د. أكرم شلغين / Aug 02, 2005

ترددت أكثر من مرة في الكتابة عما يقوله من يحكم في دمشق لأن وقتي أثمن من أن يضيع في التعليق على أقوال هؤلاء، إلا أن ما نقلته صحيفة الرأي العام الكويتية (بتاريخ 8 أغسطس 2005)  استوقفني لما جاء به على لسان بشار الأسد أثناء حوار اجراه معه فهد الريماوي رئيس تحرير صحيفة «المجد» الأردنية ورأيت أنه لا بد من قول قليل من كلمات على كلمات وريث حافظ الأسد.

من الصحيفة المذكورة نقتبس ما قاله بشار الأسد عن أنه:

يبحث عن «افضل الكفاءات السورية لتسليمها الحقائب الوزارية في الحكومة المقبلة»، مشيراً الى انه «لم يعد في حلقات الحكم العليا السورية وحتى مرتبة الوزير ادنى فساد»، الا انه اكد في المقابل «وجود الفساد في الجهاز» الإداري، قائلاً: «استقدمنا منذ عامين بعثة فرنسية لغايات تطوير وتطهير هذا الجهاز لكنها لم تنجح في مهمتها، والآن نحن بصدد استقدام بعثة ماليزية لهذه الغاية».  انتهى الاقتباس.

 

الكفاءات:

قبل أن نأتي إلى "الكفاءات الوزارية" في نظام الأسد، لا بد وأن نتذكر معاً مصير الكفاءات الحقيقية والمعروفة بوطنيتها وبنظافة يدها، والتي لم ترغب في التوزير أو المناصب، ولم يكن همها يوماً إلا خدمة سوريا! سنرى أن الأسد الابن كافأ هذه "الكفاءات" بالاستبعاد والسجن، بل وفي بعض الحالات ذهب شوطاً أبعد مما كان عليه الأمر أيام أبيه في التعامل مع هذه الكفاءات. وعدم ذكرنا للأمثلة هنا ليس لأننا نفتقر إليها، بل لأن تعدادها والكلام عنها يحتاج لكتابة مجلدات مختصة بها.

 

دع الأسد يقول ما يشاء عن بحثه عن "أفضل الكفاءات لتسليمها الحقائب الوزارية في الحكومة المقبلة"، ودع التاريخ والواقع يتكلمان عن "كفاءات" الوزراء الذين يبحث نظام الأسد عنهم!  دع الأسد يمنح "كفاءات" لوزراء نظامه ودع سوريا تتساءل بأسى عن مصير "كفاءات" أبنائها! هذه هي أبسط التداعيات التي لا بد وأن تخطر للسوري عندما يقرأ كلمات الأسد.  لا نأتي بالجديد عندما نتذكر أن مدرسة نظام الأسد، وعلى مدى العقود، خصصت معايير معينة لإسناد الوزارات والحقائب (بل والوظائف مهما كبرت أو صغرت ومهما كانت طبيعتها).  فأول الشروط التي يجب أن تتوفر للوزير في نظام الأسد هي أن يفهم أنه لم يصل إلى موقعه بسبب كفاءته، إنما لأنه ارتضى أن يلعب دوراً مطلوباً منه أن يلعبه. كذلك عليه ان يدرك بأنه ليس وزيرا صاحب قرار إنما وزيراً مصغياً بكل طاعة وخنوع لأجهزة الأمن.

 

وصول شخص ما إلى منصب وزير لا يعني استحقاقه للمنصب، إنما مجرد لفتة كريمة من سيد النظام لغاية "تنفيعه"، وهكذا فإن عليه بالتالي أن يدرك أنه ليس في موقعه ليخدم بلداًً، بل ليخدم نظاماً. إنه ليس وزيراً في سوريا، بل في نظام الأسد ورموزه ومحسوبياته، وهذا يعني أنه ربما يتطلب من الوزراء ومعاونيهم إضافة عبارة توضيحية - بألوان مختلفة - إلى جانب تواقيعهم على اية وثيقة او أمرٍ إداري، تقول: "علماً أن ذلك يخالف الأنظمة والقوانين"!.. لعلّ هذه العبارة تخفف عنهم المسؤولية عندما يأتي وقت الحساب في المستقبل.

 

من ناحية اخرى، غالباً ما تلبس هذه الشروط التوزيرية في نظام الأسد لمن يبدون من حيث الشكل وكأنهم يمثلون فئة ما أو طائفة أو أقلية أثنية أو عشيرة ما، وذلك ليحلو لحثالة المخابرات أن تروج لدى أصحاب الذهنيات المسطحة عن "المراعاة" في توزيع المناصب في سوريا.

 

بالطبع عندما نتكلم عن المواصفات العامة للوزير السوري فإننا نقصد ذلك الصنف الذي تنطبق عليه تسمية "وزير عرضي" أو كما يُطلق عليهم في النكات التي تصدر عن المخابرات "وزير خُلّبي."  ومعروف أن بين هذا الصنف من الوزراء من يفرح بدوره ويلعبه تماماً كما تريد أجهزة الأمن، وبنفس الوقت يستغل منصبه ويتعامل بالرشوة والفساد ليس فقط أمام أنظار الأجهزة التي أتت به بل أيضاً وبتسهيلاتها. وحكمة الأجهزة في التغاضي عن الوزير السارق والمرتشي (والذي لا ينتمي إلى العائلة المالكة) هي تدوين ذلك في سجله لاستخدامها ضده عند "الضرورة،" أي عندما تقرر الأجهزة إزاحة الوزير لسبب أو لآخر آنذاك تشهر سجله في وجهه أو تلمح به كي يتقبل إزاحته بصمت، وإلا فسيتهم أو يسجن أو "يُنحر." ولا يخلو الأمر أن يكون بين الوزراء من يشذ عن القاعدة ويريد التصرف معتقداً أنه "وزير" بالفعل وليس فقط بالقول، أو من يريد أن يتصرف وفقاً لما تمليه عليه وطنيته، وهذا لا يخلو أيضاً من التجريم، والمثال الواضح لهذه الفئة النادرة هو الزعيم.

 

الصنف الآخر من الوزراء هو "الوزير المزمن" مثل وزير الدفاع مصطفى طلاس، الذي يستحق أن يطالب موسوعة غينيس بإدراج اسمه بها كونه ضرب كل الأرقام القياسية في العالم من حيث طول المدة التي شغل (ويشغل) بها وزارة الدفاع؛ ومثله في "الإزمان" وزير الخارجية الشرع.  أما الوزير طلاس فقد أزمن في منصبه لأنه – إذا استثنينا حافظ الأسد- يكون البطل الوطني القومي الجريء الجسور المقدام الفذ الأبي الشامخ العروبوي باني الجيش السوري وصانع بطولاته إلخ... وكيف لا وهو وزير الدفاع الشهير الذي انتشى بانتصارات الجيش الذي بناه (برفقة حافظ الأسد) فراح ينظّر عن الحروب وهو يستحم ويتشمس، وراح يشدو شعراً و"تراتيلاً" عندما حوصرت بيروت، وتكلم عن "محاصرة" جمال جورجينا رزق له وعن "استعداد[ه] لرفع الأعلام التي تشتهي، وتسليم القلاع التي تريد، وبالطبع بلا شروط.." وإن يقول قائل من حسن الحظ أن تلك الجميلة كانت جورجينا رزق أم علي سلامة ليس غيرها، فسيسأل سوري آخر وهل الحال الذي وصل إليه الجيش السوري الذي رعاه، ويرعاه، طلاس هو على ما هو عليه لأن وزير الدفاع المذكور قابل "جميلات" أخريات من دول أخرى لم يكتب عنهن!؟ هل هي إلا "الكفاءة" تلك التي جعلت طلاس يزمن في وزارة الدفاع!؟ ومع اختلاف مسلك وسمعة الوزير طلاس عن نظيرتها لدى الوزير الآخر الشرع، فإن ما يجمعهما  يتلخص في "المهارة" و"الحذاقة" و"الذكاء" فحين يصرح الشرع أن القرار 1559 لايتعلق بسوريا ألا يثبت أنه يستحق وبامتياز لقب "شيخ الدبلوماسية السورية"!؟

  

وعن الفساد الإداري في سوريا، نلخص بكلمات مقتضبة أنه انطلاقاً من أن نظام الأسد لم يتمتع يوماً بشعبية أو بتأييد، فقد اجتهد، وبكافة السبل، للعب على كل شيء من أجل استمراريته. فعندما كان النظام يشجع على السرقة والرشوة والفساد فإنما كان يبغي إيصال هؤلاء إلى الحد الذي يشعرون به أن الفائدة التي يجنونها ستنقطع بزوال هذا النظام ولهذا عليهم حمايته، فالقاضي الذي يرتشي (بقطعة أرض مساحتها 12 دونم) مقابل بيع ضميره والخيانة لأمانة وظيفته، لن يدعو للسلطان بطول العمر فحسب، بل وسيحارب بسيفه. وكذلك، وعلى سبيل المثال لا الحصر، الأستاذ الجامعي الذي يقبض من طلابه جهاراً نهاراً الآلاف لقاء النجاح بمادته، سيغني "ياحافظ تحفظ حافظ". ومن يطلب عشرات الآلاف لقاء توقيع على معاملة سيغني "شعبي عارف مين اختار شعبي اختارك يابشار."  من مهازل التاريخ أن المرتشي يعطى المناصب ويرقى وظيفياً مادام ينحني وبإذلال كما تريد المخابرات، وأما من لا يمشي في اللعبة فيُحارب ويستبعد، والأمثلة كثيرة.         

 

هل نستطيع أن نتكلم عن الفساد الإداري دون أن نتكلم عن فساد "العائلة المالكة" وحواشيها وزبانيتها في سوريا؟  كيف لنا أن ننسى أو نتناسى مافعله هؤلاء وما اغتصبوا من سوريا وباسم سوريا!؟  فهؤلاء يعتبرون أن كل سوريا وعائداتها ملك خاص لهم ويتصرفون على هذا الأساس.  كم يحز في أنفسنا نحن عندما نقارن كيف يعيش بقية البشر وكيف نعيش نحن!  من مهازل التاريخ أننا نعيش في زمن يتعامل النظام السوري مع السوريين بهذا الشكل في الوقت الذي نرى فيه "كيف تسير الدنيا" في البلدان الراقية والمتحضرة؛ هل نستطيع أن نقارن ما يفعله ابن خال بشار الأسد في سوريا بما يجري في العالم؟ بالطبع لا! ما رأي هؤلاء بما حصل عندما طالبت رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارغريت ثاتشر خلفها جون ميجر، بأن ينزع العقد من عنق زوجته، ويعيده إلى خزينة الدولة لأن الهدية (العقد) من الشيخ العربي جاءت عندما كان جون ميجر رئيساً للوزراء، وبالتالي فالهدية ملك للدولة؟  هل يعرف هؤلاء أن للمستشار الألماني غيرهارد شرودر أخاً "عاطلاً عن العمل" ويُعامل بالضبط كأي مواطن آخر يحصل على المساعدة الاجتماعية ليعيش، دون أن يحاول المستشار التدخل من أجل أخيه ولا الأخ يستغل منصب أخيه المستشار ليحصل على عمل؟ بماذا يعلق هؤلاء على خبر مفاده أن البوليس الأمريكي أوقف ابنة جورج دبليو بوش لأنها ابتاعت الكحول قبل أن تبلغ السن القانونية وأن أقوى رجل في العالم لا يستطيع  - ولا يريد أصلاً- تجنيب ابنته للقانون؟  هل يتعلم هؤلاء؟

 

قبل أن أصل إلى خاتمة تعليقي أود سرد الحادثة التالية التي حصلت لزميلة لي في الدراسة عندما كنا نُعد لرسالة الماجستير في المسرح في جامعة إسكس في بريطانيا حيث رسبت امتحانها وفُصلت من الجامعة.  فقد اختارت تلك الزميلة ممثلاً ليؤدي دوراً في مسرحية كانت تقوم بإخراجها كجزء من الامتحان النهائي، وأثناء تقديم المسرحية على خشبة المسرح وبحضور الجمهور نسي الممثل دوره في النص الحواري ولم ينفع معه التلقين، الأمر الذي دفع بالممتحن الداخلي والخارجي لإيقاف العرض وإعلام تلك الزميلة بنيجتها (الراسبة) لأنها أخطأت في اختيار الممثلcasting mistake) )، ولم تفلح مساعيها في الحصول على فرصة أخرى بل كان الجواب بأن: هناك من خسر وقتاً والوقت له قيمة، وهناك من خسر نقوداً واشترى تذكرة... ربما يمكن تعويض ثمن التذاكر ولكن ما لا يعوض هو الوقت. 

 

تخطرني هذه الحادثة بما فيها من دروس عن الخطأ في إسناد الدور (casting mistake) وقيمة الوقت وأنا أفكر بكلمات الأسد القديمة الجديدة عن تبديل الطاقم الوزاري.  فقد انتهج نظام الأسد على مدى العقود سياسة إرجاع أسباب الفشل فيما يحصل إلى الطاقم التنفيذي، وليس إلى من عيَّن الطاقم في مكانه.  اعتاد نظام الأسد أن يعدنا ويعدنا إلى ما لا نهاية ودون احترام لوقتنا ولعقولنا!  اعتاد نظام الأسد أن يقول أن ما يجري في سوريا هو بفعل الطاقم المقصّر دون أن يقول لماذا اختار أساساً هذا الطاقم! ودون أن يوضح أن التعيين في المكان يتم على أساس أن المنفذ يعمل من أجل عائلة وليس من أجل وطن. اعتاد النظام أن يبحث عن أكباش فداء ليلصق بهم فشله.  هل يتعلم هؤلاء من رئيس الوزراء الياباني الأسبق الذي وقف يبكي من على شاشة التلفاز ويطلب الصفح من شعبه بسبب التراجع الاقتصادي (والذي لم يكن حينها مقتصراً على اليابان وحدها بل كان يشمل النمور الآسيوية السبعة)، بل وبعد فترة قصيرة جداً مات بجلطة دماغية (ليتكم تقلدونه في كل شيء).

الأسد الأب والابن ليسا إلا أخطاء بحق سوريا وكوارث وفواجع لسوريا وشعبها ومع ذلك لا يوجد من يقول لهم  لماذا أنتم في هذه المواقع؟ أو لماذا تريدون منا أن نحيد بصرنا عن حقيقة أنكم فاشلون ولا يحق لكم البقاء في أماكنكم والتي "سلبطتم" عليها أساساً وبغير حق؟ لماذا لا يوجد من يستطيع محاسبة هذا النظام على ما دفعناه من أموالنا ومن وقتنا ومن أعمارنا؟ 

ألا يكفينا ما لحق بنا من خسائر بسبب وجودهم في مواقع الحكم؟

 

أما ما يقوله بشار الأسد من أنه استقدم "منذ عامين بعثة فرنسية لغايات تطوير وتطهير هذا الجهاز[الإداري] لكنها لم تنجح في مهمتها، والآن [هو] بصدد استقدام بعثة ماليزية لهذه الغاية» فنقول له ما معناه أنه لو استقدم بعثات من عند "الست ريما في بلد الشيما" وعلى "بساط الريح" ومع تلك البعثات "خاتم شبيك لبيك" فستكون النتيجة دائماً نفسها لأن الخط الأعوج من التور الكبير.

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط