أم أن الكذب هو فلسفته المشروعة؟
د. أكرم شلغين / Mar 07, 2005

لعل الكذب هو من أكثر الصفات التي تميز النظام السوري وأتباعه، فهذا النظام يكذب في كل شيء وحتى في النشرة الجوية عن حالة الطقس ـ كما لاحظ المرحوم ممدوح عدوان قبل عقود.


وأنا أستمع إلى كذب رموز النظام المذكور يخطرني مشهدان متعلقان بالكذب: أولهما لمريض عقلي كذب مضطراً وثانيهما لبعثي يوصي أحدهم باتباع مهارة الكذب. عن المشهد الأول أتذكر أن أحد المرضى العقليين حمل سكيناً وركض يطارد شاباً ليطعنه بها. اختبأ الشاب داخل مبنى وبقي في الداخل لساعات ريثما حضر شرطيان كانا أحيطا علماً بما كان يحدث. عندما لاحظ المريض عقلياً أن الشرطيين يقتربان منه وضع يده التي يحمل السكين بها خلف ظهره وقذف بالسكين لتسقط بالقرب منه. وعندما كان الشرطيان يقيدان المريض عقلياً دار بينهما وبينه هذا الحوار. سأل المختل: "ماذا تريدان مني؟" أجاب شرطي: "ماذا تريد أنت من الشاب لتطارده؟" فأجاب: "لم أطارد أحداً، وإنني أقف هنا صدفةً وليس لأحد أن يمنعني!" قال الشرطي: "ولمن هذه السكين الموجودة وراءك على الأرض؟" أجاب المريض عقلياً: "هذه ليست لي، والسماء أمطرت سكيناً يا هذا..." وأنا أتذكر ذلك الحوار الآن يصعب عليّ التكهن بما كان يدور في رأس المريض عقلياً، فلست مختصاً، ولكنني، طبقاً لحجته، أستطيع التقدير بأنه لم يفكر بأن عدداً ما من الناس يستطيعون إثبات ما كان في الواقع يفعله، كما أن السماء لا تمطر سكاكين، وإن فعلتها تلك المرة إنقاذاً له فلن تمطر السماء سكيناً تحمل بصماته....إلخ من الأدلة التي تثبت أنه لا يقول الحقيقة.


في المشهد الثاني أتذكر أحد البعثيين المعروفين بمركزهم في النظام السوري يقول لآخر: "إذا قمت بخطوة ما واكتشفتَ لاحقاً أنك تورطت في ما قد تُحَمّل مسؤوليته فلا تعترف وابق على إنكارك لكل شيء!... اكذب واكذب بكل ما استطعت! من سيدقق فيما إذا كان ما تقوله هو الكذب أو ابن عمه؟! انظر حولك إلى الدنيا وكيف تسير، أليس كل شيء في هذا العالم كذبة؟ أولا يقوم العالم على الكذب؟!"

 

من المؤكد، في المثال الأول، أن المقدرات العقلية لمن قال إن السماء أمطرت سكيناً محدودة لدرجة أنها لا تخوله من التفكير بشكل يختلف عما نطق به من كلام. أما في المثال الثاني فنحن أمام من يكذب دون أن يندى جبينه لما يتفوه به من قاذورات بل على العكس فإنه يتخذ من الكذب فلسفة للخلاص، فلسفة يتباهي بها.


بعد خطاب الأسد البارحة، لا أدري ماذا يمكنني أن أضيف إلى ما كتبته سابقاً عن أن بشار الأسد في الكذب هو ابن أبيه، فإذا كان حافظ الأسد مرة قال في خطاب له عشية تظاهرات (جعلتها السلطة دامية) قوامها عشرات الآلاف السوريين المتظاهرين ضد حكم الأسد إنه (أي حافظ الأسد) لم يسمع بأن هناك إنساناً واحداً تزعزعت ثقته به أو يعترض على حكمه وإلاّ لكان استقال لأن جلسة بين سنابل القمح في قريته تعادل عنده كل كرسي الحكم... وفي خطاب البارحة الاستعراضي للأسد الابن نسمع الكذب بنفس المستوى. فالأسد يقول إنه لا يوجد إجماع على خروج القوات السورية من لبنان، ويزعم أن الكاميرات التلفزيونية تتبع المخادعة عند تسليطها على دائرة بها مجموعة صغيرة من اللبنانيين المتظاهرين..! ترى هل للأسد مشاكل مزمنة وموروثة في رؤية ما يحصل على أرض الواقع كي يتفوه بهذا الكلام؟ ألا يرى الآلاف على الأقل من المتظاهرين المطالبين بالاستقلال وبجلاء المخابرات والقوات السورية عن أرض لبنان؟ ألم ير المتظاهرين وقد امتلأت بهم الأماكن العامة، ألم ير أنهم اتخذوا من ساحة الشهداء حلبة دائمة لهم إلى أن تتحقق مطالبهم في الاستقلال؟ أولا يدرك الأسد (أو من كتب له هذا الخطاب) أن اتخاذ الشعب اللبناني من ساحة الشهداء تحديداً منبراً لهم للمطالبة بالاستقلال يحمل مالا يصعب على أحد فك رموزه أورؤيته من المعاني؟ فإن تكن هذه الساحة تحكي التاريخ لما شهدته من مشانق لمن قاوم الاحتلال وطالب بالاستقلال فإنها أيضاً تحكي الحاضر باحتوائها قبر رفيق الحريري وتشهد على الدم الذي أريق في لبنان مسلوب القرار بتدخل أجهزة النظام السوري.


نتساءل: ترى ألهذه الدرجة تتسطح مدارك من كتب الخطاب ومن نطق به البارحة حيث نسمع أن النظام السوري هو من أراد الانسحاب دون أية ضغوط وقبل أن تكون هناك أية مطالبة بذلك إذ بدأ بالانسحاب قبل سنوات..!؟ هل حقاً يعتقد هذا بما يقوله!؟ إذ كان الأمر كذلك، فبماذا يفسر النظام السوري الطلب الدائم والمتواصل للبنانيين بانسحاب القوات السورية ومخابراتها من لبنان؟ وإذا كان الأسد حقاً قد أراد دائماً الانسحاب طواعية فلماذا صدر القرار 1559 !!؟؟ ولماذا يركض الأسد وأعوانه من مكان إلى آخر محاولين فقط أن يجدوا من يستمع إليهم ويساعدهم على الالتفاف على القرار المذكور (الذي يقضي بانسحابهم كلياً من لبنان) واستبداله باتفاق الطائف (الذي يعتقدون أنه يحتوي على حيز للمناورة واللعب من أجل عامل الوقت وإعادة الانتشار)!؟ نحن نعرف بأن الرسالة الرئيسية في كلمة الأسد هي لأمريكا وتتلخص في كلمتين أعادهما الأسد مرتين وهما "الانسحاب الكامل" وهذا ما كان متوقعاً قوله من قبل الأسد الذي "لولا تفوه بهاتين الكلمتين لكان سيجد نفسه ونظامه في مأزق كبير" - كما وضّحت معلقة قناة السي إن إن نقلاً عن مصدر أمريكي مطلع. ولكن، إذا كان الأسد (أو من صاغ الكلمة له) يعرفون ما يتوجب عليهم قوله لأمريكا وأن الأمريكان نفسهم يعرفون ما سيقوله الأسد فلنا أن نتساءل: أويوجه هؤلاء هذا الكذب إلى الشعب السوري إذن!؟ أويريدون "حفظ ماء وجههم" أمامنا؟ أويعتقدون أن الشعب السوري لا يتابع الأخبار ولا يشعر بهلع النظام وذعره وركض رموز هذا النظام من عاصمة عربية إلى أخرى علّ هناك من يرغب في، ويستطيع، مساعدتهم؟


لا أدري إذا كان بشار الأسد يلقي بنظرة ثانية على ما كان أدلى به أو قاله هنا وهناك ليدرك كم هو ضحل، وكم يثير كلامه هزء الأجنبي قبل العربي! أتساءل ذلك وأنا أتذكر جواب الأسد لصحفيين أمريكيين لسؤال عن السر في أن جميع العقود الدسمة يأخذها ابن خاله رامي مخلوف، فأجاب الأسد حينها بما معناه أن رامي مخلوف هو مواطن وله الحق مثل أي مواطن آخر تماماً (ولهذا ترسى عليه العقود...!) ترى لو أعاد بشار الأسد قراءة جوابه عن مواطنة رامي مخلوف المتساوية مع مواطنتنا جميعاً في سوريا هل سيدرك أين يصنف جوابه !؟ هل سيعتبر جوابه يحمل المهارة أم أنه على شاكلة من سماؤه تمطر سكاكيناً! لا أدري بالضبط!


بقاءً في كذب النظام السوري، نتذكر أن الشعب اللبناني يعرف أن ذلك هو أحد السمات الرئيسية للنظام المذكور. على سبيل المثال، منذ فترة طويلة وأصوات اللبنانيين ترتفع مطالبة بالإفراج عن بقية مساجينهم لدى النظام السوري والأخير يصر على إنكار وجود أي سجين لبناني في سوريا زاعماً أنه أفرج عن جميع المساجين اللبنانيين، وبالرغم من إبراز عائلات السجناء اللبنانيين في سوريا لأذونات خاصة من مسؤولين سوريين (ضباط أمن..) تتضمن السماح بزيارة أقربائهم، فقد أصر النظام على عدم وجود أي سجين لبناني في سوريا، وهذا الإنكار جاء على لسان أكبر رموز النظام... قبل أقل من شهر فقط سمعنا أن السلطات السورية تفرج عن خمس وخمسون سجيناً يشملون سجناء عرب بينهما لبنانيان! فإذا كان المسؤولون السوريون طيلة االوقت ينكرون وجود لبنانيين لديهم وأن السجون السورية خالية من اللبنانيين فمن أين أتوا بهذين اللبنانيين!؟ وبماذا يبررون كذبهم!؟
لا أدري إن كان صمت الشعب السوري حيال كذب النظام هو السبب الذي يشجع النظام على الاستمرار في كذبه! فربما يعتقد النظام السوري أن الكذب، عندما لا يعترض عليه أحد ، يتحول إلى حقيقة ولهذا يتابع بهذا النهج بما يخص سوريا والسوريين ويقول إنه لا يسجن سياسيين سوريين ولا يوجد سجناء رأي في سوريا ولا يوجد مفقودين ولم ترتكب مجازر في سوريا ولم ولم إلخ... فإذا كانت عائلات المفقودين والسجناء لا تتجرأ بالسؤال عنهم خوفاً من المخابرات فهذا لا يغير من حقيقة أن المفقود ولدته أم، وتم تسجيله في الدوائر باسم وتاريخ ولادة وذهب إلى المدارس ورآه الناس ويفتقده الأصدقاء والأقارب. وما يحاول النظام السوري إخفاءه دون أن ينجح هو أن عدداً كبيراً من الأبنية ليست مسجلة كسجون و ليست رسمياً أبنية فروع مخابرات (أي غير السجون أو أقبية المخابرات المعروفة عامة في دمشق) وهذه الأبنية تعج بأناس بينهم من لا يزال هناك منذ عقود، علماً أن الهيئات الدولية أُحيطت علماً بذلك ودونته.


أتساءل وأنا أرى بثينة شعبان تكذب طيلة الوقت من على شاشات التلفزة العالمية دون أن يندى لها جبين، أتعرف الخجل هذه المرأة!؟ فعندما سُئلت عن منظمة الجهاد الإسلامي قالت: إن القانون السوري لا يسمح بوجود مكاتب لمنظمات مسلحة تقوم بأعمال عنف في أي مكان من العالم..... لن نحاسب هذه المرأة على الشق الثاني من كلامها ولا نريد أن نسألها عما لا يسرها سماعه وعن قائمة طويلة من الاغتيالات المشؤومة في تاريخ النظام الذي يحتويها سواء كان في سوريا أم لبنان أم فرنسا أم ألمانيا أم غيرها، بل نريد أن نسألها هل هي حقاً مقتنعة بما تقوله عن القانون السوري وماذا يسمح أو لا يسمح به؟ إذا كانت فعلاً مقتنعة بذلك فهي لا تستحق أن تكون وزيرة وهي لا تعرف ماذا يعني القانون لدى النظام الذي تنطق باسمه! أما إذا كانت غير مقتنعة بما تقوله وعليها فقط أن تطلق كلمات في الهواء فنحثها على الخجل من الظهور أمام طلاب جامعيين تعلمهم مرة أخرى لأنهم يعرفون أنها تكذب، في كل الأحوال، يعرف العالم بأسره قبل سوريا ماذا يعني القانون والدستور في نظام عفن أصبح واجب على الجميع السعي من أجل الخلاص منه.


لن يكون خطاب الأسد الأمس إلا واحد من سلسلة الكذب التي لا تنتهي للنظام السوري، ولنتذكر كيف أن هذا النظام ظل ينكر وجود أي عناصر من بقايا نظام صدام حسين على أرضه، وقبل أيام فقط سلم النظام السوري سبعاوي الحسن التكريتي (الأخ غير الشقيق لصدام) إلى الأمريكان في العراق في خطوة أرادها أن تظهره إما بمظهر وكأنه يمتلك أوراقاً أو ربما بمظهر من يقوم "بادرة حسن نية". بالطبع ، فعلة النظام هذا تشبه النعامة التي تطمر رأسها في الرمل... فإن يتوقع النظام السوري التقدير لـ "بادرة حسن نيته" فإن ما لا يفكر به هذا النظام ويحاول أن يتناساه هو أنه سيحاسب على إخفائه الحقائق والتي بإخفائها تسبب في مقتل عدد كبير (ربما فاق المائة ألف) من العراقيين، و أكثر من ألف وخمسمائة جندي أمريكي.


أخيراً نتساءل: إذا كان الأمريكان يعرفون (والعالم بأجمعه) أن النظام السوري يكذب والمهم لهم امتثال النظام السوري للمطالب الدولية وإذا كنا نحن في سوريا نعرف أنه يكذب فالسؤال الآن هو: لماذا يكذب هذا النظام؟ ألأن سماءه تمطر سكاكيناً أم لأن الكذب هو فلسفة النظام التي يفتخر بها ليثبت هويته؟

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط