د. أكرم شلغين / Sep 20, 2005

أزمتان في سوريا: الأولى هي أزمة الشعب السوري والثانية أزمة حكام هذا الشعب، والفرق بين الأزمتين شاسع ولا يقل بعداً عما يفصل بين الشعب وحكامه المتسلطين. 

أزمة الشعب السوري المزمنة تتلخص بالجوع إلى الحرية والخبز معاً، بتلازم ودون أن تولى أهمية لمشكلة الخبز على حساب الحرية أو بالعكس.  أما مأزق النظام السوري فيكمن في محاولة النجاة مما أوصل نفسه إليه من محنة مع العالم وبالتالي كيفية التمسك بالقوة والقرار في سوريا والمحافظة على كرسي الحكم الذي بدأ يهتز وبقوة تحت من يجلس عليه.  وبالرغم من أن السلطة الحاكمة في دمشق هي المسؤولة الوحيدة عن نشوء الأزمتين إلاّ أنها لم تفكر يوماً إلاّ بأزمتها، وأما الشعب السوري – بجموعه ومن فيهم من المعارضة والمثقفين- فيبدو أن عقوداً من الترويض اليومي له جعلته أعقم من أن يستنبط سبل خلاصه أو يفكر في الأمر بجدية.  وإذ تُعلمنا دروس التاريخ والضرورات الإنسانية أن من يجوع إلى الخبز أو إلى الحرية ينتفض، يخرج إلى الشارع ويقلب الدنيا رأساً على عقب، فإننا نرى، على خلاف ذلك في سوريا، أن الجائع إلى الخبز يصمت ويخاف إعلان ذلك ربما لأنه تعلّم  أن الفقر عار وفضيحة اجتماعية ولأنه تعلم في ظل ممارسات "حزب البعث العربي الاشتراكي" وعسكره ومخابراته أن الجوع إلى الحرية سر من أسرار الدولة والكلام عنه أو البوح فيه يعني الخيانة العظمى وبالتالي السجن - وربما الإعدام.

 

بعد انقلابه عام 70، بدأ حافظ الأسد يعمل بشكل ممنهج على ترسيخ ما فيه اعتبار سوريا ملكية خاصة له ولعائلته ولحلفائه المعروفين وكل ما يجري فيها هو شأن داخلي بامتياز، وبموازاة ذلك بدأ بإخراج الشعب السوري من العملية السياسية.  في عالم الأقطاب والتحالفات كانت الظروف الدولية مواتية للأسد ليلعب وبمهارة كيفما يشاء، بل وعرف الأسد كيف يستغل تلك الظروف ليوسع دائرة لعبه وليبتز العرب أيضاً (سياسياً ومالياً) وليتدخل ويهيمن في أكثر من مكان وأكثر من مجال وبشكل سافر إقليمياً (خاصة في لبنان ومع الفلسطينيين...).  لعب نظام الأسد وصال وجال وقتل وبطش ونكّل أمام مرأى ومسمع الجميع ودون أن تتسع أخبار العالم حتى لذكر المجازر التي ارتكبها (كما تفاخر مصطفى طلاس بذلك وفي أكثر من مناسبة..).

 

إلى جانب القمع، استمرت عمليات نهب البلد وممتلكات الشعب والدولة.  هذا النظام الذي تصرف طيلة عقود بمقدرات الشعب وأمواله العامة على أساس من أن البلاد ملك خاص له والعباد بها صم وبكم وعمي لم يتعامل مع سوريا على أساس من أنها الوطن النهائي والمستقر لرموزه ولأولادهم وأحفادهم، ولهذا جهد رموز النظام وأولادهم بكل ما استطاعوا لنهب البلد دون اكتراث لمستقبل الشعب، لمستقبل الأرض السورية، لمستقبل البيئة في سوريا، من هنا كانت أوامر رموز نظام الأسد وممارساتهم باستنفاذ كل ما يمكن من خيرات سوريا حتى وبأسرع ما يكون دون أن يسعى واحداً منهم إلى استثمار الأموال المسروقة من الشعب السوري في داخل سوريا بل أخرجوا أموال سوريا إلى العالم للاستثمار؛ وكدليل على بعدهم عن سوريا وشعبها وأرضها وتربتها وهوائها ومائها نجد، على سبيل المثال لا الحصر، أن رفعت الأسد يعبث بمليارات الدولارات، والتي هي من حق الشعب السوري، ويستثمر هنا وهناك في أوربا؛ ولهذا أيضاً أخرج حكمت الشهابي رئيس الأركان السوري في عهد حافظ الأسد الأموال السورية ليستثمر بها في أمريكا وبريطانيا وليمتلك مع أولاده ما يوصف بأنه أحد أفخم عشر قصور في العالم وليساهم مع ابنه بتمويل حملة انتخابية، ولهذا أيضاً أحضر ابن عبد الحليم خدام، نائب رئيس الجمهورية حتى قبل وقت قصير، النفايات النووية السامة لدفنها في أراضي سوريا؛ ولهذا أيضاً كانت صفقة ابن البطل مصطفى طلاس وزير الدفاع المزمن بجلب اللحوم الفاسدة لإطعامها للسوريين وللجيش السوري؛ ولهذا أيضاً نسمع الآن أن رامي مخلوف، ابن خال الرئيس "الاصلاحي،" بدأ يستثمر في الإمارات العربية المتحدة وبدأ بشراء العقارات والممتلكات في أوربا الشرقية وفي بريطانيا ويفاوض لشراء ما يستطيع في فرنسا، ولهذا أيضاً كان تفريط آل الأسد باسكندرون واستعدادهم للقيام بنفس الفعل حيال الجولان.  على نفس القدر من الأهمية كدليل على صلة هؤلاء الأشاوس بسوريا بصفتها وطن الحاضر ووطن المستقبل لهم  هو أن معظم هؤلاء وأولادهم يحملون جوازات سفر أمريكية وبريطانية وفرنسية إلى جانب الجنسية السورية التي استخدمت بالتحديد لسرقة سوريا أمام أعين السوريين الذين ضحوا من أجل سوريا.  خلاصة القول هي أن هؤلاء استولوا على ممتلكات سوريا ومازالوا يلعبون في الوقت المستقطع علّهم ينهبون ما يمكن نهبه – إن بقي هناك ما لم ينهبوه- أو ربما يريدون التأكد من تجفيف بترول سوريا حتى آخر قطرة خلال هذه الفترة.

 

ومن البديهي في ظل سياسة النظام الآنفة الذكر من سرقة أموال البد والاستثمار بها في الخارج، وانعدام الاستثمارات الخارجية، أن تكون أوضاع سوريا والشعب السوري على ما هي عليه من السوء:  فهناك ما يقارب الـ22 مليار دولار ديون متراكمة على كل سوري حي وكل سوري سيأتي إلى الحياة، و 60% من مجموع السكان يعيشون تحت خط الفقر، ومعدل عال جداً من البطالة (المكشوفة منها والمقنعة) يضاف إليه سنوياً ما لا يقل عن 250 ألفاً من الشباب الذين يفترض أن يدخلوا سوق العمل إلا أنهم ينضمون إلى العاطلين عنه، وواقع صحي مريع كافتقار المستشفيات العامة حتى إلى أبسط المستلزمات الطبية وانتشار مرعب للسرطانات الناتجة عن التلوث البيئي والغذائي، وواقع تعليمي متخلف جداً على كافة المستويات، وبناء تحتي أقرب ما يكون إلى البدائية وطرقات متخلفة ووسائط نقل أكثر تخلفاً (بالمقارنة). وليس الحال بالأحسن على صعيد الواقع الاجتماعي الذي قادت إليه ممارسات نظام  البعث والأسد، احتقان طائفي – مهما حاول النظام نكرانه أو تجنب الكلام عنه، وتسعير عرقي نتيجة التهميش والاستبعاد والالغاء.  خلاصة القول أن سبب أزمة الشعب السوري هو آل الأسد ومن والاهم ومن ناصرهم ومن عمل معهم ومن كان "زلمتهم" ومن شغل منصب لديهم واستغله لجمع الملايين عبر السرقة والرشوة والفساد ولا يوجد بريء بين من عمل لدى آل الأسد ويمتلك الملايين من الدولارات.  ونحن في سوريا "نعرف بعضنا" جيداً ونعرف تاريخ العوائل، ولا نتقبل سماع أن خدام بريء أو الشهابي بريء أو طلاس بريء وآل الأسد أجبروهم على لعب دور ما وأرغموهم على البقاء في مناصبهم لأسباب معروفة.  بل نصر أن هؤلاء هم رموز رئيسية من رموز فساد نظام البعث والأسد وأياديهم ضالعة في تخريب البلد ويتحملون مسؤولية أزمة البلد السياسية والاقتصادية والاجتماعية جنباً إلى جنب مثل حافظ ورفعت وبشار وجميل الأسد ورامي مخلوف.  بل لعل في ما كتبه صاحب إحدى النشرات الإلكترونية التي تصدرها السلطة قبل بضعة أشهر يعطي فكرة عن كيفية وآليات عمل وفهم أين هؤلاء من الحكومة والدولة والقرار حيث كان كلامه انطلاقاً من أن بشار الأسد لم يكن ناجحاً في الكلام أمام "الأجانب،" ولأنه حريص على البقاء على الأمور كما هي عليه كتب صاحب النشرة وبتوتر واضح ما معناه أن برامج زيارة "الوفود الأجنبية" يجب أن تبدأ بزيارة الخبراء والمستشارين والمتخصصين وفي النهاية تكون مقابلتهم لـ"الرئيس" لفترة قصيرة، إذ بدا وكأنه يقول إن مقابلة الوفود الأجنبية مع بشار الأسد يجب أن تكون ذات طابع بروتوكولي ليس أكثر، وهذا الكلام يوضح الكثيربالطبع.  

 

بالرغم من تغير الظروف الدولية وسقوط امبراطوريات وتهاوي ديكتاتوريات إلا أن النظام السوري ظل يغمض عينيه على كل ذلك وتابع الحكم بنفس الأساليب التي اعتادها من قتل وقمع وسرقة ونهب وسلب لسوريا ولشعبها معتبراً أن الأهم هو رموز النظام وعوائلهم ومن يحتسب عليهم.  وبالرغم من أن يملك مفاتيح القوة والقرار في العالم يَسّر التوريث السلس للرئاسة من الأب إلى الابن، وبالرغم من أن الشعب السوري لم يتحرك للتمسك بالنظام الجمهوري وانتزاع حقوقه بل فضل المطالبة الخجولة بالإصلاح والمصالحة الوطنية ورد المظالم، ولم يبق فرد أو تنظيم إلا وأعطى النظام فرصة للمصالحة (بل وهناك من تناسى أمواته ومفقوديه…) إلا أن التشكيل الحاكم وآل الأسد ومن حولهم أصروا على تحجرهم بوضع نفسهم بمعزل عن الشعب متنكرين له ومتعالين عليه، متجاهلين فقره وعوزه وضِيَمِه.

 

في ظل تطورات ما بعد القرار 1559 وجريمة اغتيال رئيس الحكومة اللبناني الأسبق رفيق الحريري وما يبدو أن نتائج تحقيقات القاضي الألماني ميليس والمكلف بالتحقيق في القضية من قبل الأمم المتحدة ستثمر عنه، لم يعد خافياً أن أشواطاً قد قطعت في بداية نهاية النظام السوري.  لكن، وفي واقع غياب المعارضة القوية القادرة على المبادرة، وواقع أن أجيالاً لم تعرف إلا هؤلاء الحكام وهذا النمط من الحكم، وواقع أن الشعب – بسبب هندسة حافظ الأسد لعلاقة الشعب بالسياسة-لا يعرف ماذا يفعل، وواقع أن مخابرات النظام مازالت مركز الدعاية للقادم، وواقع أن النظام السوري مازال يعتقد أنه سيسلم هذه المرة أيضاً بمجرد أن يقوم بالتضحية بـ"كبش فدا" أو أكثر وإن هو استخدم "فزاعة الإسلاميين" ليقول للأمريكيين أن بديله هو الإسلاميين المتطرفين، في ظل هذه الوقائع تكثر التكهنات عن القادم، وكل يشغل مخيلته بما يراه مناسباً كحل.  فمرة نسمع أن رفعت الأسد يرسل إشارات إلى الإدارة الأمريكية، ومرة نسمع أن خدام والشهابي يريدان المبادرة، ومرة نسمع أن آصف شوكت (صهر حافظ وبشار) يريد عقد صفقات هنا وهناك ويرتب لسيناريو يعزل به بشار الأسد ويصبح هو الرئيس. 

 

أمام هذه الأقاويل والتكهنات والسيناريوات يبدو حال السوريين كمن يشاهد فيلم رعب وتنفس الصعداء باكراً في منتصفه معتقداً أن الوحش في الفيلم قد قُتل إلا أن أنفاسه تحتبس من جديد لأن رأس الوحش نهض من جديد وتستمر عملية شد النفس وإرخائه لمرات عدة فينتهي الفيلم بمقتل الوحش إلا أن المشاهد يعتقد أن الوحش قد يظهر في أي لحظة من جديد.     

 

من المؤكد أن أحداث الواقع أصبحت متقدمة على تنظير المثقفين والمعارضين السوريين وتحليلاتهم عن القادم، فالأحداث سبقتنا حقاً.  الأمر واضح، هناك وبوضوح جريمة اغتيال سياسية كبرى تبنت الوصول إلى الحقائق بها فرنسا والأمم المتحدة والولايات المتحدة، والإشارات تدل على تورط أعلى مراتب الهرم السياسي والأمني في النظام السوري، ونقطة على السطر.  أن يقال أن ضابط مخابرات اتخذ القرار والعالم سيوافق على هذا السيناريو وسيتم إجراء بعض التغييرات و"يعين" فلان رئيس أو "يبقى" فلان رئيس فهذا قصور حقيقي إن تم تصديقه ولاحقاً الإقرار به كأمر واقع.  وكما لم يُبرئ العالم النازية كباراً وصغاراً من الجرائم لا نتقبل أن يكون هناك بريء في جرائم النظام السوري فكلهم يتحملون مسؤولية الجرائم (بما فيها جريمة اغتيال الحريري).  لم ينظر أحد في العالم إلى النازية على أنها مجموعة أشخاص تختلف بأهوائها وبدرجة نازيتها بل كنظام متجانس وكل يضطلع بمسؤولياته فيه من جهة، ومن جهة أخرى لا أدري كيف يمكننا الفصل بين الآمر والمأمور، بين من ينفذ الأمر وبين من يعطي الأمر ما لم يكن في المسألة أغراض ما!  العار في طرح أن تتم ترتيبات معينة ليحل فلان محل فلان هو في أن يكون المخرج لسوريا فقط عبر دائرة من خرّب سوريا.  من هنا يجب علينا عدم التسليم بالواقع بأي شكل من الأشكال في حال قبل العالم  ـ وخاصة أمريكا ـ بترتيبات يستمر فيها البعض من رموز النظام بموقع الحكم والقرار.  ولا نتقبل أن تكون سوريا هي الاستثناء لدى الإدارة الأمريكية التي أعلنت أن أمريكا 12 سبتمبر 2001 ليست هي نفس أمريكا 10 سبتمبر 2001 من حيث تعاملها مع الأنظمة في منطقتنا.  نكرر أنه في حال أن التغيير سيتم بترتيبات دولية وعربية معينة يبقى بموجبها فلان أو علان من رموز النظام السابق فهذا ما لا نقبل به كشعب سوري، وكمعارضة ومثقفين سوريين، نريد أن نتخلص مرة وإلى الأبد من النظام البلطجي في دمشق.  نريد محاسبة هؤلاء وليس البقاء تحت أمرتهم.  نريد استرداد أموال الشعب لسوري وليس تراكم الديون عليه فقط ليستثمر هذا وذاك في أوربا وأمريكا.    

 

لا نتقبل الحلول الترتيبية، ولا نقبل "ترتيبات انتخابية" على طريقة حسني مبارك.  ولقد تجاوز الزمن أقوالاً من نوع أن من "وضع نظام الأسد في الحكم هو القادر الوحيد على إزاحته،" ومصير الشعب السوري يجب أن يقرره الشعب السوري وحده، ومن حقنا أن ننتخب حكامنا ولم نعد نتقبل من يأتي بانقلاب وبدبابة ويحكم  بالحديد والنار ويورث ابنه الرئاسة والبلد.  علينا التنسيق والتعاون كسوريين ومعارضين ومثقفين بكافة فصائلنا وألواننا في الطيف السياسي والأثني والعرقي والديني إن كنا في الداخل أو في الخارج، فـ"نحن الشعب" السوري و"نحن" سوريا، وقوتنا في وجه النظام هي قوتنا أمام العالم وبالعكس. 

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط