيث أموالهم مودعة واستثماراتهم قائمة ويبقى فقراء الشعب السوري من كل الطوائف والإثنيات للمجهول!؟  أسئلة تتطلب منا جميعاً التفكير والتصرف بمسؤولية عالية.



إنني على قناعة بأن شعبنا الذي خذل دعاة الطائفية في زمن الاستعمار الفرنسي وأثبت في الماضي ترفّعه عن الطائفية والإنجرار إلى الفتن وأقام جبهة وطنية موحدة قادر من جديد على إحباط كل محاولات الفتن الطائفية وسيرمي دعاة الطائفية إلى مزبلة التاريخ.

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط