ليس هذا ما ينتظر الشعب السوري سماعه!
د. أكرم شلغين / Apr 18, 2005

التصحيح والعودة إلى المربع الأول:

مرة أخرى أجد نفسي مضطراً للكتابة عن هذا الموضوع، والسبب هو الفيض من المقالات التي ظهرت في الأيام القليلة الماضية التي تخمن أو تجزم بأن الأسد سيتنصل من "الأجهزة الأمنية" وسيقود "التصحيح" و"الانقلابات البيضاء" و"التغييرات".. هذه المقالات ليس مصدرها حصراً المحتسبين على، أو المقربين من، النظام الحاكم في دمشق بل تأتي أيضاً من بعض المهتمين بالشأن السوري بشكل عام وليس لديهم نفس المحسوبية رسمياً أو، على الأقل، لا ينطبق عليهم تماماً التصنيف الآنف الذكر. بين هذه المقالات ما يهدف عمداً إلى بث أقاويل عن "الإصلاح" و"الانقلاب" و"الحركات التصليحية" لأسباب هي بالحد الأدنى محاولة تخدير للشعب السوري وسط ضعف السلطة التي تحكمه عندما يراها تمتثل للأوامر المعطاة إليها من الخارج، وقرأ (الشعب) أو سمع عن لقاء ممثلي الإدارة الأمريكية بمجموعة من المعارضين السوريين في أمريكا والاستماع إلى طروحاتهم وتصوراتهم في رسالة واضحة المعاني، والرسالة المشابهة تماماً للاتحاد الأوربي بدعوة السيدين فريد الغادري رئيس حزب الإصلاح السوري والمحامي أكثم نعيسة لحضور جلساتها عن الشراكة دون أدنى اكتراث للنظام بل على العكس لإفهامه أن أوربا (مثل أمريكا) لن تستمر في اختزال تعاملها مع سوريا من خلال نظام غير شرعي قوامه من الطغاة والقتلة واللصوص والمافيات.

 

والخلفية السياسية التي تظهر وسطها هذه المقالات تتلخص بمجموعة عوامل وحقائق. فالصورة الداخلية في تعاطي النظام مع الشعب السوري ثابتة لا تتغير وهي بجماد الحجر تجاه مطالب هذا الشعب ومنغصاته.   فمن يعتصم سلمياً أمام مبنى "العدل" ويطالب بالحرية ويحمل كرتونة مكتوباً عليها (نعم للإصلاح من الداخل) ترسل له الأجهزة "الإصلاحية" (المحسوب قائدها عمار ساعاتي على آل الأسد) فرقة "اللبيطة" البعثية وزعرانها بعصيهم لترفسه وتتهمه بالعمالة،  فاللبط والتشبيح هما اللغة التي يستخدمها النظام الطاغي مع الشعب السوري المقهور، ناهيك عن أن الاستدعاءات والاعتقالات مستمرة، هذا إن لم نذكر أن السلطة "الاصلاحية" مازالت تحتجز سجناء الرأي. ومازالت السلطة على موقفها المتحجر والمتغطرس من التنظيمات والأحزاب السورية ومنها تلك التي توهم نفسها بإمكانية العمل مع شريحة "وطنية" موجودة ضمن النظام المتسلط ـ من أجل الوطن وتحاشياً للطوفان الذي سيغرق الجميع. فالرد على النداءات لعقد مؤتمر وطني عام دون استثناء لأي فريق كان جاء نفسه القديم/الجديد وعبر نفس القناة بالقول إن النظام الحاكم في دمشق لن يسمح لأحد بالعودة إلى الحياة السياسية كما يريد.. ولمن أضنته "الغربة" التي طالت سنواتها وعقودها ونالت منه ظروف النفي والاستبعاد فإن نظام المخابرات يسمح له بالعودة بشكل إفرادي و"لتسوية وضعه أصولاً" في "فرع فلسطين" كخطوة أولى، ومن بعدها، إن بقي لديه طاقة جسدية ونفسية وفكرية ولم يُلبسه النظام المخابراتي تهمة ما ويحاكمه على أساسها، وأراد العمل بالسياسة فعليه الذوبان بالانتساب إلى أحد الأحزاب التي سيرخص لها نظام المخابرات بعد المؤتمر القطري القادم.

  

وبشكل عام فإن الكلام عن "الإصلاح الذي سيقوده الرئيس" يأتي وسط العزلة السياسية التامة للنظام السوري عربياً وعالمياً والتي لا يستطع التعتيم عليها فيما لو طبل وزمر ليلاً نهاراً عن زيارة نجدت سيزر لسوريا، إذ تتكلم الحقائق بحد ذاتها عن تلك الزيارة حين يكون التصريح الأول، بل الوحيد، للرئيس التركي بعد ختام زيارته لدمشق بأنه أفهم النظام السوري بضرورة تنفيذ القرار 1559. وتأتي المقالات التي تتكلم عن "الإصلاح" أيضاً وسط هرب النظام  السوري من لبنان مهزوماً بجيشه وأجهزته الأمنية وصور أسوده وتماثيلهم الراجلة منها والممتطية صهوة الحصان خوفاً من عواقب مخالفة أوامر الإدارة الأمريكية التي قضت بالانسحاب بزمن وبرنامج محددين بدقة ووضوح.  وكذلك تأتي هذه المقالات وسط مناخ سياسي عام للمنطقة وثيق الارتباط بما يجري إعداده عالمياً ويتضمن، فيما يتضمنه بدايةً، تشكيل لجنة قانونية دولية للتحقيق في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري وتبيان ما خفي في تفاصيل تلك الجريمة ومن رسمها وأعطى الأوامر بتنفيذها، وفشل النظام السوري في إقناع الهيئة الدولية بشطب العبارة الأشبه بالكريستال بوضوحها والواردة في تقرير بيتر فيتزغيرالد عما قاله بشار الأسد لرفيق الحريري من أنه سيكسر لبنان فوق رأس من يكسر كلمته.

 

فالمقالات التي ظهرت في سوريا تباعاً وبكثافة بدأت بنفي ما جاء في تقرير فيتزغيرالد عن تهديد "الرئيس السوري" للحريري لأن "الرئيس السوري" حميد الخصال، سامي الأخلاق و"جيد" المنشأ والتربية و"لا يمكن بأي شكل من الأشكال" أن تصدر عنه كلمات مثل تلك التي وردت في التقرير المذكور.  ثم تطورت لغة المقالات إلى الوعود بقلب "البعث" رأساً على عقب في المؤتمر القطري القادم.  ثم تسارعت وتيرة الكلام لتتمخض عن مقالات تفيد بأن "انقلابات بيضاء" سيقودها الأسد داخل نظامه، وتم تحديد اسم فلان أوعلان ممن سيستبعدهم الأسد كرموز للفساد ولأنهم السبب في توتير العلاقة مع العالم..!    

 

أن تأتي هذه المقالات عن جوقة كتبة النظام السوري والمأجورين والعملاء والمرتزقة فهذا أمر مفهوم ولا تخفانا دلالاته أين وحين يُطلَق.  وإن أراد النظام السوري بذلك اللجوء تمرير رسالة ما للعالم ويبحث عن كبش فدا (scapegoat) بين البعض ممن استهلكهم أو يستطيع الاستغناء عنهم ولا مانع لديه من التضحية بهم لقاء نجاة بعض رموزه فإننا نتوقع ذلك منه وهو لا يعرف بدقة مصيره. ولكن أن يأتي الترويج "للإصلاح" البشاري مجدداً من أقلام "مثقفين" سوريين فهذا ما يصعب علينا فهمه لما يحمل في طياته من محاولات لتلميع صورة السلطة المتمثلة بالأسد تحديداً ـ كما درجت العادة.

 

فمقالة ظهرت في إحدى الصحف العربية، يحاول كاتبها أن يعيد إنتاج ما تروج له المخابرات السورية منذ سبعينات القرن الماضي وهو أن "الرئيس" كان دائماً يصرخ في واد آخر غير ذاك الذي تتخذه سلطة الفساد والقمع والإرهاب مقراً لها، وأن الرئيس كان  دائماً "وطنياً" "شريفاً"، "نزيهاً"، "يده قصيرة"، يعرف عن مجريات الأمور في داخل سوريا فقط من خلال هذا "الفاسد" أو ذاك الذي يخدع "السيد الرئيس" بتقاريره الكاذبة. ومقالة أخرى ظهرت قبل يومين في إحدى أكثر الصحف العربية قراءة، يذهب كاتبها أبعد في إخبار القراء أن حافظ الأسد كان في سنتي مرضه الأخيرتين بعيداً تماماً عما يحصل في البلد ويستقي الأخبار عن سوريا ممن كانوا يكذبون عليه، الأمر الذي دفع بالأسد عندما عرف بـ "الحقيقة" ليصرخ مستغرباً "وكيف يسكت الشعب السوري على هؤلاء!؟" ويتابع الأسد الأب ـ على حد زعم الكاتب ـ أنه  لولا "المرض" لكان سيمشي في مظاهرات مع الشعب السوري ضد هؤلاء..إلخ.  هنا أعترف أنني فعلاً عاجز عن فهم دوافع مثقف وكاتب يروج لأقاويل من هذا النوع وكأنه لم يعش في سوريا ولا يعرف طبيعة النظام السوري! وكأنه لم يعرف كذلك أن الأسد نفسه هو مهندس ليس فقط منع التظاهر في سوريا بل وأيضاً صانع أقفال أفواه السوريين فيما لو أرادت تلك الأفواه النطق بمشكلة الكوليرا واللاشمانيا وليس التذمر من العصابة التي يرأسها الأسد نفسه أو الإدلاء برأي حول قضاياها الوطنية المصيرية. فكلامه لا يقتصر على تلميع صورة الابن فحسب بل ويتوقف أيضاً على بعد بضعة ميليمترات فقط من تصوير جزار دموي على أنه الأم تيريزا !  هل هي "الشيخوخة" السياسية أم أن السبب هو البحث عن دور في مرحلة ما وهو ما حزا، ويحزو،  بـ"كوكبة من المثقفين" ـ كما سماهم سفير النظام السوري لدى إحدى الدول العربية ـ كي تلتف "حول السيد الرئيس" لأسبابها الخاصة! مقال آخر، مصدره معروف ويتكلم عن انقلاب أبيض،  ومقال آخر عن حركات إصلاحية هي قاب قوسين أو أدنى من الوقوع بقيادة بشار الأسد الذي لا علاقة له بكل ما حصل في سوريا..! إذا كان اعتقاد هؤلاء الكتبة أن الأسد سينجو وقد يكون لهم دور ما لاحقاً فهم مخطئون ولن أخوض أكثر في تشخيص عيوب أو ضحالة تفكيرهم وقصر بصيرتهم السياسية.  

 

ومهما كانت ذاكرة البعض قصيرة فإنني أريد العودة بها إلى فترة توريث بشار الأسد للرئاسة في سوريا في عام 2000. في تلك الفترة كثر الكلام عن الوريث على الصعيدين الخاص والعام،  فسمعنا، مثلاً، أنه عاش في بريطانيا ومتحضر (بالرغم من أن من يُلم بالحقائق يعرف أن فترة إقامة بشار الأسد في بريطانيا لم تتجاوز التسعة أشهر قضاها لا في التعرف على الحضارة والديمقراطية والحرية بل بين مجموعة من السوريين وبشكل خاص بصحبة صديقين سوريين له أحدهما يدعى حازم والآخر تمام وكذلك مع عائلة الأخرس التي تزوج ابنتهم لاحقاً، خلاصة القول أن الوصف لبشار الأسد لم يكن مطابقاً للواقع فهو لم يعرف حقاً ما تعنيه الحياة في بريطانيا ومع ذلك وصفته الأجهزة بما وصفته به آنذاك.. وفي حديث نقلته صحيفة "الحياة" في حينها عن ابن خال بشار الأسد رامي مخلوف أن الأخير تكلم عن القناعة المتأصلة في بشار فحينما يذهب رامي مخلوف وبشار الأسد إلى المطعم فإن رامي يطلب الكثير من الأطباق بينما بشار يكتفي ببعض الأطباق فقط..إلخ من هذا العلاك المخجل والذي يندى له الجبين إذا كانت هذه هي المعايير ليحكمنا الأسد.. وعلى الصعيد العام كثر الكلام حينها عن أن الأسد قال لعبد الله ابن الحسين (ملك الأردن) أنه غير راض عن الأجهزة الأمنية السورية وأدائها، وكذلك كثر الحديث عن اهتمام الأسد بالمعلوماتية واختياره للدكتور ميلاد السبعلي (الذي التقاه في الإمارات العربية المتحدة قبل وراثته للرئاسة) للعمل على تطوير وتحديث حقل المعلوماتية في سوريا، و..و.. إلخ. لم يطل الوقت بعد الكلام عن الإصلاح الرئاسي وعن نوايا بشار الأسد في الإصلاح والتحديث حتى خبر الناس من هو الأسد على أرض الواقع، حيث كان الإصلاح يترجم، على سبيل المثال لا الحصر، بالقول إن بشار الأسد لا يملك عصا سحرية بموجبها يستطيع أن يصدر القرارات اللازمة بإلغاء قانون الطوارئ وعودة المنفيين والمبعدين والتعويض للمظلومين والمتضررين من عقود الظلم والقهر والفساد، وبأن الأسد لا يستطيع عزل هذا الملياردير المنتفخ من أموال الشعب السوري لأن الضابط الملياردير هو "وصية الوالد"، وبسجن من استخدم الانترنت للحصول على معلومات إخبارية،  وتابع الأسد إصلاحاته بالسجن لـ"العشرة الأفاضل". وأما ممارسات الطاقم الإصلاحي الذين عينه بشار الأسد تحديداً فقد فاحت منه روائح العفن، وهنا أذكر، وأيضاً على سبيل المثال لا الحصر، وسأكتفي بمن يظهر وكأنه "أطهر" عناصر طاقم الإصلاح، فقد اختار الأسد صديق وقريب زوجته الدكتور سعد الدين خرفان حيث انتدب الأخير ليرأس جامعة اللاذقية، فبدأ إصلاحاته بصفقة الكومبيوترات المعروفة. حينها اشترت جامعة اللاذقية بتنسيقه وبتوقيعه خمسمائة جهاز كومبيوتر بسعر واحد وثلاثون ألف ليرة سوريا للجهاز الواحد (بسعر الجملة) في الوقت الذي يباع فيه الجهاز الواحد في اللاذقية نفسها وبنفس المواصفات – إن لم تكن أفضل-  بسعر أربع وعشرون ألف ليرة سورية!  لقد وصل هذا الأمر لمسمع بشار الأسد الذي أجاب ناقل الحديث بأن صاحب العلاقة "محسوب" عليه "شخصياً" وكفى. أهذا هو الإصلاح البشاري وطاقمه!؟ عندما أراد أحد "الواصلين" التوسط لدى الأسد لإخراج سجين رأي معروف بنزاهته وعفته ووطنيته، نُقل أن الأسد تكلم بحقد كبير عن ذلك السجين ونقل أنه لمس منه أن حقود حتى أكثر من والده. أهذا هو إصلاح الأسد بسجن الوطني الشريف وإطلاق يد السارق في حلب القطرات الأخيرة من أموال سوريا لأنه محسوب عليه شخصياً!؟

 

اليوم، وإذ يمر الأسد ونظامه بمحنة، ويضيق دائرة التشكيل الحاكم لتصبح عائلية بحتة تتمثل في الصهر والعم والخال وزوج ابنة الخال، وزوج ابنة عم الرئيس تعود نفس الأقلام ونفس الجوقة للكلام عن الإصلاح البشاري. والغريب في الأمر حقاً هو ترويج من هو خارج إطار محسوبيات النظام عن "الانقلابات البيضاء" على يد الأسد نفسه وكأن الحل الوحيد للخلاص من النظام الدموي يأتي من النظام الدموي نفسه! ألهذه الدرجة وصلت ضحالة تفكير هؤلاء واستهتارهم بعقول شعبنا!؟ كنا نتوقع أن المثقف الذي يريد الخلاص لشعبه يحاول حض الشعب على البحث عن البديل خارج دائرة النظام القمعي الأسدي، وأن يشجع الشعب السوري على الخروج إلى الشارع للقول بصوت عال للطغاة: "كفى" بدلاً من الترويج لبشار الأسد مجدداً.

 

في كل الأحوال، وإذا كانت أصوات هؤلاء هذه تنطلق من أن حسني مبارك وكبير مخابراته عمر سليمان رتبا انقلاباً ليصبح الحكم في سوريا على شاكلة الحكم في مصركما يقال، فإن النظام الحاكم في مصر ليس إصلاحياً من جهة، ومن جهة أخرى حتى ولو كان هذا هو السيناريو المرسوم بالفعل فهو حل مؤقت.  ونطمئن من يروج لإصلاح الأسد بأن لادور له لأن أعداد المنتظرين لأدوار قادمة أكبر مما يتصور.

بدورنا، نتمنى أخيراً أن يجرؤ الأسد بالفعل على إقصاء بعض من رموز الفساد ممن لا يرغبون بالتقاعد، أو وافق على تسليم البعض منهم إلى لجنة التحقيق الدولية (في اغتيال الحريري) إذا ما اقتضى الأمر – وأمنية هذه هي تهكمية ( cynical)- لأن في ذلك بداية لاصطدام العصابات، فكل الرموز التي يدور الحديث عن التفريط بها الآن تتزعم عصابات وعلى هذا الأساس اختارها الأسد الأب.

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط