د. أكرم شلغين / Jan 12, 2005

وَصف أوربي مشهداً يتجمع فيه عدد من أفراد قبيلة عربية حول جهاز تلفزيون ياباني الصنع ويعرض فيلماً أمريكياً بالمحير نظراً لتداخل تداعيات مدلولاته، إذ يصبح، والحال هكذا، من المتعذر الخروج بجواب قاطع عن سؤال "من يغزو من في هذا المشهد؟"! هل تغزو التكنولوجيا اليابانية المتطورة هذه القبيلة العربية؟ هل تغزو الثقافة الأمريكية هذه القبيلة العربية؟ أم بالعكس؟ أي أن القبيلة العربية هي الغازية من حيث الواقع إذ تحصل على أحدث المنتجات التكنولوجية العالمية مقابل قليل من المال مقارنة بالجهد البشري العالمي في المجال التقاني والذي أنتج جهاز التلفزيون المتطور إلى هذا الحد! كما أن هذه القبيلة والتي تعيش حياة ثقافية اجتماعية بدائية (خاصة في مسائل الأخذ بالثأر والانتقام والقتل) تحظى بوصول إنتاج ثقافي عالمي ـ يعبر عن فكر إنساني متطورـ عبر ذلك الجهاز الصغير إلى خيمتها دون أدنى عناء! وتتابعت الأسئلة في رأس ذلك الأوربي ولم يستطع تحديد رابح وخاسر في هذه المسألة، وتداخلت الأسئلة أكثر عندما تذكر أن التلفزيون ليس اختراعاً يابانياً في الأساس... ثم حسم ذلك الأوربي الأمر بأن تجنب التفكير بمقاييس الربح والخسارة والغزو التقاني أو الثقافي أو بالعيش الطفيلي ُمرجعاً حياة البشرية جمعاء عبر التاريخ إلى مساهمات وأخذ وعطاء بين شعوب الأرض في كافة المجالات.

ليت العرب المرتعدين خوفاً من الغزو الثقافي الغربي ـ والسوريين منهم بشكل خاص ـ يرتقون بتفكيرهم، وبصدق، إلى ما وصله ذلك الأوربي من أن الأخذ والعطاء هو الأساس في العلاقات البشرية الكونية وليس مسألة غزو وربح وخسارة. ولكن أين لهم أن يفكروا بتلك الطريقة وتركيب "شخصيتهم "العربية السورية" هو عصارة أيديولوجيات تفتخر بالانتماء القومي ممزوجة بأوهام أخرى دينية تؤكد أنهم "خير أمة أخرجت للناس" ويتوج هذا العصير بآفات اجتماعية أخرى جاءت بها الأنظمة الشمولية لا نود الخوض فيها هنا.
قبل أن نذهب أبعد في موضوع الخوف من الغزو الثقافي دعونا نلاحظ التناقض في تفكير وسلوك من يتباكى على الثقافة والهوية العربيتان وذلك بالانتقائية (selectivity) الاعتباطية في تصميم قناة تعامل مع الغرب فيرفض الثقافة الغربية وفي نفس الوقت يلهث وراء ما اخترعه الغرب ووضعه في خدمة البشرية دون تمييز بين غربي وغير غربي! لا نود هنا إهانة العرب المرتعدين من الغرب بطرح السؤال الذي يحمل مزيداً من المفارقة حول ما يقدمه العرب مقابل ما يقدمه الغرب للبشرية جمعاء ودون تمييز في المجال العلمي التقاني مثل الثقافي والمعرفي! وكذلك عندما نتساءل عما يقدمه العرب للعالم اليوم مقابل ما يقدمه الغرب فإننا بالتأكيد لا نقصد التقليل من إمكانيات الفرد العربي إذ توجد مواهب وإمكانيات لدى بعض الأفراد القادرة على العطاء والإبداع ولكنها تصطدم بالمؤسسة التي تديرها مكنة الأنظمة العربية التي تقف حجر عثرة في طريق كل شيء وخاصة في السماح للمواهب بالعمل في مكانها المناسب. وبنفس الوقت، لسنا مع المتشدقين ومزوري التاريخ عن حجم ما قدمه "أجدادنا" للبشرية، فنحن هنا بالتأكيد لا نخلط بين من عاشوا قديماً في المنطقة من فينيقيين أو سومريين أو فراعنة قدموا الكثير حضارياً وبين العرب الذين يعيشون عليها الآن عاجزين حتى عن إنتاج حتى الآلة التي تعلب التمر (المتواجد على الأرض دون جهد أو تدخل العرب أو منيتهم). ومن المؤكد أيضاً أن العرب لم يثبتوا أنهم امتداد لأولئك الحضاريين كما تبجح وتفاصح مرة بشار الأسد للصحفيين عن أنه حفيد الفينيقيين، وهم في زمنهم أكثر حضارة وثقافة منه وهو في القرن الحادي والعشرين. وأما ما ُنسب للعرب ـ حتى في ما يسميه العرب أنفسهم بعصرهم الذهبي ـ فهو، في الواقع، نتاج أفراد، في معظم الأحيان، ليسوا عرباً ولم يجمعهم بالعرب إلا الدين. وهذه الحقيقة لا العرب يظهرونها ولا الغرب يسائلهم عنها، بل إن الغرب ينسب منجزات تلك الفترة للعرب وباحترام. وليس للغرب عقدة في اعتماد ما لم يُخترع أو يُستنبط في الغرب تحديداً فهو يستخدم ما وصله عبر التاريخ ليستعمله موضحاً نسبه التاريخي دون التنكر للماضي فنسمع، مثلاً، وحتى هذه اللحظة في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام الغربية تعبير: "الأعداد العربية".
نبقى في ما يقدمه الغرب للعالم ويصل للعرب المتخوفين من الغرب لنذكّر بأن أثر الأخير في حياتنا اليومية هو أكبر من أن نتنكر له (أو أن تكون حياتنا عادية من دونه في هذا العصر) بدءاً بما نأكله من رغيف الخبز المُعَد في مخبز غربي الصنع ومروراً بما نلبسه حيث المصنع الذي أعد القطن نسيجاً هو غربي مثل المكنة التي استُخدِمت في خياطة النسيج ليصبح جاهزاً لنلبسه وليس انتهاءاً بالدواء الذي نتناوله، هذا إن لم نتكلم عن السيارة والطائرة والراديو والتلفزيون وجهاز الكومبيوتر ووسائل الاتصالات وغير وغير. وفيما لو أراد العرب إعلان المقاطعة لما ينتجه الغرب فإنهم سيعلنون ذلك عبر وسائل إعلام تجهيزاتها غربية الصنع. لعل من أطرف المفارقات في مؤتمر لمقاطعة البضائع الأمريكية (بعد بدء الانتفاضة الفلسطينية الثانية) ذلك المشهد التاريخي الشهير لوزير الخارجية السوري فاروق الشرع وهو يجلس مع نظرائه الوزراء العرب وهو الأقرب للكاميرا التلفزيونية التي أظهرته على يمين الشاشة وأمامه (مثل بقية الوزراء بالطبع) زجاجة الكوكا كولا وكأن الكولا هي ماء زمزم عربي أصيل وليست أمريكية وغربية! أوليس ذلك فضيحة!؟ ومثل ذلك على مستوى عوائل وزبانية من يسوقون أيديولوجيا الخوف من الأجنبي "الآخر" في سورية، فجميعنا يعرف أن فلك الأسد تشتري عطوراتها وفساتينها وعدة تجميلها من الغرب ومثلها أختها عبير جميل الأسد (زوجة يعرب بن غازي كنعان وزير الداخلية السوري). وليس حال ابن عمهم "الرئيس الدكتور العربي" بشار الأسد بالمختلف ولا نريد هنا أن نسأله عن رباطة عنقه أو نظارته الشمسية وأداة الحلاقة التي لمّعت ذقنه والطقم الذي يلبسه إن هم من إنتاج مصانع الأسد البعثية العربية أم من صنع غربي!
ليس من الزائد هنا أن نوضح الفرق بين العقلية الغربية التي تضع العلم والمنجزات في خدمة البشرية مجاناً وبين ذهنية السرقة والتجارة التي تدمغ رموز النظام "العربي" الحاكم في دمشق. كلنا يعرف كيف أن المكتبة الالكترونية موجودة مجاناً على الانترنت في عصر الثورة المعلوماتية وبإمكان الداخل إلى الشبكة الذهاب إلى أي محرك بحث بكل بساطة ليعتمده في الحصول مجاناً على المعلومة، والمقال وـ إلى حد ما ـ الكتاب الذي يريده، أما بشار بن حافظ الأسد فقد ارتأى أن يمنع مستخدم الانترنت في سوريا من الوصول الحر إلى كل ما هو موضوع على الإنترنت من المادة العلمية والأدبية والإنسانية بدون الدفع وبالدولار فعمل قبل حوالي ثلاث سنوات مع "عباقرته" في هذا المجال على إنشاء الجامعة الافتراضية التي تحاسب طالبها برسوم تسجيل مقدارها عشرات الآلاف من الدولارات مقابل السماح بالمعلومة التي يضعها الغرب مجاناً لجميع الناس! هكذا هو الأمر، الغرب يقدم العلم والمعلومات مجاناً وبشار الأسد العربي يعتبرها فرصة ليتاجر ويبيع علم ومعلومات الغرب المجانية للسوريين! وكي لا نُفهم خطأ هنا لا نريد طرح المزيد من الأسئلة عمن هو أفضل للفرد والمجتمع السوري: الغربي الأجنبي الذي يضع العلم مجاناً وللجميع أم نظام الأسد اليعربي الذي يقف كما الوحش أو المارد الأسطوري ساداً منبع المياه بإصبعه ليحرم الناس من شربها!؟
وكي نتسم بالوضوح نقول إن من أسباب تركيزنا على رموز الحكم هو أن هؤلاء، وليس غيرهم، من يسيطرون على مؤسسات الدولة وأجهزة الدولة الأيديولوجية التي "تمتلك" "حق القول"، أما الأفراد فلا حول لهم ولا قوة. والفرد السوري العادي يدرك أن أثر الغرب موجود في كل شيء بيننا وحولنا ويعي تماماً أن حياة العربي لن تكون اليوم إلا بدائية لو أزحنا أثر الغرب وتصنيعه وإنجازاته من استخدامنا اليومي، بل واللحظي.

في كل الأحوال، لا يجرؤ من يُحذر من الغرب إلى التطرق للفارق العلمي والتقاني بين الغرب وبين العرب، وإنما يزعم الخوف على الثقافة والهوية. وفي الغالب تتشكل مجموعة الخائفين من ثقافة "الآخر" من جوقة منشدي الأنظمة العربية ـ وجهابذة البعث خاصة ـ حيث تردد هذه الأيام أن الغرب يستهدفنا كعرب ومسلمين ويريد غزونا قاصداً إلغاء ثقافتنا ومحاربة ديننا وشطب هويتنا القومية وزوالنا. هذا الزعم ينقصه الصدق. ومن الضروري هنا التذكير أن الغربيين حتى ضمن بلدانهم بالذات والتي تحوي أقليات عربية ومسلمة(مثل غيرها من الأقليات) لا يريدون شطب الهوية الثقافية لأحد. ففي أكثر من بلد غربي يدور النقاش بين السياسيين (وفي بعض الدول على مستوى المؤسسة أيضاً) عن نمط عيش وتعايش الإثنيات المختلفة، إن الأصوات التي تنادي بمجتمع متعدد الثقافات (Multi-cultural) ليست بالقليلة، وحتى المنادين بتكامل الأقليات لايبتغون قسر من أتى إليهم كلاجئ سياسي أو مهاجر اقتصادي كي يُجتث من جذوره ويتنكر لتاريخه وثقافته، وأبعد ما يريدونه ممن يسكن بينهم ويجمع ثروة بينهم هو التكامل معهم (integration) وليس التماثل معهم أوالذوبان أو الإنصهار بينهم تماماً (assimilation) ويعنون أن من يسكن في بريطانيا أو أمريكا أو ألمانيا أو فرنسا يفترض أن يتكلم لغة البلد ويحترم قوانينها وألا يكون بجسده وعمله بينهم وأما بتفكيره فلا يفوت الفرصة ـ إن سنحت ـ ليخرب في البلد الذي أواه وتبناه عندما احتاج. لا يوجد في الغرب من ينادي بسياسة مسح ثقافة الأثنيات والأقليات التي تعيش في هذا البلد أو ذاك بل على العكس، فإن مبالغاً لا يستهان بها تصرفها الحكومات والمجالس المحلية لعرض ثقافات الأثنيات والإحتفال بها، هذا الإحياء يحرمه حكم البعث على الكردي المولود في سوريا أباً بعد جد.

لو سألنا أحد المتباكين على سمات الهوية (أو مقومات الشخصية) العربية التي يخشى عليها من الضياع لدار في دوامة صغيرة ومنها يقدم جواباً به الحرص على رمي الكلمات أكثر مما يعتمد الدقة والرقم والتاريخ والوقائع اللازمة لجواب مقنع. فنسمع مثلاً أن العربي شهم، غيور، يغيث الملهوف ويكرم الضيف وذو أخلاق عالية، ثم يضيف أن الغرب يغار منا نحن العرب لأنه لا يمتلك ما نمتلكه من القيم والأخلاق والحضارة والثقافة والتاريخ إلخ. وبعضهم يتفاصح ليقول إن الغرب لا يمتلك قيم ولا أخلاق ولا روحانيات وإن الغربيين يذهبون إلى الهند وآسيا بحثاً عن الروحانيات... من المؤكد أن من يتبجح بتكرار هذه الأقوال ليس بموقع يستوعب فيه (ومنه) أنه من المفترض بمن يمتلك الصفات المذكورة آنفاً أن يتمتع بحصانة وقوة ثقافية وأخلاقية وإنسانية ولا خوف عليه من الضياع أو التلاشي الثقافي عند أول احتكاك بالآخر، فكيف له أن يفكر، مثلاً، أنه عندما تحتك ثقافة بأخرى فإن ذلك لا يعني زوال واحدة منهن حتماً لصالح الأخرى هذا من جهة. ومن جهة أخرى، لا أدري كيف يتكلم هؤلاء بذلك وهم لا يعرفون الغرب حقاً!

مثال وعيِّنتان من القيم العربية السامية:
لا نود الإطالة في سرد المشاهدات العينية عن القيم والأخلاق والتميُّز والنشامة والشهامة والنخوة والمروءة في إغاثة الملهوف ومساعدة المحتاج (التي يتمتع بها المتباكون على العرب والعروبة والإسلام) وإلا فلن ننتهي، بل نريد الوقوف من هذه الصفات تحديداً أمام الكارثة الإنسانية الفظيعة في جنوب شرق آسيا(وهنا أقصد طبعاً من هم في موقع المساعدة)، فقد أثبت تعامل العرب مع هذه الكارثة أنهم أبعد ما يكونوا عن الصفات التي يطلقونها على أنفسهم وأما الغرب ("الخالي من القيم") حكومات وأفراد فتعامل مع هذه الكارثة بمنتهى الإنسانية.
وأما عن القيم والأخلاق على مستوى الفرد والتي يخاف العرب اختراقها أو اضمحلالها إثر الدخول الثقافي الغربي إلى مجتمعاتهم فلا يسعني إلا أن أذكر بعض ما نقله أصدقاء لي من مشاهدات جعلتني أقارن قيمنا ومفاهيمنا وأخلاقنا مع قيم الغرب الذي نخافه. في شارع فرعي بإحدى المدن الأوربية، أمسك عربي بيد ضرير عربي لمساعدته في الوصول إلى منزله وفجأة لمحهم أطفال كانوا يلعبون في المكان المخصص للعب فركضوا باتجاههم وانتظروا إلى أن وصل الضرير والممسك بيده بالقرب من درجة وصرخوا جميعهم بصوت عال: "انتبه يوجد درجة!" فتمتم المبصر للضرير ما به مدح لتربية هؤلاء الأطفال الذين أرادوا التنبيه إلى وجود درجة بالرغم من رؤيتهم لمبصر يمسك بيده. فعلق الضرير قائلاً: "في عمّان كان الأولاد يرشقونني بالحجارة في الشارع، وفي دمشق كانوا يزفونني أينما ذهبت راكضين ورائي مرددين: أعمى..أعمى ..أعمى إلى أن أبتعد" وتابع أنه مرة سمع صوت رجل كبير عند ترداد الأولاد لـ "لازمة" "أعمى أعمى" فرجاه أن يخلصه من الأولاد، ولكن ذلك الناضج قال مبرراً: "ألم تسمع بقول: لا تشوف أعمى إلا وتكسر عصاه فأنت لست أعلم من الرب الذي عماه؟!" لا أدري من أين أتى هذا الرجل بفلسفته حول كسر عصا الأعمى! وأياً كان مصدرها ديني، اجتماعي أم غير ذلك فإنها، في نهاية المطاف، تعبر عن مستوى الوعي الثقافي والإنساني للمجتمع الذي أنتجها وروجها.
حدثني صديق من إحدى قرى اللاذقية أنه في منتصف الثمانينات شاهد أحد شبان قريته البعثيين وقد أوثق ربط حمار كي لا يتمكن البهيم من السير ثم بدأ يطلق من مسدسه على قوائم ذلك الحمار ولما أغاظ ذلك المشهد صديقي الراوي تقدم باتجاه ذلك الشاب وخاطبه بكل أدب راجياً منه ألاّ يفعل ذلك معتقداً أنه سيخجل ويتوقف.. فكانت النتيجة أن شهر البعثي مسدسه في وجه الصديق قائلاً "امشي في طريقك وإلا فرغت المسدس في رأسك وبتروح متل البولة بالحمام لأنك عم تسب وتشتم القائد المفدى الرئيس حافظ الأسد...". فابتعد الصديق خوفاً من إلصاق "تهمة" شتم حافظ الأسد، ولكنه بقي يفكر بالحمار المربوط والشاب يطلق النار على قوائمه. الآن، وبعد حوالي عقدين من الزمن أتذكر ذلك وأقارنه بما أخبرني به صديق آخر عما رآه في إحدى العواصم الأوربية إذ طارت حمامة باتجاه الواجهة الزجاجية لأحد المخازن فارتطمت بها وسقطت على الأرض وطفح الدم من منقارها، ولدى رؤية هذا المشهد تحرك جميع الناس المتواجدين هناك: العاملون في المخزن وزبائن المخزن وكذلك الناس في الشارع ومنهم من عرض أخذ الحمامة بسيارته للمعالجة ولكن العاملين في المخزن قالوا إن عيادة البيطري ليست بعيدة وأخذتها إحدى العاملات راكضة إلى البيطري. هكذا، الشاب البعثي العربي السوري يمارس رياضة الرماية على قوائم الحمار وهو مليء بالأخلاق والخصال الحميدة التي نخاف على ضياعها من وعي وثقاقة من يهرعون لنجدة حمامة جريحة!
ليت المتباكون على الثقافة العربية يعرفون ما تعنيه الثقافة بالفعل وليتهم يُدركون الترابط العضوي بين سلوكهم اليومي وفي أي مجال كان وبين الثقافة. لا أدري كيف نستطيع الادعاء بسمو ثقافتنا ونحن بحاجة لنتعلم الثقافة والإنسانية من أطفال الغرب. هذا مثال على ما تنضح به ثقافتنا: رشق الأعمى بالحجارة وملاحقته بالصراخ "أعمى..أعمى.." وتبرير تعذيبه والتسديد على قوائم الحمار. والمهزلة أن من سدد على الحمار ـ بحسب ما سمعت ـ يتباكى الآن على الهوية العربية خوفاً من الغرب. ولا أستبعد أن يكون من يبرر تعذيب الأعمى (لأن في خلقه أعمى عظة ربانية، حسب زعمه) بين المتباكين على القيم والأخلاق العربية الإسلامية!
الفارق الثقافي والحضاري بيننا وبين الغرب كبير جداً ويحسب، في الواقع، بالقرون. ولو أن ُمطلق الرصاص على قوائم الحمار فعل ذلك في مجتمع غربي لسُجِن بأكثر من جرم ولو أن الأولاد في مجتمع غربي طاردوا الأعمى لوُضِعوا في إصلاحيات ومصحات نفسية. الفرد في الغرب يعرف الإنسانية والأخلاق والقيم ويمارسها دون أن يملأ الدنيا تباهياً بما يمتلك، وعندما يتواجد أفراد أو مجموعات في الغرب يخرجون عن المألوف في سلوكهم دون أن يتسببوا في إيذاء أحد يتعامل الغرب الرسمي، وغير الرسمي، مع الواقع أو الحالة بمنتهى الشفافية، بل وترد بشكل أو بآخر في أخبارهم وتصلنا حتى في سوريا فيجمعها الأستاذ الجامعي محمد توفيق البجيرمي (أبو يعرب) ويقدمها لمن لا يزال يشاهد التلفزيون السوري على أنها "طرائف من العالم" مضيفاً إليها تعليقاته التي تتجاهل ثقافة التفهم واحترام الآخر من المبدأ الغربي الصرف "عش ودع غيرك يعيش" وتركز على جوانب حساسة بمقاييس الذهنية العربية ثم يختم تعليقاته بالتساؤل والحض على الاستهجان مثل "فتخيل يا رعاك الله!" أو "ما رأيكم؟ دام فضلكم" أو"أجارنا الله من كافة الشرور والمعاصي!" وبعكس الغرب، الذي يتعامل مع الأمور بشفافية عالية فإن المفاهيم والسلوك العربية ليست فقط تركز في هذا المضمار على إخفاء أخطاء الذات ونكرانها بل وتبحث عن "أخطاء الآخر" لتبوبها على أرضية الاعتقاد أن التقليل من الآخر يرفع من أهمية الذات، فنسمع في أمثالنا (والأمثال عادة هي "الكنز الثقافي" للشعوب): "إذا كان لنفسك احفر واطمر وأما إذا كان لغيرك فاحكي وكتّر [أو طّبل وزمّر، في بعض المناطق]" [أي يجب على المرء إخفاء ما يتعلق به وإظهار الشيء عندما يتعلق بالغير].
نكرره أن من يزعم بأنه يمتلك إرث ومخزون ثقافي يفترض به ألا يخاف على ما يمتلك من الانقراض بل يفترض أن يطرحه مقابل الثقافات العالمية. والثقافة المبنية على أسس ضعيفة ولم تعد صالحة في يومنا ليس مأسوفاً عليها إن انقرضت أو تلاشت. وما يلزمنا أن نتعلمه بالفعل هو أن البشرية أخذ وعطاء وعندما لا نمتلك شيئاً نقدمه للعالم وينقصنا كل شيء يجب ألا نكابر ونقول لا نريد هذا وذاك، أو نتذرع أن مقومات الشخصية العربية مهددة! وإن كان الأمر كذلك فالذنب يقع علينا لأننا لم نبني المقومات الثقافية والحضارية المتينة للشخصية العربية. علاما نتباكى ونقول إن الأمريكان يستهدفوننا ويستهدفون شخصيتنا وثقافتنا!؟ لقد قتلت مقومات بناء الشخصية العربية، وبناء معالم الثقافة العربية منذ زمن بعيد (وقبل ما يسمى الآن بالحملة الأمريكية لمكافحة الإرهاب بكثير!) قتلت هذه المقومات عندما سجن العربي لرأيه وأبعد ونفي واستبعد، قتلت مقومات بناء الشخصية والثقافة العربيتان حين بات الناس يصطفون بالطوابير أمام السفارات الغربية للخلاص، ُقتلت تلك المقومات عندما ُأجبِر (ولاحقاً فضل) العربي حامل أعلى الشهادات أن يعمل في مجال الخدمات في بلاد الغرب على أن يعمل في المنطقة العربية، لأن العمل في مجال الخدمات في الغرب يشعره بإنسانيته التي يستلبها منه البعث والعروبة وآفات أخرى تستلب جوهر السمات الإنسانية

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط