د. عبد الخالق حسين / Jan 28, 2008

 

اختلف الخبراء والكتاب والمعلقون السياسيون في العالم حول الأسباب الحقيقية التي دفعت أمريكا لتكثيف تواجد قواتها في منطقة الخليج واحتلال العراق. فإدارة الرئيس جورج دبليو بوش والمحافظون الجدد، ومعهم "عملاؤهم من كتاب المارين!"، ادعوا أن الغرض الرئيسي لإسقاط حكم البعث الفاشي في العراق هو تدمير أسلحة الدمار الشامل في العراق ومنع انتشارها، إضافة إلى مشروع نشر الديمقراطية ومحاربة الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط، بينما ذهب خصوم أمريكا إلى أن الغرض الحقيقي لأمريكا من احتلال العراق وإسقاط نظام "بطل العروبة" صدام حسين، هو للاستحواذ على النفط العراقي ولا شيء غير النفط!!

وقد سالت أطنان من الحبر، كما يقولون، في هذا السجال الذي مازال محتدماً بين الفرقاء دون الوصول إلى نتيجة، فكل فريق متمسك بحججه ومواقفه. ولكن وعن طريق الصدفة، عثر أحد الأصدقاء على رابط لفيديو على موقع (youtube.com) وفيه السيد محمد محمد صادق الصدر (المعروف بالصدر الثاني) وهو يلقي خطبة الجمعة أما حشد من المصلين قبل اغتياله عام 1999 من قبل مخابرات صدام حسين، يكشف في هذا الخطاب ولأول مرة، السبب الحقيقي وراء احتلال أمريكا للعراق حسب ما يراه هو، والذي يختلف تماماً عن الأسباب المشار إليها أعلاه.

وللقارئ العربي غير الشيعي، الذي لا يعرف كثيراً عن التنظيم التراتبي للمرجعية الشيعية، نقول أن السيد الصدر الثاني كان من مرتبة آية الله، أي بلغ درجة الاجتهاد والذي يحق له أن يجتهد في الدين، فهو مجتهد، وله مقلدون من أتباع المذهب الشيعي الجعفري الأصولي. وهذا يعني أن الرجل بلغ من العلم في الفقه الديني مبلغاً كبيراً يؤهله لهذا الموقع وإصدار الفتوى.

كما ويجدر بنا أن نذكر هنا، أن الصدر الثاني هو الذي بدأ ظاهرة لبس الأكفان في العراق إثناء ظهوره أمام الجماهير إثناء خطبة وصلاة الجمعة، كعلامة استعداد للموت في إشارة منه لتحدي الحكومة البعثية الصدامية آنذاك، لأنه كان يعرف أنه مهدد بالاغتيال من جهة، وكوسيلة من وسائل تحريض الجماهير ضد النظام الفاشي في وقته. وقد تبنى الإسلاميون من أتباع الصدر وجيش المهدي بقيادة السيد مقتدى (الصدر الثالث) فيما بعد عادة لبس الأكفان لإشعال حماس الجماهير ودفعهم للموت، وهذه بدعة إيرانية ابتدعها نظام الخميني أيام الحرب العراقية – الإيرانية (1981-88)، عندما كان يبعث بالموجات البشرية من الإيرانيين البسطاء إلى جبهات القتال في مواجهة دموية مع الجيش العراقي والموت بالجملة، دون أي اعتبار لحجم الخسائر البشرية وحياة الإنسان.


المهم هنا، أن ما جاء في خطاب السيد الصدر الثاني قبل استشهاده، هو أنه تنبأ بالمخطط الأمريكي في احتلال العراق قبل سنوات من وقوعه، وكشف بكل وضوح السبب الحقيقي الذي دفع أمريكا للقيام باحتلال العراق فيما بعد. فكما بيَّنَ في خطابه (الرابط أدناه)، أن السبب هو ليس تدمير أسلحة الدمار الشامل أو نشر الديمقراطية في العراق، كما يقول "المخرفون السياسيون"، ولا النفط كما يدعي خصوم أمريكا، بل هو تحسباً لظهور المهدي المنتظر، وأن أمريكا كانت تعرف بظهور الإمام ولديها معلومات أكيدة بهذا الخصوص محفوظة لديها في دوائر البنتاكون، فقط تفتقر إلى صورته، جمعتها استخباراتها وكومبيوتراتها وغيرها من وسائل التقنية المعلوماتية والاستخباراتية الأمريكية، ولذلك حشدت أمريكا جيوشها في الخليج وخططت لاحتلال العراق استعداداً لمواجهة الإمام المهدي!!!


لا أريد مناقشة صحة أو خطأ ما ذهب إليه المرحوم السيد الصدر الثاني، ومدى اهتمام أمريكا بموضوع ظهور المهدي، وهل حقاً ستتهيأ لمواجهته، إذ أترك الحكم لنباهة القارئ. ولكن سألني الصديق الذي بعث لي الرابط، هل حقاً يؤمن هذا الرجل بما يقول، أم فقط يريد خدع الجماهير البسطاء لأغراض خاصة به؟

وجوابي هو أن الرجل ربما يؤمن فعلاً بما قال، لأن الإيمان بالمعتقدات الموروثة، هي التي تشكل العقل البشري. فالعقل هو وعاء يحمل الأفكار الموروثة وخاصة المعتقدات الدينية التي تدفع بالإنسان إلى التعصب والتضحية بحياته في سبيلها. إذ كما قال الفيلسوف الفرنسي، ميشال فوكو: (الدين عقل مجتمع بلا عقل).

وهناك اكثر من فقيه إسلامي أكد على أنه إذا اختلف النقل مع العقل فيؤخذ بالنقل، وكما يقول الشاطبي، فإن العقل ليس أصلاً بحد ذاته، بل "يتبنى على أصل متقدم ومسلم بإطلاق... من طريق الوحي". فهذه الكوارث التي تحصل في العالم الإسلامي على أيدي الإرهابيين الإسلاميين ما هي إلا نتيجة لهذه العقلية الدينية.

ليس الشيعة وحدهم الذين يؤمنون بظهور المهدي، وأنه لا بد من أن يظهر يوماً (ليملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً)، إذ هو حلم جميل راودت مخيلة البشرية منذ قديم الزمان، وتؤمن به الأديان السماوية الثلاثة، فالمسيحيون يؤمنون بظهور السيد المسيح المنقذ في المستقبل، وكذلك اليهود لهم معتقد بهذا الخصوص، وكذلك المسلمون السنة يعتقدون بظهور المهدي، ولكنهم خلافاً للشيعة، لا يعتقدون بولادته بعد، إلا إنه في نظرهم سيولد في المستقبل.

أما الشيعة فهم وحدهم الذين يؤمنون بأنه قد ولد فعلاً، وهو ابن الإمام الشيعي الحادي عشر، الحسن العسكري، المدفون في سامراء، وأن المهدي غاب وهو طفل، وسيظهر في المستقبل ليقيم نظام العدل والسلام، حيث تسقط فيه العملة ويعيش العالم دون حروب، وهو أشبه بـ"المدينة الفاضلة" التي تنبأ بها عدد من الفلاسفة، ابتداءً من أفلاطون مروراً بالفارابي وتوماس مور، وانتهاءً بكارل الماركس ومعه الحركة الشيوعية التي تقول أن البشرية ستعيش بسلام وسعادة فقط في ظل النظام الشيوعي الذي تسقط فيه العملة والحكومة وكل أعمال العنف.

مشكلة ظهور المهدي في أيامنا هذه، أنه ومنذ سقوط نظام حكم صدام حسين وإلى الآن، ظهر علينا العديد من الأشخاص ادعى بعضهم إما أنه هو المهدي أو الممهد لظهوره، وأنه على اتصال به تمهيداً لظهوره. ولكن المشكلة أنه ما أن يظهر مثل هذا الشخص ويتبعه البسطاء من الشيعة، حتى وتنهض باقي فرق الإسلام السياسي الشيعي بمحاربته.

وكان آخر هذه الألاعيب ما يسمى بحركة (اليماني) وجند السماء في البصرة والتي تسببت في وقوع المئات من الضحايا. وهذا يعني أنه حتى لو سلمنا جدلاً بوجود المهدي المنتظر، ألا يعني هذا أنه حتى الذين يؤمنون به سيحاربونه عند ظهوره؟ والسؤال الأهم هو، ألا يعني هذا أن المدعين بوجود المهدي هم غير جادين في ادعائهم، بل يدعونه لأغراض هم أعرف بها من غيرهم؟

وقد نشر مؤخراً كتاب المؤرخ العراقي الكبير الراحل جواد علي، صاحب الأسفار التاريخية الكبيرة، عن المهدي المنتظر، وهو رسالة دكتوراه قدمها في الثلاثينات من القرن الماضي باللغة الألمانية ولم يجرؤ على نشرها بالعربية آنذاك طلباً للسلامة.

وقد قامت دار منشورات الجمل عام 2005 بترجمته إلى العربية ونشره. والكتاب أفضل دراسة علمية لحد الآن عن المهدي والغموض والشكوك والخرافات التي تحيط به، جدير بالقراءة.

والسؤال الأخير هو، إلى متى تبقى الجماهير الفقيرة البائسة ضحية يتلاعب بعقولها رجال الدين، وخاصة قادة الإسلام السياسي الذين لم يشبع نهمهم من دماء الأبرياء والذين استغلوا الدين لمآربهم السياسية؟

******************
1- لمشاهدة السيد الصدر الثاني وكيفية معرفته بان أمريكا ستدخل العراق، يرجى فتح الرابط:

http://www.youtube.com/watch?v=Vaqaguv7k9o&feature=related

2- رابط لإمام مسجد في الغرب، يقوم بإثارة الهستيريا في الناس.

http://www.youtube.com/watch?v=ei_BA1Bsinc

دكتور عبد الخالق حسين، كاتب وطبيب عراقي  Abdulkhaliq.Hussein@btinternet.com

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط