د. أكرم شلغين / May 02, 2004

يَُزيّن خبراء السياحة في سورية جانبي الطرقات العامة بعبارات شهيرة مثل: "ابتسم فأنت في سورية" أو"اضحك فأنت في سورية"! ومن أفضل ما سمعت ممن جاؤوا إلى البلد وقرروا عدم تكرار ذلك الخطأ مرة أخرى في حياتهم تعليق يتعجب من التناقض بين ما هو مكتوب على لافتات الطرقات وبين الواقع فخلص إلى أنه لا يستطيع أن يبتسم "فكل شيء يوحي بالحزن والخوف في هذا البلد والذي لا أريد حتى أن أدفن فيه."

قبل أيام، أخبرني صديق أنه شاهد التلفزيون السوري يعرض ومن خلال برنامج يسمى ـ على ما أتذكرـ "ابن البلد" لعالم سوري توصل إلى اختراع هام جداً جداً في تاريخ العلم والبشرية، حدث علمي يعتبر من أهم ما توصل إليه العلم على الإطلاق. وبعد أن شوقني كثيراً تكلم عن هذا الحدث العلمي العظيم، قال: شاب سوري توصل بشكل ما إلى برمجة دماغ الفروج إلكترونياً فأصبح الفروج (والذي سعة دماغه كذا ميغابايت) يترجم من عدة لغات إلى اللغة العربية... انتفضت عندما سمعت ذلك من صديقي ، ثم هدأت وحاولت التعامل مع الخبر بروية. سألت صديقي أولاً إن كان ذلك البرنامج التلفزيوني أعد للأول من نيسان والخبر العلمي ليس إلا كذبة نيسان! أم أن ذلك العالم قد يكون أعد برنامجاً إليكترونياً أ سماه فروجاً! أم أن صديقي وبصراحة لم يكن منتبهاً بشكل جيد إلى ما عرضه التلفزيون وبالتالي لم يعرف دقة ما قيل! أم...، أم...! لكن الصديق أكد أن ذلك هو ما رآه وسمعه، وزاد أيضاً أنهم قالوا أن هناك اختراعات ومكتشفات أخرى لا يستطيعون الإعلان عنها... دار في رأسي الكثير خاصة عندما تخيلت أحدهم يحمل معه الفروج ويذهب في زيارة رسمية لبريطانيا، مثلاً، ويقابل طوني بلير الذي يتحدث بالإنكليزية وأما الضيف السوري فيستمع إلى ترجمة الفروج ناطقاً بلغة الضاد وبلسان عربي فصيح وبدون أي لكنة...
وبينما لم أجد ما يسعفني إلا كلمات الرحابنة: "... بها البلد كل شي بيصير، بها البلد كل شي بيصير!" رحت أستعرض بشريط ذاكرتي ما لا يمكن أن يحصل إلا في سورية: بدءاً من الشيخ "ظهور" الذي كتبت عنه الصحف الرسمية السورية في الثمانينات من القرن الماضي، مروراً بـ "التيس الحلوب" الذي تشفي رشفة من حليبه من الأمراض وتحمل العاقر إذا شربت منه، ذلك التيس الذي خصصت الصحف السورية صفحات للكلام عنه. وها هي قوانين الفيزياء تعجز عن تفسير ما يحدث في مكان ما من جنوب سورية ويتكلم عنه التلفزيون السوري: حيث توضع شاحنة بدون سائق وبدون تطبيق المكابح (أي بدون فرملة) على طريق منحدر فتبدأ الشاحنة بالصعود وليس العكس. وها هو التلفزيون السوري يخبرنا عن مطوع الأفاعي في قرى جبلة الذي يصرخ بالأفعى السامة أن لا تغادر المكان الذي يتركها به فتجمد بلا حراك في مكانها إلى أن يعود بعد يوم أو يومين ويقول لها اذهبي الآن فتذهب. ها هي الصحف السورية تحكي عن العالم السوري الذي اكتشف خلطة الزجاج الفينيقي الأصلية وذهب بكل ثقة بالنفس يتحدى كل العالم (وخاصة الأمريكان) بأن يعرفوا ما عرفه هو! وبكل وطنية يرفض هذا العالم كل العروض الأمريكية السخية للعمل معهم أو تعريفهم بما يعرفه ويعود أبياً إلى الوطن الحبيب. وها هو التلفزيون السوري والصحف السورية تقول كيف أن العقل العربي السوري وبإيعاز من الأب القائد استطاع تجنيب أراضي البلاد مخاطر الجفاف إذ يروي الأراضي والأشجار بالرش من الطائرات وهنا أقول أنني سعيد لأنني لم أكن بعيداً عن البلد و إلا لكنت توهمت عن مقدرة بلدي حيث أعرف أن توجيهات الأب القائد كانت بالطلب إلى المشايخ بإقامة "صلاة الاستسقاء". وها هي وسائل الإعلام تأتي بخبر انتحار رئيس الوراء محمود الزعبي بما هو أشبه بنكتة ذلك الذي "أكل أربع وعشرون كفاً على حين غفلة"، فيكون الخبر بأن رئيس الوزراء انتحر بإطلاق ثلاثة عيارات في مقدمة رأسه...وبعد قليل يعدل الخبر. وأخيراً وليس آخراً ها هي وسائل إعلام النظام السوري تشغل العالم بخبر الهجوم الإرهابي في المزة ومقتل ثلاثة من المهاجمين...وبعد قليل يسحب الخبر ويعدل! وعلى الفور يبدأ عماد مصطفى ـ سفير النظام في الولايات المتحدة ـ بالتلميح بأن القاعدة وراء ذلك بسبب التعاون السوري الأمريكي ضد القاعدة ويناشد أمريكا بتفهم الموقف السوري وأن سورية عرضة للإرهاب... ثم يصرح آخر من دمشق بأنه لايوجد عداوة مع القاعدة...! ثم يعرض التلفزيون السوري الأسلحة التي اكتشفها والتي تعود للإرهابيين...أما "كيف استطاع الأمن السوري اكتشاف مخبأ الأسلحة وذلك "المسحوق الأصفر" على بعد أربعة وعشرون كيلومتراً من دمشق ودون أن يعطي أسماء الإرهابيين أو هوياتهم فلا تسألوني؟"! ثم "كيف يكون الهدف ذلك المبنى والذي يعرف القاصي والداني أنه خال ولا يستخدم منذ أخلي قبل سنوات؟" فهذا أيضاً ما لا أستطيع الجواب عليه! لكن الخبر الأهم والأكثر متعة بالنسبة لي فهو أن الرئيس بشار ارتدى اللباس الميداني الكامل واستقل سيارة قاصداً المكان وأشرف شخصياٌ على التصدي للإرهابيين!!!!
نعود للافتة الطريق "السياحية":"إضحك فأنت في سورية" ونكرر ما قاله مسافر في سورية:"نعم أضحك ولكن، هل أضحك مع سورية أم أضحك من سورية؟"

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط