محمود كرم / Dec 19, 2005

متى تستطيع بعض أنظمة الحكم العربية الخروج من شرنقة الانتماء (القومي) والذي كان السبب في الكثير من النكسات التي أصابت العرب منذ منتصف القرن الماضي..

فلا زالت تلك الأنظمة تجذر في وجدان المواطن العربي الأحلام القومية والأمجاد العروبية على الرغم من إنها تبددت ولم تستطع أن تتحول إلى واقع .

ولا زالت تطلب تلك الأنظمة من الفرد أن يذوب في ما يسمى الكيان القومي الموحد أي الأمة العربية الواحدة عبر جملة من الشعارات والأدبيات ذات المفاهيم الشوفينية المتعصبة وأن يكون انتماءه إلى هذه النظرية إيماناً كاملاً بجدواها على صعيد التطبيق وفي المقابل فشلت في تعميق وتجذير وتأسيس حالة الانتماء الوطني الكامل للدولة الوطن في وجدان المواطن..

حالة الوطنية تعني انتماء الفرد الكامل للوطن القائم الحقيقي وليس لأمة عربية واحدة لا وجود لها إلا في الخيالات والأحلام والنظريات .

هذه الحالة الوطنية تعني أن للفرد هوية وطنية كاملة محددة تضم كل تاريخه الثقافي والحضاري والذي ساهم في تأسيسه مجمل الطيف السياسي والعرقي والديني في وطنه ومجتمعه عبر مراحل تاريخية متعاقبة وتنعكس هذه الحالة في هويته الوطنية وإذا ما انعكست أيضاً وبالضرورة في نظامه السياسي وقوانينه الدستورية فإن هذه الحالة قادرة على خلق مناخات الحرية الفكرية والسياسية والديموقراطية في مجتمعه ووطنه ويصبح للأقليات الدينية والعرقية دوراً فعالاً في مسيرة الوطن لأنها في هذه الحالة الوطنية الطبيعية تتساوى الأقليات في حقوقها الوطنية وواجباتها مع مختلف الاتجاهات الأخرى التي لها طابع الأغلبية..

لذلك نجد في الدول ذات النظام الديموقراطي القائم على أسس الحريات وثقافة المجتمع المدني واحترام حقوق المواطن بغض النظر عن انتماءاته الدينية أو العرقية نجدها دولاً ناجحة ويرتبط أفرادها فيما بينهم بعلاقات طبيعية ويتساوون أمام القانون وتتجذر في أعماقهم الحالة الوطنية العميقة التي تنسجم مع الواقع وروح الدولة ومفاهيم الوطنية..

وربما من أكثر التبريرات السخيفة التي روجت لها بعض الأنظمة العربية لترسيخ الفكر القومي والعروبي في عقلية المواطن هي مسألة ( الأمن القومي ) والذي أصبح في مفهوم المواطن مرتبطاً بأمن الأمة العربية وليس أمن الدولة التي ينتمي لها وطبعاً لابد وأن يؤمن المواطن إيماناً لا يتزعزع بأن الأخطار التي تحدق به وبدولته ووطنه وبالأمة العربية (الواحدة) هي المخططات (الامبرالية والصهيونية) وتستطيع هذه الأسباب التي سايرت عقلية المواطن العربي أكثر من نصف قرن أن تكون سبباً لأيمانه بمفهوم الأمن القومي ولتذهب بالتالي كل المشاريع التي من شأنها أن ترفع من مستوى الاصلاحات السياسية والاقتصادية إلى الحجيم ما دامت تعترض الأمن القومي..

ولذلك ليس هناكَ ما يحرك مجتمعاتنا العربية سوى أن هناك خططاً امبريالية وصهوينية تريد شراً بأمتنا العربية وتستهدف وحدتها وهي على أتم الاستعداد بالخروج بمظاهرة مليونية في كل يوم للتنديد بإسرائيل وأمريكا ولكنها في ذات الوقت لا تريد أن تفهم أن تدعيم ركائز الأمن القومي يأتي من خلال الديموقراطية والحريات والمواطنة الحقة وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات وهذه المرتكزات هي الدعامة الحقيقية للأمن القومي..

وفي حالة لبنان على سبيل المثال نجد أن تنظيمات حزب الله وأمل ذهبت إلى ترديد مقولة (الوصاية الدولية) والتركيز على إنها تستهدف أمن لبنان والأمة العربية عندما طالبت التوجهات الوطنية هناك بضرورة التحقيق الدولي في الاغتيالات والأعمال الإرهابية التي طالت رموز لبنان بينما في حقيقة الأمر أن اللجوء إلى الشرعية الدولية للنظر إلى الواقع الذي وصل إليه لبنان أمراً في غاية الواقعية والضرورة وخاصةً في ظل الأوضاع الأمنية المتردية التي تعصف بلبنان حالياً وكلنا يتذكر أن ما يردده العرب اليوم في لبنان عن الوصاية الدولية تردد أيضاً أثناء حرب تحرير الكويت وكذلك تردد بقوة وكثافة أثناء حرب تحرير العراق..

وتبعاً لمفهوم الأمن القومي الذي تتمترس خلفه الأنظمة العربية المهترئة كمبرر لتعطيل الحياة الديموقراطية وتسويف الاصلاحات السياسية والإقتصادية ارتبطت حالة الأحكام العرفية بمسألة الأمن القومي ارتباطاً وثيقاً ولاذت بها بعض الأنظمة العربية لترسيخ دعائم الأمن القومي وحماية الأمة العربية الواحدة من الأخطار والمخططات الاستعمارية وترافقت حالة الأحكام العرفية مع عقلية المواطن العربي ردحاً من الزمن وأصبح يؤمن بها على إنها واحدة من المرتكزات الأساسية في مسألة الأمن القومي..!!

وفي بعض بلداننا العربية ما تزال الأحكام العرفية سارية المفعول والمضحك في الأمر أن بعض الدول العربية (الثورية) التي حدثت فيها انقلابات عسكرية منذ أكثر من نصف قرن لا تزال تحت بند الأحكام العرفية لمبررات سخيفة أكثرها سخفاً حماية الأمن القومي..

لذلك فشعوبنا التي تشربت لسنين طويلة بنود الأحكام العرفية وتعايشت معها ورافقتها منذ سنين الطفولة تحتاج إلى نفس تلك الفترة الزمنية ربما لهضم مفاهيم الحريات والديموقراطية وحقوق الأقليات وثقافة المجتمع المدني وهضم مفهوم المواطنة كحالة وطنية خالصة بعيداً عن شعارات واكراهات وأيديولوجيات الفكر القومي فضلاًعن ممارستها فعلياً وعملياً..

ومن المفارقات التي تبعث على التساؤل أنه حدث مرة في مدينة مونتريال في كندا التي يقطنها حوالي خمسة ملايين نسمة أن توقفت فيها ثلاث محطات كهربائية عن العمل وكان ذلك في شتاء عام 1998..

مما جعل الحكومة الكندية تتدخل على وجه السرعة لتأمين الملاجيء لآلاف الناس واستنفر الجيش للمساعدة في تفريغ البيوت من ساكنيها وكان أن أعلنت الحكومة الأحكام العرفية لمدة ثلاثة أيام..

وسارع رئيس الحكومة بإفهام سكان المدينة العملاقة طبيعة (الأحكام العرفية) ومبرراتها الضرورية .

ليس الشاهد من هذه الحادثة مدى استعداد الحكومة الكندية لمثل هذه الحوادث الفجائية..

إنما الشاهد من هذه الحكاية أن المواطنين الكنديين أصابهم (الذعر) من شيء جديد يقتحم حياتهم اسمه الأحكام العرفية فلم يسمعوا بها من قبل تجتاح حياتهم ولم يألفوا شيئاًمن هذا القبيل من قبل..

فهل سيتساءل المواطن العربي بعد كل سنوات الخراب والتدهور التي رافقها ورافقته إلى متى ستستمر الأنظمة العربية والتوجهات الراديكالية القومية والدينية في الترويج لخرافة القومية العربية والأمن القومي..

tloo1@hotmail.com

 

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط