د. أكرم شلغين / Mar 05, 2004

مع قدوم 8 آذار، ذكرى انقلاب البعث في سورية، نكرر ما قلناه ونقوله: إن أكبر كارثة سياسية، اجتماعية، اقتصادية وإنسانية لسورية هي اغتصاب حزب البعث للسلطة وسيطرته على البلاد. أن نحكي في عموميات ما أُطنبت به كافة مظاهر الحياة في سورية من قمع وقهر وإذلال و تناقض وخصوصية فإننا نعجز عن أن نورد أكثر من ربع الحقيقة، وأن لا نحكي أبداً فإننا كمن يجترع السم بدلاً من أن يشرب الماء. أن يغيب كلامنا، نحن أبناء سورية، عن واقعنا ومصالحنا وآلامنا وآمالنا فإننا بذلك نخلي المنبر ليتكلم عنا وباسمنا من لا يمثلنا، ليتكلم عنا وعن واقعنا من يشوه الحقائق منطلقاً مما تمليه مصالحه.

تذكير صغير لا بد منه عند استخدامنا لكلمة بعثي وهو أننا في سوريا نميز بين البعثي الذي أُجبر على تسجيل اسمه في حزب البعث تحت ضغوط معينة وخوفاً من الحرمان من لقمة العيش والبعثي الذي يمارس دوره الحقيقي كمخبر ومؤذ وقاتل، نميز بين من حمل اسم البعثي وبقي بجوهره وبممارساته سورياً وإنسانياً وبين البعثي الذي تقدم مجموعة المخابرات متلثماً لإقتحام بيوت الناس ليختطف الأب من بين أطفاله ليلة رأس السنة، بين ذلك البعثي الذي خبأ مطلوباً وبين ذلك البعثي الذي لم يتردد في قتل الأبرياء بالدم البارد.
عندما نذكر البعثي والبعث فإننا نتكلم عن جسم غريب ذات طبيعة قمعية احتل سورية و حولها إلى ما هو أشبه بجزيرة نائية مغلقة يمتلكها ويمتلك سكانها عدد من العسكر يفرضون فيها وعليها ما يريدون ويزرعونها رعباً وهلعاً دون أن يتمكن سكان هذه الجزيرة من الإحتجاج أو حماية أنفسهم عند الضرورة وكذلك دون رقيب أو حسيب دولي. هذه هي الصورة العريضة، أما التوقف عند تفاصيل الصورة فيتطلب تسليط الضوء على مختلف ميادين الحياة الإجتماعية السياسية والإقتصادية، على كل ما حصل ويحصل على أرض سورية من قتل وقمع وتنكيل، على السارق والمسروق، على الحاكم والمحكوم، على كل من ابتلّت يداه بعد قلبه بدم ودموع أبناء وبنات سورية. لن نخوض في تفاصيل من هذا النوع هنا لقناعتنا أننا لن نعط الموضوع حقه بل سنغرقه في التبسيط ولهذا نترك ذلك للمختصين وللمستقبل والتاريخ.

لا للبعث في ذكرى انقلاب البعث. عبارة قالها أهل سورية بالفم العريض وعلى الدوام وأخص هنا بالتذكير بما عبر الناس عنه سلمياً من أننا في سورية لا نريد حكم البعث ولا حكم الأسد، عندما خرج الناس في معظم أرجاء سورية إلى الشوارع في ذكرى مصادرة البعث للسلطة والبلد وتجمع الناس بأعداد كبيرة جداً بتاريخ 8 آذار من عام 1979 وأكبر هذه التجمعات كان في حلب، فأنزل النظام آلته العسكرية إلى الشوارع وقتل من قتل وسجن من سجن وأخفى من أخفى. في مساء ذلك اليوم بالضبط، والدماء طرية في شوارع حلب ظهر حافظ الأسد على شاشة التلفزيون وقال لو أن هناك مواطناً واحداً في سورية تزعزعت ثقته بنا أو لا يوافق علينا << لتركت الحكم... وإن جلسة عندي بين سنابل القمح في قريتي تعادل كل كراسي الحكم... >>. أما نحن السوريون فسألنا أنفسنا في حينها ترى هل يعرف العالم الخارجي كيف يصنف هذا الكلام؟ هل يعرف العالم ماذا حصل اليوم تماماً في حلب على الأقل!؟ وكيف ستكون ردات الفعل على التناقض في خطاب الأسد حين يتابع حديثه مستغرباً الفرق بين من يتظاهر في شوارع حلب وبين أهل حلب الذين يعرفهم هو (أي الأسد) والذين نحروا له الجمال وذبحوا له الخراف، كما قال! ألا يعرف العالم الخارجي أن المتظاهرين هم أبناء سوريا و حلب ولم نأت بهم من نيكاراغوا ليتظاهروا ضد حكم البعث والأسد؟ وأن من ذبح الخراف إما أن يكون من أزلام السلطة وإما من تصرف بعفوية دون أن يعرف الأسد، والإنسان العادي الذي فعل ذلك كان يعبر لا عن حبه بالأسد بل عن فرحه بالخلاص من <<البعث السابق>> دون أن يعرف الوجه الحقيقي للبعث اللاحق.
ما يقع علينا ونعيشه في سورية هو أمر و ما يقوله نظام البعث الحاكم برموزه وآلاته الإعلامية عن الحياة في سورية ومايصدره من أرقام هو أمر آخر. شعارات البعث في واد
وممارساته تصب في واد آخر. يطلق النظام شعاراته في الحرية في حين يختنق الفرد والمجتمع من مصادرة الحريات العامة وتحويل سورية إلى سجن كبيريمارس فيه التعذيب والقتل و تنتهك فيه الحقوق. يتكلم أرباب النظام عن الإشتراكية والمساواة والعدالة الإجتماعية وحساباتهم الخاصة في المصارف العالمية تفوق الخيال في حين أن ما لا يقل عن 60% من الشعب السوري يعيش تحت خط الفقر، وفي الواقع، يوجد في سورية أسر كثيرة يأكل أفرادها بالتناوب، هذا إن لم نعرج على مسائل الطبابة والدواء، والتدهور العام في أحوال الفرد والمجتمع و انخفاض معدل عمر الفرد إلخ. ناهيك عن الرشوة والفساد وسرقة الأموال العامة التي يمارسها، يشرف عليها، ويحميها النظام وأزلامه.

في العرف البعثي أصبحت السرقة بطولة، والجريمة بطولة، والهزيمة انتصار و حب الوطن خيانة تستحق السجن. في ظل الحكم البعثي ضاع الوطن وضعنا. من كان طفلاً عند مجيء البعث، أوعند قفز هذا التشكيل البعثي الحالي إلى السلطة، أصبح في متوسط عمره وهو لا يعرف ولا يسمع ولا يتخيل إلا نفس الأسماء: الأسد، طلاس، خدام ومن في أفلاكهم. من كان شاباً منتشياً بالشعارات الحماسية والروح الوطنية والإنسانية شابَ مراوحاً في مكانه، متسمراً أمام الراديو أو التلفزيون منتظراً خبر <<زودة المعاش>>، وهناك أمام أكشاك توزيع ربطات الخبز، أمام باب مركز توزيع المؤسسة الإستهلاكية و للحصول على بضع حبات من البندورة أو التفاح أو البرتقال، من أجل حفنة من الرز والسكر والشاي تكسرت شعاراته في الحرية والديمقراطية وفي النهضة والإشتراكية وبات نضاله مختزلاً إلى الإنتظار ليحصل على علبة سمن يحملها عائداً متباهياً بما حققه؛ هناك، تكسرت شعاراته الكبرى العامة أمام حاجياته الصغرى الخاصة ليستمر في العيش، ليس أكثر.

نعيش أجواء القهر والفقر والظلم والظلام دون أن يلوح في الأفق ما يبعث على الإعتقاد أن اليوم الذي سنرى به النور جلياً لقريب. نتسمر في أماكننا كمن ينتظر مترقباً وطال به الإنتظار حتى ابتعدت عنه معاني ومفاهيم الزمان والمكان و نسي غايته أو من أ و ماذا ينتظر فبات الإنتظار بحد ذاته هدفاً، وغدا ما يساعد على الإستمرار في الإنتظار إنجازاً. نعم، هذه هي مأساتنا. في ظل حكم البعث، وبفقاعة أشد، منذ ما ينوف على الثلاثة عقود، ابتعدنا عن كبرى غاياتنا وتطلعاتنا إلى بناء وطن نكبر به ويكبر بنا وتقلصت طموحاتنا فقط إلى أن نعيش. هذه هي إنجازات البعث وسلطته. هذا هو البعث يقتل فينا حب الوطن ومفهوم الوطن؛ هذا هو البعث يجبر شبابنا على الإنتظار أمام سفارات العالم للخلاص؛ هذا هو البعث يقتل أبناء وبنات سورية: يقتل عطاء الشباب ويقتل بسمة الأطفال؛ هذا هو البعث يسرقنا وينهب ثروات بلادنا ويكدسها في خزائن وحسابات عوائله ورموزه: الأسد وطلاس وخدام ومخلوف وشاليش وحواشيهم. هذا هو البعث: غريب عنا ولم يشرفنا يوماً أنه حل بيننا وعلى أرضنا، نحن أبناء سورية، لم نأت به، ولن نرتاح حتى نتخلص منه ومن سلطته وتعود أرض سورية أرض خير ومحبة وعطاء، وتعود سورية لكل السوريين، وفي 17 نيسان لن نحتفل بعيد الجلاء إلا بعد أن يرحل أو ُيَرحل: الإستعمار البعثي وأجهزته وما ومن يتبعه ومن يشاركه في الجريمة.

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط