د. أكرم شلغين / Mar 27, 2004

قبيل منتصف العقد الأول من حكم حافظ الأسد تعمدت فروع المخابرات السورية الترويج لأقاويل تمجد بـ"القائد" وسياسته وتطلعاته وترفّعه عن مسؤولية التدهور السياسي والاقتصادي في البلد، من هذه الأقاويل كنا، على سبيل المثال، نسمع : "كان الله في عون السيد الرئيس الذي يحمل هموم البلد الداخلية والخارجية على أكتافه"؛ "السيد الرئيس صاحب أفكار ومشاريع ستنهض بالبلد ـ فيما لو ُطبّقت ـ إلى مصاف الدول المتقدمة ولكن المشكلة تكمن في من يأتمنهم السيد الرئيس على تنفيذ أمانته في الداخل بينما هو مشغول بالمعارك على الجبهات السياسية الخارجية لحماية البلد من الأطماع الصهيونية والإمبريالية... ". هكذا، ولأسباب ـ لسنا بصدد البحث فيها هناـ أرادت أجهزة الأمن السورية أن ينأى بإسم الرئيس عن التردي العام في أحوال الفرد والمجتمع في داخل سورية ويلقى باللوم على من يعينوا في هذا المنصب أو ذاك. فكرة مدح اسم الرئيس أو الادعاء بالولاء له لجأ إليها البعض من السوريين كوسيلة تمنحهم شيئاً من الحصانة ضد خطر الملاحقة و السجن فيما لو أرادوا الكلام بالحد الأدنى عما يؤرقهم سياسياً، اقتصادياً، اجتماعياً وإنسانياً، ولهذا كان البعض يستهل كلامه بتمجيد اسم "الرئيس" أو التلميح بالإخلاص للقائد وبعدها يصل المتحدث، على سبيل المثال، إلى الكلام عن مشكلة انقطاع الكهرباء. ولأن أجهزة القمع لم تتغير وما زالت تعمل بنفس المعايير ـ والآليات ـ القديمة، استمر البعض في اللجوء التكتيكي إلى هذا النمط من الخطاب البلاغي rhetoric) (حتى يومنا هذا، وبالطبع دون أن يصدق قلب المرء ما يأتي به على لسانه.

مع توريث الرئاسة للأسد الابن ( وتنصيبه)، اجتهدت الأجهزة السلطوية في إعادة إنتاج وتسويق فكرة "الرئيس ذو المشاريع الإصلاحية" والذي لا يجد من يتعاون معه في الإصلاح والتحديث. البعض من المثقفين السوريين ـ وكل لسببه الخاص ـ أراد تصديق فبركة وجود تشعب اتجاهات في السلطة بين حرس قديم محافظ وحرس جديد إصلاحي. الجماهير السورية وبحسها النقي عرفت آفاق السلطة في الكلام عن التحديث والإصلاح، بل ووجدت في مغامرة مجموعة من المثقفين بالإنجرار وراء أقاويل السلطة والبناء عليها كمن يمد لسانه ليلعق الحلو عن حد السكين القاطع. من الأسماء التي بتنا نسمعها في السنوات الأخيرة أكثر من ذي قبل هو اسم الأستاذ ميشيل كيلو. وبالنسبة لي، ارتبط اسم ميشيل كيلو تاريخياً ببعض النقاط العلامة أذكر منها اثنتان: الأولى هي تلك المداخلة التي قدمها عام 79 في ما عرف آنذاك بلجنة تطوير الجبهة الوطنية التقدمية والتي جعلت اسم ميشيل كيلو معروفاً إذ تكلم حينها بطلاقة وبكل حدة متبنياً "مشاكل" الناس في ظل النظام الحاكم. النقطة الثانية هي اعتقال ميشيل كيلو من قبل النظام السوري لمدة تقارب السنتين. باختصار شديد، معرفتي بمسائل تستحق التقدير في تاريخ ميشيل كيلو كانت تجعلني أميل إلى محاولة إيجاد مبررات لما يكتبه أويقوله هنا وهناك في الآونة الأخيرة، أو ـ بالأحرى ـ كنت أوهم نفسي أن الاتجاه الذي يجب تقصيه ورؤيته في كتابات كيلو يمكن أن ينم عن المعارضة لا الاحتواء (إذا ما أخذنا بالطبيعة الديالكتيكية لمعادلة الهدم والإحتواء ـ subversion/containment  ) وبعبارة أو بأخرى، كنت أحاول أن أضع ما أراه في اتجاه ميشيل كيلو من مغازلة لتوجهات "الإصلاح" لدى بشار الأسد ضمن إطار التحصين الشخصي الذي تكلمنا عنه آنفاً، أي مدح الرئيس لتأمن من الإعتقال. ولكن، في الأيام الماضية، وبعد رؤيتي لجهود كيلو في "إصلاح البعث" من خلال المقالة ثنائية الحلقات التي نشرها في إحدى النشرات الإلكترونية وتبعها ظهوره بقناة الجزيرة في برنامج "الاتجاه المعاكس" مع رياض نعسان آغا وكذلك ظهوره مع الوزير السابق جورج صدقني في برنامج مسجل على القناة الفضائية السورية وما تخلل تلك الإطلالات لم يعد هناك أدنى مجال للشك أن ميشيل كيلو يتبنى حقاً مقولة أن الرئيس السوري حامل لواء الإصلاح ويجب دعمه.

بعد هذه المقدمة لا بد من التوضيح أنني لا أجيز لنفسي التدخل بالموقف السياسي لميشيل كيلو والتبدل الواضح عن خطه السياسي المعارض فهذا أمر شخصي يعود له ويتعلق به دون غيره. أما وقد قُدّم ميشيل كيلو في برنامج الجزيرة على أنه "ناشط في لجان إحياء المجتمع المدني" وأنا لا أرى نفسي غريباً على لجان إحياء المجتمع المدني بفكرها الجريء الواضح واللامهادن من خلال بياناتها ومن خلال ما طرحه عارف دليلة وعبد الرزاق عيد وغيرهم..؛ وقدم على أنه "مفكر" وهنا لي ولغيري من السوريين الحق في أن نتوقف لنسائله ولا ندع ما يقوله يمر اعتيادياً خاصة أنه لم يكتسب هذا اللقب لإ نتاجه الفكري المتميز ومساهماته المتميزة في هذا المجال أو ذاك من العلوم الإنسانية بل لمحض كلامه عن قضايا تتعلق حصراً بسورية؛ وفوق كل شيء قدم بما يفترض أنه يمثل "الاتجاه المعاكس" أو "المعارض" لللاتجاه السلطوي ممثلاً بسفير النظام السوري في عُمان، لمجموع هذه الإعتبارات ومضيفاً عليها استخدام ميشيل كيلو طيلة الوقت لضمير" نحن" بدلاً من "أنا"، بات لزاماً علي وعلى غيري أن نتدخل عندما لا يحدد من هم أولئك الـ"نحن" أولاً وثانياً لـ"أننا" ـ كسوريين، وكمعارضة، وكمثقفين لانسمح بأن يمثلنا إلا من يعبر عن هموم الشعب ولسان حاله. انطلاقاً من هذه الإعتبارات لنا الحق بالتدخل ليس فقط بما قاله كيلو بل أيضاً بما قيل في حضوره من قبل نعسان آغا ممثل النظام السوري دون أن يرد عليه. وهنا أوضح أيضاً أنني لا أريد التوقف عند الكلمات واحدة بعد الأخرى وعند حروف مقابلة تلفزيونية وإنما عند القضايا الرئيسية العامة التي تعنيني وتعني كل السوريين الذين أعرفهم.

لنبدأ من مقولة "إصلاح البعث". لا يختلف اثنان أن أيديولوجية البعث متخلفة قلباً وقالباً عن متطلبات روح العصر وتحديات الواقع، ولكن هل تكمن كبريات مشاكلنا كسوريين مع البعث أم، في الواقع، مع سلطة استبدادية حاكمة؟ هل تغيير اسم حزب البعث أو أيديولوجيته على الورق يغير من ممارسة العقلية التسلطية؟ هل البعث هو إلا واجهة أوهيكل بلا جسد (انظر منذر خدام، سيادة الرئيس ....، رزكار العدد 783 . 24. 3. 04 ). فالبعث لا يقرر في شيء وأعضاء قيادته القطرية انحصرت وظيفتهم في التوقيع على الأوراق الجاهزة ـ حتى وإن لم يوافقوا على مضمونها ـ وأصبح بعضهم مثار هزل عندما يقفون لساعات بانتظار ضابط من ضباط القصر. ثم أريد أن أسألك يا ميشيل كيلو هل كان يحمل أحد أولاد بيت الأسد بيده "المنطلقات النظرية لحزب البعث" عندما اعتدوا على المثقفين الجالسين في مقهى البستان الرصيفي في لاذقيتك؟ هل قلب أحدهم صفحات تلك المنطلقات قبل أن يأمر الجالسين بالنزول تحت الطاولات؟ هل بدأ رامي مخلوف (ابن خال رئيسك الإصلاحي) بتقليب كتب الأرسوزي ومنها اختار ما يعينه على ما بات يعرف في سورية بالرمرمة؟ أم هل كانت صفقات ذو الهمة شاليش(قريب الرئيس) في الوساطة والمتاجرة بالسلاح (انظر LA Times 30 ديسمبر 2003) تنطلق من الآفاق الإستراتيجية لحزب البعث؟ أين كان حزب البعث عند توريث الرئاسة؟ أعود لأكرر أن مشاكلنا مع الأيديولوجية البعثية أقل بكثير من مشاكلنا مع المتخفين بها؛ مشاكلنا مع السلطة والنظام التسلطي؛ ولهذا فإن " إصلاح البعث" والأيديولوجية البعثية لا يعني أكثر من حبر على ورق ولن يصلح العقلية التسلطية. ما نريده في سورية هو ليس إصلاح السلطة المتعفنة بل بل إعادة بناء مجتمعنا ودولتنا وعلى أساس دستور ديمقراطي يعبر عن الشعب بكل انتماءاته الأثنية (أكراداً وعرباً وغيرها من الأثنيات الموجودة) والسياسية والدينية ويضمن لنا كامل حقوقنا. نريد دولة مؤسسات ديمقراطية، دولة قانون و دستور ديمقراطي، نريد بلداً نحدد فيه نحن أبناء الشعب السوري من يحكمنا وعن طريق الانتخاب وبكامل الشفافية ووفقاً لمباديء الديمقراطية. نريد وطناً يتم تداول السلطة فيه ديمقراطياً وليس وراثياً. ثم أننا جميعاً نستغرب موقف من يسعى لإنقاذ السلطة القمعية الآن وفي هذا الوقت حيث يعاني هذا النظام ما يعانيه من ضعف على الصعيدين الداخلي والخارجي ! (انظر ياسين الحاج صالح، ســـوريـا أمـــام الـمـنـعـطــف مـن هــنـا إلـى أيـــن؟ ملحق النهار 21 آذار 2004).

النقطة الأخرى الملفتة هي سبب التعلق بمقولة "مشروع الرئيس الإصلاحي"! يجب ألا ننسى أو نتناسى الطريقة التي ورث بها بشار الأسد الرئاسة، ولو كان فعلاً يفكر بالإصلاح لما كان في هذا الموقع ولما قبل بهذه الطريقة ولما راح يقول بأنه عرف أنه سيكون رئيس لأنه "مرضي الوالدين...."! أما أن يتجاهل "المثقف" السوري ذلك الأمر ويعول على "نوايا بشار الأسد" الغير معلنة أساساً فهذا أمر في غاية الخطورة. ولا ندري لماذا التمسك بما سمي "خطاب القسم"؟ ولا ندري ماذا قال بشار الأسد في خطاب القسم كي يتمسك أي سوري به؟ في الواقع لم يكن لدى السوري الذي عانى الكثير أي شك أن بشار الأسد ليس إلا راضع حليب حافظ الأسد ومفطوماً عليه، لم يكن لدى السوري النقي أدنى شك أن ابن الأسد ليس لديه أكثر من وعود ونوايا مزعومة... وتعالوا نتذكر معاً ما قاله بشار الأسد أن ديمقراطيته ـ والتي تكلم عنها في خطاب القسم ـ تختلف عن الديمقراطية العالمية. وقد أثبت لنا ذلك سريعاً كيف يفهم الديمقراطية بأن زج مثقفينا في الزنازين والسجون وما زال يسجنهم وبينهم عارف دليلة وغيره.. من لجان إحياء المجتمع المدني ممن تقول أنت يا ميشيل كيلو أنك ناشط بينهم وتتكلم بإسمهم. والبارحة تماماً سجن أحد الكتاب السوريين الديمقراطيين المستقلين (محمد غانم من الرقة)! وماذا عن حقوق الإنسان؟ ألم يمت الناس تحت التعذيب في عهد المصلح بشار الأسد (انظر تقارير المنظمات الدولية بهذا الشأن وتقارير جمعية حقوق الإنسان التي ذكرت حديثاً اسم اثنين هما فراس محمود عبد الله الذي مات تحت التعذيب في فرع الأمن الجنائي بدمشق (7. 1. 2004) ونجدت البري من اللذقية الذي مات بتغريق رأسه في دلو الماء مما أدى إلى اختناقه وموته!)؟ ألم يفصل حديثاً طلاب جامعة حلب ويحرمون من حقهم في الدراسة ويذلون وهم من وجه رسالة استجارة للمصلح المحدّث بشار الأسد للنظر بحالهم؟ ألم يفصل البارحة تماماً عدد كبير من الطلاب من جامعة دمشق وفقاً لهويتهم الأثنية بعد أن وافقتم على أن هناك تناغم مع الأكراد وزاودتم في حب الأكراد أحفاد صلاح الدين؟ أهو مصلح من ملأ الدنيا صراخاً عن الأنترنيت والمعلوماتية بينما يسجن في الواقع عبد الرحمن الشاغوري لاستخدامه الأنترنيت؟ ألم يمنع مجلات من الصدور؟ ألم يطال هذا الحجب حتى النشرة الإلكترونية "كلنا شركاء"؟ وماذا أيضاً؟ أبقى في ما قاله بشار الأسد عندما اعتقدتم أنه مصلح العصر، على سبيل المثال، قال عن تحرر المرأة وعندما شرح كيف يفهم تحرر المرأة تبين أنه يعني أن تبق المرأة في البيت وتعتني بشؤون البيت والأولاد. بل وعندما راح يطبق فهمه لتحرر المرأة، عاد بالمرأة السورية قرون إلى الوراء حينما جعل المرأة السورية تتنازل عن كنيتها وتكني بكنية زوجها، هذا الأمر الذي تخلت عنه أوربا لما فيه من إجحاف بحق المرأة ووضعها كذيل للرجل بدأ يأخذه بشار الأسد على أنه الإصلاح. أعود لأسأل: ما الذي تراه يا أستاذ ميشيل كيلو في بشار الأسد حتى تصدق أنه مصلح وتقول من خلال شاشة الجزيرة " ...سندعم مشروع الرئيس إلى النهاية...ندعمه في المستقبل على عماها" ! أما أن تدعمه إلى النهاية وعلى عماها فهذا يعود لك ولكن لا تتكلم باسمنا كسوريين وكمعارضين! نحن لا نفهم الإصلاح على أنه شراء عدة كومبيوترات! بل نفهمه على أنه بناء، تركيب، عمل: أي فعل وليس قول. نسألك من جديد هل رأيت من بشار الأسد أكثر من "خطاب القسم" والمقابلات الصحفية هنا وهناك؟ عن أي مشروع تتكلم يا ميشيل كيلو؟ لا أعتقد أن بشار الأسد نفسه يعرف عن ماذا يتكلم وهنا أذكرك بمقابلته لدير شبيغل الألمانية في تموز من عام 2001، نفس المقابلة إياها التي قال بها "اشتراكية فرنسا..." وقاطعه الصحافي مصححاً ومعلماً....! أكرر سؤالي عن أي مشروع إصلاحي رئاسي تتكلم و بشار الأسد نفسه قالها بالفم المليء أن الإصلاح السياسي ليس من أولوياته؟ أم أنك تتكلم عن مشروع آخر حين تقول :"... نحن دعينا إلى الإصلاح وندعو إلى الإصلاح...السلطة لاتستجيب !" وهل تريد أن تقول أن بشار الأسد لا يملك سلطة؟ أم أن بشار الأسد ورث منصب رئيس بلا سلطة كما تساءل رياض الترك مرة؟ يبقى لزاماً علينا التذكير مرة أخرى بأن الإصلاح لدى بشار الأسد عناوين عامة ليس لها أجندة ومن يعرف غير ذلك فليتفضل ويقول ما هو مشروع بشار الأسد الإصلاحي وما هي أجندته الإصلاحية وهو في عامه الرئاسي الرابع !؟ وأربع سنوات هي الفترة الرئاسية الكاملة في البلدان التي يقرربها الشعب مصيره بيده! أربع سنوات وما زلنا في طور الكلام عن النيات؟ أم تريد أن تنتظر وعود الإصلاح التي ستستمرمن ولي العهد حافظ بن بشار بن حافظ الأسد عندما سيورث الرئاسة على قاعدة أنه مرضي الوالدين مثل أباه؟

على مدى ثلاثين عاماً كنت تنتقد هذه السلطة الديكتاتورية والآن تقول احتفظوا بالسلطة و"نحن" ندعمكم! ماذا تغير؟ أما إذا كان موقفك يا أستاذ ميشيل كيلو ينبع من ظنك أن هناك مؤامرة وسورية مستهدفة وهناك هجمة أمريكية فنوضح أن النظام لا يمثل الشعب السوري ولم ننتخب أحداً من هؤلاء الطرزانات، ثم، كيف سيكون موقفك إذا نجح بشار الأسد والنظام بالإتفاق مع الأمريكان وهذا ليس مستبعداً إذ يعمل هذا المصلح ليل نهار على كسب الرضا الأمريكي ومستعد لتقديم كل شيء شريطة أن يبقى في السلطة؟ ماذا ستقول يا ميشيل كيلو إذا تم ذلك!؟

قال رياض نعسان آغا أن "الرئيس بشار قال للبشر تعالوا خذوا جوازات سفر و مارسوا السياسة...." كيف تستطيع أن تدع ذلك يمر وكأنه يتكلم عين الحقيقة؟ أنسيت ياميشيل كيلو ذاك الجيش العريض من السوريين الـ"بدون" جوازات سفر والذين كتبت عنهم أنت سابقاً؟ وهل كان عارف دليلة يمارس غير السياسة كي يسجن؟ والسؤال الآخر هو حول عدم اعتراضك على عبارات نعسان آغا حول الماضي الذي يجب أن ندعه؟ وهل التعتيم على الماضي يغير من الحقائق التاريخية؟ وهل الحاضر هو إلا نتاج الماضي؟ فالماضي حدد الحاضر ورسم معالمه... أو هل الحاضر هو إلا ماض في عالم المستقبل؟

بقي أن نذكر أن دور المثقف من قضايا شعبه أمر في غاية التعقيد، وأحياناً ينزلق المثقف إلى مواقف يعتقد معها أنه يخدم شعبه في حين أنه، في الواقع، ُيميع قضية شعبه، والخطر الحقيقي على قضايا الشعب يكبر عندما يضع المثقف نفسه جسراً ما بين السلطة والشعب(الياس خوري). فصوت الشعب السوري ليس ممثلاً بالجلوس مع سفيرالنظام السوري في عمان والكلام بجانبه من منبرالجزيرة عن الإصلاح فهذا لا يخدم في النهاية إلا في تلميع صورة النظام دون أدنى تنازلات من جانب الأخير. لا بد من التذكير أن المعارضة تتطلب مسؤولية عالية وصلابة شديدة وتمسكاً بالأهداف وخاصة ضمن الشروط السورية وتتطلب أناساً أهلاً لها وأنت يا ميشيل كيلو بوجودك مع رياض نعسان آغا وموافقتك معه على ما قاله "بالبصم الأعمى" أسقطت نصف أهداف الحوار قبل أن يبدأ الحوار! وفي المحصلة النهائية لم تكن مختلفاً مع ممثل النظام ولم يكن هناك اتجاهاً معاكساً. من هنا نقول: مهما كانت دوافعك ـ وهذا أمر يعود لك ـ إن كنت تريد أن تتكلم عن مشاريع الرئيس الإصلاحية فلا تجلس في الجانب الخطأ حول الطاولة وإنما ضع كرسيك بجانب النعسان آغا وتكلموا عن الإصلاح وعن الرئيس الشاب (على كيفكما) ودع كرسينا  (كرسي الإتجاه المعاكس) فارغاً ليعبر غيابنا عن حالنا أصدق تعبير وليتكلم المشهد عندها عن الإصلاح البشاري. نكرر أن ما تتخذه من خطوات أمر يتعلق بك دون غيرك وليس لنا علاقة به ولكن أن تساهم في تمييع قضيتنا تحت حجة تمثيلنا فهذا ما لانسمح به.

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط